<< حقوقي فلسطيني يطالب بفتح تحقيق ضد جرائم الاحتلال ضد ذوي الإعاقة في غزة
<< الشلل الدماغي لم يمنع عبدالرحمن شبير من النجاح والالتحاق بجامعة فلسطين
<< متحدث التعليم الفلسطيني: إعداد خطوات إسناد عملية لبعض الإعاقات
<< حمزة الحشاش لم يسمح للإعاقة والحرب من سرقة فرصته في التعليم
<< زيادة نسبة حالات الإعاقة في غزة بأكثر من 225% خلال الحرب
<< صمود نغم تتحدى الصمم وتجتاز الدراسة في الاقتصاد المنزلي
<< مدير الإرشاد بالتعليم في غزة: توفير 60 معلم تربية خاصة في النقاط التعليمية لذوي الإعاقة
لانا العقاد تعاني من إعاقة بصرية ناتجة عن مرض وراثي مزمن يضعف بصرها تدريجيا مع تقدم العمر، إلا أنها لم تسمح للظلام أن يسرق منها حلمها، بل حولت ما تبقى من نور في حياتها إلى وقود للإصرار والتفوق، لتكون قصتها واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية إلهاما في زمن الألم.
قبل اندلاع الحرب، التحقت لانا بمرحلة الثانوية العامة، وهي تدرك أن الكتب الورقية لم تعد صديقة عينيها، ومع نشوب العدوان، لم تستسلم للعجز، بل ابتكرت لنفسها طريقا بديلا نحو المعرفة، معتمدة على التسجيلات الصوتية للمنهج الفلسطيني، لم يكن الحصول على هذه التسجيلات أمرا سهلا، حيث تطلب الأمر جهدا كبيرا لتأمينها من رام الله، في ظل الجرائم الإسرائيلية وإغلاق الطرق وتعقيد سبل التواصل، لكنها كانت ترى في كل تسجيل صوتي نافذة أمل جديدة.
التحديات التعليمية لم تكن سوى جزء من المعاناة، ففي الشهر الثاني من العدوان، تلقت الطالبة الفلسطينية، الضربة الأقسى في حياتها بفقدان والدها، السند الأكبر والداعم الأول لمسيرتها، وبين صدمة الفقد ووجع الغياب، وجدت نفسها تواجه نزوحا قاسيا، لتعيش في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، دون إنترنت، ودون بيئة دراسية مناسبة، وفي ظروف نفسية وإنسانية شديدة القسوة.
رغم كل ذلك، لم تنكسر عزيمة لانا، فوسط الخيمة، وبين أصوات القصف وضيق المكان، واصلت رحلتها مع الدراسة، مستندة إلى إرادة صلبة وإيمان عميق بأن التعليم هو طريقها الوحيد للنجاة من واقع الحرب، وهذا الإصرار الاستثنائي تُوج بتحقيقها معدل 97% في الثانوية العامة، لتتبوأ المركز الأول على مستوى ذوي الإعاقة في الفرع الأدبي في غزة، في إنجاز لم يكن أكاديميا فقط، بل إنسانيا بامتياز.
على مدار عامين من حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، عاش الطلبة ذوو الإعاقة واقعا مركبا يجمع بين الألم اليومي وفقدان الأحبة والتهجير المتكرر، وبين التحدي والإصرار على انتزاع النجاح وصناعة مستقبل مختلف في بيئة تحاصر فيها الحياة من كل اتجاه.
رغم الانقطاع المتواصل للإنترنت، وفقدان الأجهزة المساعدة، وغياب المراكز التعليمية الملائمة، تمكن عدد كبير من الطلبة ذوي الإعاقة من إحراز أعلى الدرجات في الثانوية العامة، في مشهد يجسد الأمل وسط الركام، والإصرار وسط محاولات طمس الحقوق والحياة، فهذا النجاح لم يكن مجرد علامة أكاديمية، لكنه معركة صمود شخصية واجتماعية، تؤكد أن الإعاقة لم تكن يوما عائقًا أمام الإرادة، وأن الظروف القاسية لم تستطع إطفاء رغبة هؤلاء في بناء مستقبل أفضل.
قصة لانا العقاد، ليست مجرد مثال على الصبر والمثابرة، بل درس ملهم في الإصرار الإنساني أمام أصعب الظروف، فهي شابة تحمل تحديا مضاعفا، ومع ذلك لم تسمح لهذه العقبة بأن تكون عائقا أمام طموحها التعليمي، فاختارت طريقا صعبا، يمزج بين الألم والأمل، فتخطت حدود العجز البصري ومع كل هذا التحدي التعليمي، جاء الفقد الأكبر في والدها لتواجه معها ضغوطا نفسية ونزوحا قاسيا والعيش في خيمة تفتقر إلى الحد الأدنى من بيئة الدراسة أو الاتصال بالإنترنت، إلا أن روحها لم تنكسر، بل زادت تصميما على تحقيق هدفها.
رحلة هذه الطالبة الفلسطينية تحمل في طياتها رسالة إنسانية قوية لكل العالم، أن الإرادة والمعرفة والإصرار يمكن أن تتغلب على أصعب العقبات، وأن الدعم التعليمي ولو كان محدودا، يمكن أن يفتح آفاقا واسعة للنجاح حتى في أصعب البيئات، كما تسلط الضوء على معاناة الطلاب ذوي الإعاقة في مناطق النزاع، وتؤكد ضرورة توفير بيئة تعليمية مناسبة، وسائل مساعدة، ودعم نفسي واجتماعي يمكنهم من تحقيق كامل إمكاناتهم، رغم كل التحديات، لتصبح "لانا" رمز للكرامة الإنسانية والصمود الفلسطيني، ونموذج حي يُظهر أن الألم لا يقهر الطموح، والإرادة الفردية، عندما تلتقي بالشغف والتصميم، تستطيع أن تصنع المعجزات، حتى في أسوأ الظروف.
تسجيل 43,000 حالة إعاقة جديدة خلال الحرب
وأشارت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، خلال بيان لها في 3 ديسمبر الماضي، إلى أنه قبل سجل القطاع نحو 85000 ألفا من الأشخاص ذوي الإعاقة، وخلال العدوان على غزة، أُضيفت 43000 ألف حالة إعاقة جديدة، لتشكل 25 % من مجمل الإصابات خلال العدوان، لافتة إلى ارتفاع نسبة حالات الإعاقة بنسبة 75%، ومعظمها إعاقات حركية نتيجة عمليات البتر، وإصابات النخاع الشوكي، وإصابات الدماغ.
وأكدت تسجيل ارتفاع في أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة من كبار السن بنسبة 75 %، وتدمير%90 من مراكز التأهيل والخدمات المقدّمة لهذه الفئة، موضحة أن تفاقم المعاناة نتيجة تدمير قوات الاحتلال الاسرائيلي لمراكز التأهيل التي كان ذوي الإعاقة يعتمدون عليها بشكل أساسي، إضافة إلى فقدان للأدوات المساعدة بسبب النزوح المستمر والمتكرر.
معاناة ذوي الإعاقة في غزة
ويؤكد علاء إسكافي، مدير مؤسسة الضمير الحقوقية غزة، أن الأشخاص ذوي الإعاقة سواء ممن تعرضوا لإعاقة حديثة أو من ذوي الإعاقة يواجهون منذ سنوات ظروفا إنسانية قاسية، حيث يعانون من نقص حاد في الغذاء والمكملات الغذائية والفيتامينات والبروتينات، وخاصة خلال فترة المجاعة في القطاع التي كانت تعد عاملا مضاعفا لمشكلاتهم، حيث يعتمدون بشكل كبير على التغذية السليمة للحفاظ على سلامتهم الصحية والوظيفية.
ويضيف لـ"اليوم السابع"، أن هذه التجاوزات الإسرائيلية تشكل انتهاك واضح لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والقانون الدولي الإنساني ومعايير حقوق الإنسان، وعدم احترام الاحتياطات والتدابير التي يجب القيام بها وقت النزاع المسلح وحالات الخطر والطوارئ للأشخاص ذوي الإعاقة، مطالبا المجتمع الدولي وخاصة الدول الأعضاء في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة بضرورة التحرك العاجل بالضغط على تل أبيب من أجل تطبيق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2475، الذي يدعو جميع أطراف النزاع المسلح على اتخاذ تدابير لحماية هذه الفئة، ومحاسبة ومساءلة الاحتلال على جرائمه.
اتفاقية حماية الأشخاص ذوي الإعاقة تحميهم خلال أوقات الحرب
كما يطالب بضرورة فتح تحقيق في الجرائم الإسرائيلية المرتكبة بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة، والتدخل الفوري للحد من المخاطر التي تواجها هذه الفئة، والتي تهدد حياتهم.
وأكد مدير مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية أحمد نعيم، خلال بيان للمستشفى في 9 ديسمبر الماضي، أن الحرب تسببت بزيادة نسبة حالات الإعاقة بأكثر من 225%، مشيرا إلى أن القدرة الإنتاجية الحالية لا تسمح بتصنيع أكثر من 150 طرفا صناعيا سنويا.
وأضاف أن المستشفى قبل الحرب كان يتعامل مع نحو 2000 حالة والآن العدد تجاوز 6500 حالة جديدة، وتلبية الاحتياجات القائمة قد تستغرق أكثر من عقدين إذا لم تتحسن الظروف، مشيرا إلى أن المجمع الطبي عاد للعمل بالحد الأدنى بعد إعادة تأهيل بعض أقسامه الرئيسة شمال غزة.
الحرب تدمر حياة ذوي الإعاقة في غزة
نجاح عبد الرحمن شبير
عبد الرحمن شبير، طالب فلسطيني مصاب بشلل دماغي طرفي، لم يكن نجاحه في الثانوية العامة مجرد رقم، بل شهادة حية على صبر طويل، وكفاح مضن، وإيمان لا يتزعزع بحقه في التعليم والحياة الكريمة، حيث يحكي شقيقه أحمد شبير، تفاصيل الرحلة الشاقة التي خاضها أخوه.
ويوضح أن عبد الرحمن حصل على معدل 76% في الفرع الأدبي، رغم أنه ينتمي إلى دفعة 2006 التي ضاع عليها عامان كاملان من التعليم بسبب العدوان الإسرائيلي، وهو ما شكل فجوة تعليمية ونفسية كبيرة لمعظم الطلبة، خاصة ذوي الإعاقة، ورغم ذلك، تمسك شقيقه بفرصته الأخيرة في التقدم للامتحانات، رافضا أن يكون ضحية لظروف لم يخترها.
ويشير أحمد إلى أن رحلة النزوح كانت من أقسى ما واجهه عبدالرحمن، إذ تتطلب حالته الحركية بيئة خاصة ومهيأة لم تكن متوفرة في مراكز الإيواء المكتظة، والتنقل اليومي تحول إلى عبء مضاعف، خاصة في ظل اعتماد الطالب الفلسطيني على كرسي متحرك متهالك خضع لإصلاحات متكررة دون وجود بديل مناسب، ما زاد من معاناته الجسدية والنفسية على حد سواء.
ولم تقف التحديات عند هذا الحد، إذ كان الإنترنت – وهو عنصر أساسي للدراسة - غائبا بشكل كامل في المنطقة التي نزح إليها عبد الرحمن في مخيم النصيرات، ما حرمه من متابعة الدروس أو الوصول إلى المواد التعليمية، وجعل عملية الاستعداد للامتحانات معركة حقيقية ضد العزلة والحرمان، ورغم ذلك، واصل عبد الرحمن جهده بصبر لافت، مستندا إلى دعم عائلته وإرادته الصلبة.
برغم كل هذه الظروف القاسية، نجح عبد الرحمن شبير في اجتياز امتحانات الثانوية العامة، وواصل طريقه نحو المستقبل، حيث سجل في تخصص تكنولوجيا المعلومات بجامعة فلسطين، في خطوة تعكس طموحه في بناء حياة مستقلة، قائمة على المعرفة والاعتماد على الذات، ليؤكد من خلال إنجازه، أنه لن يسمح للإعاقة أو للحرب أن تجعله عالة على أحد، بل يسعى ليكون فردا فاعلا في مجتمعه.
الحكومة الفلسطينية ودعم الطلاب ذوي الإعاقة
في ظل التحديات الإنسانية والتعليمية غير المسبوقة التي يعيشها الطلبة الفلسطينيون، يؤكد صادق الخضور، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، أن ملف دعم الطلبة ذوي الإعاقة يحظى باهتمام خاص داخل الوزارة، رغم تعقيدات الواقع وتشتت أماكن وجود الطلبة داخل قطاع غزة وخارجه.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن المرحلة السابقة شهدت صعوبات كبيرة في حصر البيانات وتبويب الإعاقات، موضحا أن هذه الخطوة تعد متطلبا أساسيا لأي تدخل فعال، لكنها لم تكن سهلة في ظل الظروف القائمة، والوزارة، ومن خلال الإدارة العامة للتربية الخاصة، تعمل حاليا على تجميع البيانات وتصنيفها وتبويبها بشكل دقيق، تمهيدا لتحديد التدخلات المناسبة لكل حالة، سواء للطلبة الموجودين داخل قطاع غزة أو خارجه.
تحديد هذه التدخلات يتم على ضوء التصنيف العلمي والدقيق للبيانات، حيث يؤكد "الخضور"، أن معظم البرامج التي نفذها الشركاء الداعمون للطلبة ذوي الإعاقة تركزت في الغالب على الطلبة داخل غزة أكثر من أولئك الموجودين خارجه، وهو ما تعمل الوزارة على معالجته في المرحلة المقبلة لضمان عدالة الوصول إلى الدعم.
الطلاب الضحايا من الحرب على غزة
وفيما يتعلق بالطلبة الفلسطينيين الموجودين في مصر ، يوضح أن الوزارة تتابع جميع الحالات الخاصة، بما فيها الطلبة ذوي الإعاقة، بالتنسيق المستمر مع سفارة دولة فلسطين في القاهرة، لافتا إلى أن خصوصية هؤلاء الطلبة تُفرض بحكم تلقيهم التعليم عبر المدارس الافتراضية، الأمر الذي دفع الوزارة إلى إيعاز المعلمين بإعداد مواد تعليمية تتواءم مع طبيعة الإعاقات المختلفة، بما يضمن حقهم في التعلم دون عوائق إضافية.
ضحايا العملية التعليمية في غزة
دعم ذوي الإعاقة لا يقتصر على العملية التعليمية اليومية، بل يشمل أيضا امتحان الثانوية العامة، حيث جرى على مدار عامين تقديم الامتحان بدوراته الثلاث لطلبة فلسطين في مصر، مع مراعاة وجود طلبة من ذوي الإعاقة بإعاقات متعددة، وهنا يؤكد صادق الخضور، أن الوزارة قامت بإعداد مواءمات خاصة لكل حالة، إلى جانب خطوات إسناد عملية لبعض الإعاقات، مثل توفير معلم مساند في الحالات التي تتطلب ذلك، كالإعاقات المرتبطة ببتر الأطراف العلوية.
جانب من ضحايا العملية التعليمية في غزة
ويشدد على أن المواءمات المعتمدة لذوي الإعاقة داخل فلسطين في امتحان الثانوية العامة تم تطبيقها كذلك على الطلبة الفلسطينيين خارج فلسطين، التزاما بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، مشيرا إلى أن الوزارة ماضية في تطوير سياساتها وبرامجها، بما يضمن للطلبة ذوي الإعاقة حقهم الكامل في التعليم، مهما اختلفت أماكن وجودهم أو تعقدت الظروف من حولهم.
احتياجات الطلاب ذوي الإعاقة
ويؤكد مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، أن العدوان الإسرائيلي خلال العامين الماضيين تسبب في أكبر موجة إصابات تؤدي إلى الإعاقة في تاريخ القطاع، مشيرا إلى أن الأعداد ارتفعت بشكل غير مسبوق نتيجة القصف المباشر، انهيار القطاع الصحي، ومنع دخول الأدوات الطبية.
ويضيف مدير برنامج التأهيل بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه قبل الحرب كان في غزة نحو 10 آلاف طالب وطالبة من ذوي الإعاقة في المدارس الحكومية، ووكالة الأونروا، والخاصة، لافتا إلى أن أعداد هذه الفئة زادت 170 ألف، بينهم ما لا يقل عن 43 ألف شخص أصبحوا ذوي إعاقة نتيجة الحرب.
ويوضح أن هناك آلاف من الطلبة ذوي الإعاقة ممن يحتاجون إلى كراسي متحركة، وأطراف صناعية، وأجهزة سمع وبصر، لكن دخول هذه المساعدات ما زال مقيدا بشكل كبير، متابعا: "نحن نواجه أزمة إنسانية مزدوجة؛ الإعاقة التي تسبب بها الاحتلال، وحرمان الأطفال من العلاج والأدوات اللازمة للعيش الكريم".
معاناة المكفوفين نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة
من فقدان العين لتحقيق النجاح
وبين الألم والأمل، يواصل طلبة غزة من ذوي الإعاقة كتابة فصل جديد من الإرادة التي لا تُكسر، نجاحهم ليس مجرد نتيجة امتحان، لكن شهادة على قدرتهم على تحدي الحرب والنيران والتهجير، وإعلان بأن المستقبل لهم رغم كل محاولات محوه، فهؤلاء الطلبة أثبتوا أن التعليم هو آخر ما يُهزم في غزة، والحلم لا يزال أكبر من الحرب.
وفي مخيم البريج وسط غزة، حيث تختلط رائحة الركام بصوت الذكريات الثقيلة، يعيش حمزة الحشاش، شاب فلسطيني لم يكن فقدان البصر جزءا من قدره، بل نتيجة مباشرة لقصف مدفعي استهدف منزله، ليقلب حياته رأسا على عقب، وينتزع منه فجأة نافذته إلى العالم.
ويكشف حمزة تفاصيل اللحظة التي غيرت مسار حياته، حين أدى القصف إلى فقدانه البصر في كلتا عينيه، قبل أن يتمكن، بعد رحلة علاج طويلة ومؤلمة، من استعادة جزء محدود من الرؤية في إحدى عينيه، بينما فقد الأخرى بشكل كامل، ولم يكن الألم جسديا فحسب، بل أيضا نفسيا وإنسانيا، حيث وجد نفسه فجأة في مواجهة عالم مظلم، بلا أدوات مساعدة، أو رعاية طبية كافية، ولا إجابات واضحة عن المستقبل.
رغم قسوة الإصابة، لم يسمح حمزة للحرب أن تسرق حلمه في التعليم، فرغم غياب أي أجهزة مساعدة للدراسة، وعدم توفر جوال أو جهاز لاب توب، ابتكرت العائلة طريقها الخاص نحو المعرفة، واجتمع أشقائه حوله، يتناوبن على قراءة الدروس له بصوت عال، صفحة بعد صفحة، ليحفظها عن ظهر قلب، في مشهد إنساني يلخص معنى التضامن الأسري في أقسى الظروف.
وسط هذا الواقع الصعب، خاض حمزة امتحانات الثانوية العامة بإرادة لا تقل صلابة عن الركام المحيط به، وتمكن من تحقيق معدل 73.8% في الفرع الأدبي، في إنجاز يتجاوز كونه رقما دراسيا ليصبح فعل تحد حقيقي لنتائج الحرب، هذا النجاح لم يكن وليد ظروف مهيأة، بل ثمرة صبر طويل، وذاكرة مثقلة بالصوت بدل الصورة، وإيمان داخلي بأن فقدان البصر لا يعني فقدان المستقبل.
ولا تزال رحلة حمزة مع المعاناة مستمرة، إذ ينتظر حتى اليوم تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، في ظل محدودية الإمكانيات الطبية داخل غزة، وتأخر الإجراءات التي تبقيه معلقا بين الألم والأمل، ومع ذلك، يتمسك بحلمه في استكمال علاجه ومواصلة تعليمه، مؤمنا بأن ما تبقى من نور في حياته يكفي ليقوده إلى الغد.
وأكدت وزارة الصحة بغزة، في 29 نوفمبر، أن هناك تحديات صعبة تعيق استمرار تقديم الرعاية التخصصية لمرضى العيون في غزة، موضحة أن تلف الأجهزة التشخيصية والجراحية فاقم من صعوبة التدخلات الجراحية وزيادة الانتظار للعمليات.
وأضافت أن الأرصدة الدوائية لخدمات العيون محدودة للغاية ولا تلبي الاحتياج الطارئ، ونقص الأدوية التخصصية للمرضى ضاعف من معاناتهم الحادة والمزمنة .
وأوضحت أن هناك 4000 مريض يعانون من ارتفاع ضغط العين "الجلوكوما" مهددين بفقد البصر جراء نقص العلاج ومحدودية الاجراء الجراحي، مطالبة كافة الجهات المعنية التدخل العاجل لإدخال الأجهزة التشخيصية والأدوية التخصصية لمرضى العيون.
صمود نغم الأشقر
في قلب مخيم النصيرات بقطاع غزة، تمكنت نغم الأشقر، الفتاة الصامدة منذ ولادتها ضد تحدي الصمم، من تحقيق إنجاز رائع في مسيرتها التعليمية، ليصبح نجاحها مصدر إلهام لكل من حولها، حيث استطاعت أن تحقق معدل 77% في تخصص الاقتصاد المنزلي بمدرسة مصطفى الرافعي، متجاوزة العقبات اليومية التي يفرضها العجز الحسي وظروف الحياة القاسية في المخيم.
وتقول خالتها روان الأشقر إن العائلة بذلت جهودا كبيرة لتوفير وسائل مساعدة لنغم، من بينها جوال ولاب توب، رغم شح الإمكانات وظروف الحرب، مضيفة أن الأسرة وفرت لها كل الدعم النفسي والتعليمي، لتتمكن من متابعة دروسها والتفوق في امتحاناتها، مؤكدين أن الإرادة والتصميم هما سر النجاح.
وتضيف أن نغم لم تدع الصمم يقيد طموحها، بل حولته إلى قوة دافعة نحو الإبداع، مشيرة إلى أن الفتاة اليوم تخطط لدراسة تصميم الأزياء، رافعة شعارا ملهما: "الصمت ليس عائقا أمام الإبداع"، لتثبت أن الإرادة والمعرفة يمكن أن تتغلب على أصعب التحديات.
نجاح نغم الأشقر يعد نموذجا حيا للتغلب على التحديات التعليمية والفكرية في ظل ظروف الحرب والفقر، ويعكس أهمية الدعم الأسري والمجتمعي في تمكين ذوي الإعاقة من تحقيق طموحاتهم.
إلغاء مواد للطلاب ذوي الإعاقة
ويؤكد خالد أبو فضة، مدير عام الإرشاد والتربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم في غزة، أن الوزارة بذلت جهودا استثنائية لضمان تقديم ذوي الإعاقة لامتحانات الثانوية العامة بمرونة تتناسب مع ظروفهم، لافتا إلى أن توفير ما بين 50–60 معلم تربية خاصة في النقاط التعليمية خلال الحرب، وإلغاء بعض المواد مثل التكنولوجيا والرياضيات عن الطلبة من هذه الفئة، مع مراعاة ظروف النزوح.
ويضيف أن 70 طالبا من ذوي الإعاقة تقدموا لامتحانات الثانوية العامة هذا العام في مختلف المحافظات، ونجح عدد كبير منهم، فيما سيكمل آخرون دورات الإعادة، مطالبا المؤسسات الدولية بدعم الوزارة وتوفير الأجهزة والأدوات المساعدة لهذه الفئة الذين تزايدت أعدادهم بسبب قصف الاحتلال.
وحذرت منظمة أطباء بلا حدود، خلال بيان في 21 يناير، من تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية في غزة وسط الظروف الجوية القاسية والهجمات الإسرائيلية المستمرة، مشيرة إلى أن أعداد كبيرة من السكان يعيشون في ملاجئ بلاستيكية مؤقتة فيما يعيش الآخرون في خيام قديمة تضررت بشدة بسبب الرياح القوية والأمطار.
وأضافت أن الأطفال والبالغون يموتون بسبب البرد القارس والوضع لا يمكن وصفه إلا بأنه كارثة حقيقية، كما أن اعتداءات الاحتلال لا تزال تحدث بانتظام إلى جانب حظر أنشطة العديد من منظمات المجتمع المدني الدولية في غزة.
ومع الدمار الهائل الذي شهدته المدارس والجامعات نتيجة القصف المتواصل، يعيش آلاف الطلبة ذوو الإعاقة واحدة من أصعب الفترات في حياتهم التعليمية.، حيث الانقطاع عن التعليم، وفقدان الأدوات المساعدة، وتعطل الخدمات الخاصة بهم، مما جعل العملية التعليمية شبه مستحيلة، خاصة لأولئك الذين يعانون من إعاقات بصرية.
رغم هذه الظروف القاسية، يبرز بعض الطلبة الذين تحدوا كل العقبات، متمسكين بحقهم في التعلم وتحقيق طموحاتهم، من بينهم محمد النجار، فقصته تمثل شهادة على الإرادة الإنسانية في وجه الصعاب، وتجسد واقع آلاف الطلبة المكفوفين أو ضعاف البصر في غزة.
محمد النجار يسجل في برنامج الماجستير رغم الحرب والإعاقة البصرية
محمد النجار صاحب الـ25 عاما، الذي فقد بصره وهو في السادسة من عمره، في عام 2006 نتيجة شظايا أصابت عينيه خلال قصف إسرائيلي على منزله، منذ ذلك التاريخ، تغيرت حياته بالكامل، إلا أنه في ذات الوقت لم يسمح للعتمة أن تمنعه من متابعة تعليمه.
قبل أسبوعين من اندلاع الحرب الأخيرة، سجل محمد النجار في برنامج الماجستير في القانون العام، وكان هدفه أن يصبح باحثا قانونيا يسعى للدفاع عن حقوق ذوي الإعاقة والمجتمع، إلا أن القصف المدمر الذي طال الجامعة والحي السكني جعله أمام واقع قاس، فالمكتبات تحولت إلى ركام، والقاعات الدراسية تدمرت بشكل كبير، وكذلك فقد جميع أجهزته المساعدة مثل الحاسوب المحمول وجهاز القراءة الصوتية.
ويقول الباحث من ذوي الإعاقة الصرية،: "استيقظت ذات صباح على خبر قصف الجامعة، شعرت بأن كل ما بنيته في سنوات دراستي السابقة انهار خلال لحظات، ولم أملك حينها سوى هاتفي القديم، ولم أجد أي وسيلة للبحث أو التواصل مع أساتذتي".
رغم كل العقبات، أصر محمد على الاستمرار، حيث استخدم تسجيلات صوتية ومحاضرات محفوظة مسبقا، واستعان بأصدقائه لقراءة المراجع القانونية عبر المكالمات الصوتية الطويلة، وخلال الحرب كانت ساعات الليل تمر بلا كهرباء، لكنه في ذات الوقت يصر على أن يدرس في ظلمة الخيمة التي تؤويه وعائلته، مستخدما جهاز تسجيل صغير يعمل بالبطاريات.
نجح محمد في إنهاء دراسته بنجاح رغم كل هذه العراقيل التي قد لا يتحملها أحد، وحصل على المرتبة الأولى على دفعته في الماجستير، حيث يعقب: "هذا التفوق لم يكن انتصارا شخصيا فقط، لكن رسالة تقول إن الإرادة أقوى من أي حرب أو إعاقات".