خلال حرب الإثنى عشر يومًا في يونيو 2025، وعلى خلاف ما يعتقده كثيرون، لم يكن قرار وقف الحرب مجرد تحرك منفرد من إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، فالتقدير الأقرب في رأيي أن تل أبيب نفسها كانت أحد الأطراف الرئيسية التي دفعت في الكواليس نحو إنهاء تلك الجولة.
صحيح أن إسرائيل نجحت آنذاك في توجيه ضربات موجعة للبنية التحتية الاستراتيجية والعسكرية الإيرانية، إلا أنها في الوقت ذاته فوجئت بقدرة الصواريخ الإيرانية على اختراق منظومات الدفاع الجوي والوصول إلى العمق الإسرائيلي، محدثة خسائر لم يعتد عليها الإسرائيليون من قبل، بل فاقت في أثرها الهجمات الصاروخية التي أطلقها نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي.
في ضوء ذلك، بدا قرار وقف الحرب حينها أقرب إلى خطوة تكتيكية لالتقاط الأنفاس والاستعداد لجولة لاحقة، وهي الجولة التي نعيشها الآن، ولكن مع تحول استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في دخول الولايات المتحدة كطرف رئيسي وفاعل في الحملة العسكرية ضد إيران.
غير أن السؤال الأهم اليوم هو: ما الذي يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه المرة إلى تحمّل الخسائر الأوسع التي تلحق بالداخل الإسرائيلي نتيجة الهجمات الإيرانية وهجمات حزب الله؟
التفسير الأرجح، في تقديري، هو أن القيادة الإسرائيلية تراهن على أن هذه الخسائر، رغم قسوتها، تظل ثانوية مقارنة بالهدف الاستراتيجي الأكبر، وهو ضمان إضعاف القدرات الإيرانية "العسكرية والصاروخية والنووية" إلى أقصى حد ممكن، وصولًا إلى إنهاكها بصورة تحول دون تعافيها سريعًا بعد الحرب أو تمهد لجولة أخرى قادمة.
وتكمن الخطورة هنا في احتمال أن يكون نتنياهو قد روّج لهذا الطرح لدى إدارة ترامب وكذلك لدى عدد من الدول الإقليمية، وخاصة في الخليج. فبالنسبة لواشنطن، قد يُقدَّم الأمر باعتبار أن التداعيات الاقتصادية للحرب، بما في ذلك اضطراب أسواق الطاقة أو حتى إغلاق مضيق هرمز وانقسام الداخل الأمريكي، تمثل خسائر قابلة للتحمل إذا كان المقابل هو التخلص نهائيًا من البرنامج النووي الإيراني ومن القدرات الصاروخية لطهران.
أما بالنسبة للدول الخليجية، فقد يُسوَّق نتنياهو الطرح ذاته على أساس أن ما تتعرض له هذه الدول الآن من هجمات إيرانية وخسائر أمنية واقتصادية يمكن اعتباره كلفة مؤقتة في سبيل إنهاء الخطر الإيراني بشكل نهائي.
غير أن هذا الرهان – إذا كان بالفعل مطروحًا بهذا الشكل – يحمل قدرًا كبيرًا من الخطورة. فاستمرار الحرب لن يعني سوى اتساع دائرة الخسائر، كما أن الكلفة التي ستتحملها الدول العربية والخليجية مرشحة لأن تكون أكبر بكثير من تلك التي تتكبدها إسرائيل، والتي قد يراها نتنياهو خسائر محدودة لا تمثل تهديدًا حقيقيًا لوجود الدولة الإسرائيلية.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن الرهان الإيراني على أن استهداف والعدوان على الدول العربية الخليجية سيُسرّع من الجهود الدولية والإقليمية لوقف الحرب ليس في محله أيضًا. فالحرب – في تقديري – لن تتوقف إلا عندما تصل الخسائر داخل إسرائيل إلى مستوى يدفع القيادة الإسرائيلية نفسها إلى إعادة الحسابات، وعند تلك اللحظة فقط قد تتحرك واشنطن، بقيادة ترامب، نحو إنهاء المواجهة مع محاولة صياغة مخرج سياسي يسمح بتقديم ما يشبه “نصرًا” يمكن تسويقه للرأي العام الأمريكي.
في المحصلة، تبدو المنطقة اليوم أمام معادلة شديدة الخطورة، حيث يراهن كل طرف على أن كلفة الحرب يمكن احتمالها مرحليًا لتحقيق مكاسب استراتيجية أكبر. غير أن التاريخ القريب في الشرق الأوسط يثبت أن الحروب التي تبدأ تحت هذا المنطق غالبًا ما تخرج سريعًا عن حسابات أصحابها.
فاستمرار المواجهة لن يعني فقط إنهاك إيران، بل سيعني أيضًا استنزاف وإنهاك واسع للإقليم بأكمله، اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى أي مدى يمكن لجميع الأطراف تحمّل كلفة هذه الحرب قبل أن تتحول الخسائر المتراكمة إلى نقطة تحول تفرض وقفها؟ أو أن يتسع نطاق الحرب لتتحول بالفعل إلى حرب إقليمية شاملة، فحينها فقط قد يبدأ البحث الجدي عن تسوية، لكن بعد أن يكون الشرق الأوسط قد دفع ثمنًا جديدًا من استقراره وأمن ومقدرات شعوبه.