لم يعد انتشار مراكز علاج الإدمان غير المرخصة مجرد ظاهرة هامشية، بل أصبح قضية صحية واجتماعية تستحق وقفة جادة. ففي ظل تزايد أعداد الراغبين في العلاج من الإدمان، ظهرت كيانات ومراكز تعمل خارج الإطار القانوني، مستغلة حاجة المرضى وأسرهم للنجاة من دائرة المخدرات.
هذه المراكز التي تُعرف شعبيًا بـ«مصحات بير السلم» تحولت في كثير من الأحيان إلى تجارة مربحة على حساب صحة المرضى وكرامتهم الإنسانية.
وتؤكد تقارير وزارة الصحة والسكان المصرية وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي أن الدولة خلال السنوات الماضية نجحت في إغلاق عدد كبير من المراكز غير المرخصة، بعد ثبوت ارتكابها مخالفات جسيمة تتعلق بسوء الرعاية الطبية أو احتجاز المرضى بطرق غير قانونية.
لكن رغم هذه الجهود، ما زالت الظاهرة تظهر بين الحين والآخر، ما يكشف أن المواجهة تحتاج إلى استراتيجية أكثر شمولًا.
المشكلة في المراكز غير المرخصة لا تتوقف عند غياب الترخيص فقط، بل تمتد إلى غياب المعايير الطبية والعلمية في علاج الإدمان. فكثير من هذه الأماكن تدار بواسطة أشخاص غير مؤهلين طبيًا، وقد تعتمد على أساليب بدائية أو قسرية في التعامل مع المرضى، مثل العزل أو التقييد أو منع العلاج الدوائي المناسب، وهو ما قد يعرّض حياة المرضى لمضاعفات خطيرة.
كما أن بعض هذه المراكز تستغل جهل الأسر بالإجراءات الطبية الصحيحة لعلاج الإدمان، فتقدم وعودًا غير واقعية بالشفاء السريع، أو تستخدم أساليب دعائية مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وفي كثير من الحالات، يدفع المرضى وأسرهم مبالغ مالية كبيرة دون الحصول على خدمة علاجية حقيقية.
ولمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من العمل على عدة محاور متوازية. أول هذه المحاور هو تشديد الرقابة على المراكز العلاجية، من خلال حملات التفتيش المستمرة وإغلاق أي منشأة تعمل دون ترخيص. كما يجب تطبيق عقوبات رادعة على القائمين على هذه المراكز، باعتبار أن ما يحدث قد يرقى إلى جريمة تهديد للصحة العامة.
المحور الثاني يتمثل في زيادة عدد المراكز المعتمدة لعلاج الإدمان داخل المنظومة الصحية الرسمية، بما يضمن توفير خدمات علاجية آمنة ومجانية أو منخفضة التكلفة، خاصة مع تزايد الطلب على العلاج.
أما المحور الثالث، وهو ربما الأكثر أهمية، فيتعلق برفع الوعي المجتمعي. فالكثير من الأسر لا تعرف كيفية التحقق من ترخيص مراكز علاج الإدمان أو المعايير الطبية المعتمدة للعلاج. ومن هنا تأتي أهمية حملات التوعية التي توضح للمواطنين كيفية اختيار المكان الآمن للعلاج، وتشجع المرضى على اللجوء إلى الجهات الرسمية.
إن مواجهة مراكز علاج الإدمان غير المرخصة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، فالإدمان في النهاية مرض يحتاج إلى علاج علمي وإنساني، وليس إلى مغامرات علاجية خارج إطار القانون.
وإذا كانت الدولة قد قطعت شوطًا مهمًا في التصدي لهذه الظاهرة، فإن المعركة الحقيقية تظل في بناء منظومة علاجية متكاملة تضمن للمريض حقه في العلاج الآمن والكرامة الإنسانية، بعيدًا عن استغلال تجار الألم