أعلنت بعثة الحج المصرية أن جميع حجاجنا بخير، وهناك متابعة لحظية لهم، فيما ناشدت ضيوف الرحمن بعدم التعرض للشمس بشكل مباشر وتفادي الاجهاد الحراري.
ومع إشراقة صباح هذا اليوم الثلاثاء، التاسع من شهر ذي الحجة لعام 1447 هجرية، تلاقت قلوب الحجيج وأعين العالم نحو بقعة واحدة تتنزل فيها السكينة وتفيض منها الرحمات وتتلاشى عندها الفوارق بين البشر.
بدأت جموع حجاج بيت الله الحرام بالتوجه والصعود إلى صعيد عرفات الطاهر في مشهد مهيب يأسر الألباب وتملؤه مشاعر الخشوع المطلق، حيث تجلت عظمة المشهد في تلك الملايين التي غادرت ديارها لتلتقي في وادٍ واحد، لاهجة بالتلبية والدعاء والتضرع، في لوحة إنسانية وإيمانية فريدة تجسد أسمى معاني العبودية لله الواحد القهار، طمعاً في عفوه ومغفرته وعتق رقابهم من النار في هذا اليوم المشهود الذي يباهي الله فيه بأهل الأرض أهل السماء.
جبل الرحمة يكتسي باللون الأبيض
واكتسى جبل الرحمة باللون الأبيض الناصع مع تدفق الحجيج الذين تسابقوا لاعتلاء صخوره التاريخية، مشكلين مشهداً أشبه بيوم الحشر، وسط دموع الخاشعين ودعوات الصالحين التي هزت أرجاء المشعر الطاهر وارتفعت معها الأيدي ممدودة نحو السماء في تضرع وانكسار.
مشاهد إنسانية في مشعر عرفات
وفي زوايا الصعيد المبارك، برزت مشاهد إنسانية بالغة التأثير تترجم روحانية هذا اليوم، حيث شهدت المشاعر المقدسة تجمعات دافئة للأسر والأصدقاء الذين توافدوا معاً من شتى بقاع الأرض، يتعاونون على مشقة السير ويقتسمون جرعات الماء، ويتعانقون في نوبات بكاء حارة بعد أن جمعهم الله في أعظم مجمع إسلامي على وجه الأرض، ليرسموا معاً لوحة من التلاحم والترابط الأخوي الذي يذوب فيه الغريب في حب أخيه، ولا تزيده الأيام والمشاق إلا رسوخاً وثباتاً في رحاب هذا الموقف العظيم.
ولم تكن هذه الحشود المليونية لتبدأ رحلتها المقدسة وتتحرك بهذه السلاسة والانسيابية الفائقة لولا المتابعة الأمنية الدقيقة واليقظة العالية التي فرضتها مختلف قطاعات وزارة الداخلية والجهات التنفيذية السعودية، حيث انتشر رجال الأمن وأفراد المرور على طول طرق المركبات ومسارات المشاة الممتدة بين المشاعر، وأداروا حركة الحشود بكفاءة احترافية واقتدار وفق خطط التصعيد والتفويج المعتمدة سلفاً لمنع التكدس وتسهيل حركة العجزة وكبار السن.
وقدم رجال الأمن البواسل نموذجاً ممتداً في الإنسانية والرحمة عبر حرصهم الشديد على إرشاد الحجاج التائهين، ومساعدة الضعفاء، ورش رذاذ المياه الباردة لتلطيف الأجواء في ظل درجات الحرارة المرتفعة، مما بث الطمأنينة والأمان في نفوس ضيوف الرحمن وضمن سلامتهم طوال رحلة الصعود المباركة من مشعر منى إلى صعيد عرفات.
وتكاملت هذه المنظومة الأمنية المحكمة مع جاهزية تامة واستنفار كامل من جميع القطاعات الحكومية والخدمية والطبية والتموينية المعنية برعاية ضيوف الرحمن؛ إذ تحول مشعر عرفات بأكمله إلى واحة متكاملة الخدمات من خلال انتشار المستشفيات الميدانية والمراكز الإسعافية المتنقلة التي تضم نخبة من الأطباء والكوادر التمريضية المستعدة للتعامل مع أي حالات طارئة، إلى جانب توفير كميات هائلة من السلع التموينية والمياه المبردة والوجبات الغذائية المجهزة في كل أرجاء المشعر، تلبيةً لكافة احتياجات الحجاج الذين جاءوا من كل فج عميق حامدين شاكرين لرب العباد على ما هداهم ورزقهم من فضله العظيم لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، ومستمتعين بالبنية التحتية المتطورة التي وفرتها الدولة لتأمين راحتهم واقتلاع مشقة السفر من قلوبهم.
وتحت ظلال السكينة الوارفة وبكاء العيون الطامعة في الجنة، يؤدي الحجاج اليوم صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين في رحاب مسجد نمرة العتيق، الذي غصت جنباته وساحاته الممتدة بمئات الآلاف من المصلين، مقتدين في ذلك بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي علم الأمة مناسكها وتركها على المحجة البيضاء، مستمعين بإنصات وخشوع شديدين لخطبة عرفة المباركة التي تركز على قيم التسامح والتعايش ووحدة الأمة الإسلامية ونبذ الفرقة والنزاع، وحث الحجاج على استغلال هذه الساعات الشريفة في الدعاء لأنفسهم وأهليهم وأوطانهم بصلاح الحال والأمن والأمان، سائلين الله عز وجل أن يتقبل حجهم ويغفر ذنبهم ويعيدهم إلى ديارهم سالمين غانمين نقرين من الخطايا والذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم.
ولم يقتصر مشهد التضرع على داخل المسجد فحسب، بل تحولت الخيام البيضاء والساحات المكشوفة والمناطق المحيطة بجبل الرحمة إلى محاريب كبرى للذكر والاستغفار، حيث جلس الأصدقاء يذكرون الله معاً، ووقفت الأمهات يدعين لأبنائهن بدموع حارة تفيض شوقاً لقبول الدعاء، في أجواء سادها الهدوء والوقار وغابت عنها مظاهر الدنيا وصراعاتها، فلم يعد هناك ملك ولا مملوك، ولا غني ولا فقير، بل عباد شاخصون بقلوبهم نحو السماء، يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه، في مشهد يعيد للأمة هيبتها ووحدتها تحت راية التوحيد، ويلهم الأجيال معاني التضحية والبذل في سبيل نيل رضا الخالق العظيم وتجسيد قيم الإسلام الإنسانية الرفيعة التي انطلقت من هذه البقعة الطاهرة قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان.
ومع أفول شمس هذا اليوم العظيم وبدء غروبها، يبدأ جموع الحجيج في مغادرة الصعيد الطاهر بانتظام وانسيابية فائقة تخطف الأبصار، ميممين وجوههم شطر مشعر مزدلفة في رحلة النفرة المباركة التي تعد مرحلة انتقالية هامة في رحلة الحج، حيث يسيرون بهدوء وسكينة تملأ قلوبهم الفرحة بما منّ الله عليهم من شهود عرفة، ويؤدون في مزدلفة صلاتي المغرب والعشاء جمعاً وتأخيراً، ويبيتون ليلتهم الطاهرة في تضرع وذكر حتى مطلع الفجر، تأسياً وسيراً على خطى النبي الكريم الذي بات في مزدلفة وصلى بها الفجر، وجلس يدعو حتى أسفر الصبح جداً، مستعدين للمضي قدماً مع إشراقة يوم الغد نحو منى لرمي جمرة العقبة الكبرى ونحر الهدايا والتحلل من الإحرام، تمهيداً للطواف بالبيت العتيق لتكتمل تفاصيل رحلتهم النورانية الخالدة التي ستبقى محفورة في ذاكرتهم ما عاشوا.
.jpeg)
حجاج بيت الله الحرام
.jpeg)
حجاج بيت الله الحرام
.jpeg)
.jpeg)