على ضفاف ترعة الإبراهيمية العريقة، وتحديداً عند نقطة توزيع المياه الأكثر تعقيداً في منظومة الري المصرية، يتشكل الآن واقع جديد، فبينما كانت "قناطر ديروط القديمة" تئن تحت وطأة 153 عاماً من الخدمة المستمرة، قفز مشروع "قناطر ديروط الجديدة" إلى محطته قبل الأخيرة، مسجلاً نسبة تنفيذ إجمالية بلغت 93%، ليعلن اقتراب تدشين واحد من أضخم مشروعات المنشآت المائية في القرن الحادي والعشرين على أرض مصر.
أقدم منشأ مائي
لم يكن قرار الإحلال مجرد رفاهية معمارية أو رغبة في التحديث الشكلي، بل كان معركة حقيقية مع الزمن لإنقاذ زمام زراعي هائل يعتمد كلياً على هذه النقطة الحيوية.
القناطر القديمة التي شيدت عام 1872 في عهد الخديوي إسماعيل، ورغم صمودها، لم تعد اقوم بدوها كما كانت تحكم الدقيق في التصرفات المائية نتيجة تقادم البوابات وتهالك البنية الإنشائية تحت الماء.
المشروع الجديد، الذي يتم تنفيذه بالتعاون المثمر مع وكالة التعاون الدولي اليابانية (جايكا)، لا يقدم مجرد بوابات حديدية بديلة، بل يطرح منظومة ذكية متكاملة تضم 7 قناطر رئيسية هي، فم ترعة الإبراهيمية، بحر يوسف، الديروطية، البدرمان، ساحل مرقس، أبو جبل، وإيراد الدلجاوي.
وهذه المجموعة تعمل كـ "مايسترو" إلكتروني ينظم سيمفونية توزيع المياه لـ 1.6 مليون فدان في 5 محافظات بوسط مصر (أسيوط، المنيا، بني سويف، الفيوم، والجيزة)، وهو ما يعادل نحو 20% من إجمالي مساحة الأرض الزراعية في القطر المصري.
تفاصيل الإنجاز الميداني
تجاوزت الأعمال الإنشائية في الموقع مرحلة "الهياكل الخرسانية" الصماء لتدخل في أدق التفاصيل الفنية الكهروميكانيكية، ووفقاً للبيانات الميدانية الأخيرة، فقد اكتملت الأعمال بالكامل في قناطر (بحر يوسف، الديروطية، البدرمان، وأبو جبل) بنسب بلغت 100%، بينما يتسارع العمل بنظام الورديات المكثفة في قنطرتي "فم الإبراهيمية" و"ساحل مرقس".
وتتمثل أبرز ملامح الإنجاز فى الانتهاء من تركيب أنظمة التشغيل والتحكم العالمية، التي تسمح للمهندسين بالتحكم في فتح وغلق البوابات عبر شاشات مراقبة لحظية مرتبطة بحساسات لقياس التصرفات والمناسيح بدقة مليمترية، و البدء في تجارب التشغيل التجريبي لعدد من البوابات العملاقة لضمان تحمل الضغوط المائية المرتفعة خلال فترات أقصى الاحتياجات (موسم الصيف)، و تطوير المحيط البيئي و رصف الطرق المحيطة وتنسيق الموقع العام وبناء أسوار الحماية، بما يليق بمنشأ استراتيجي سيتحول مستقبلاً إلى مزار سياحي وتاريخي في قلب صعيد مصر.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
لا تتوقف أهمية "ديروط الجديدة" عند حدود هندسة الري، فالتقرير الفني للمشروع يشير إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية ملموسة منها تعظيم إنتاجية الفدان من خلال ضمان وصول الحصص المائية المقررة في التوقيتات المناسبة، خاصة لنهايات الترع في محافظات بني سويف والفيوم والجيزة، والتي كانت تعاني تاريخياً من نقص المياه، و إنهاء مشاكل "النهايات" والنزاعات بين المزارعين على أدوار الري، بفضل عدالة التوزيع التي يوفرها النظام الآلي الجديد.
كما يدعم التوسع الأفقي ويفتح آفاق جديدة لاستصلاح أراضٍ إضافية في المناطق الظهيرة للمحافظات الخمس، مما يعزز ملف الأمن الغذائي القومي، و توطين التكنولوجيا حيث اكتسبت الكوادر المصرية خبرات نادرة في التعامل مع التكنولوجيا اليابانية الحديثة في بناء القناطر الكبرى، مما يجعلهم مؤهلين لإدارة وصيانة هذا المرفق لعقود قادمة.
الاستدامة وحماية التراث
وبالتوازي مع البناء الجديد، تلتزم الدولة المصرية بالحفاظ على القناطر القديمة كأثر تاريخي شاهد على عبقرية الري المصري في القرن التاسع عشر سيتم الإبقاء على أجزاء منها لتكون متحفاً مفتوحاً، يربط بين عظمة الماضي وتطور المستقبل. كما روعي في التصميم الجديد معايير الاستدامة البيئية، بما في ذلك توفير ممرات آمنة للأسماك والحفاظ على التوازن البيئي في مجرى النيل وترعة الإبراهيمية.
جدير بالذكر أن وصول العمل إلى نسبة 93% ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو إعلان صريح بأن الدولة المصرية قد نجحت في تحديث "قلب" منظومة الري في مصر الوسطى بأعلى المعايير العالمية.
ومع بدء العد التنازلي للافتتاح الرسمي، تودع مصر واحداً من أقدم منشآتها المائية، لتبدأ عصراً جديداً من الإدارة الرشيدة للموارد المائية، تضمن للأجيال القادمة أمناً مائياً وغذائياً مستداماً في ظل التحديات المناخية الراهنة.