"ليه بتتنمروا علي؟ أنا شو ذنبي إني فقدت شعري؟"، كلمات تختصر معاناة طفلة لم يتجاوز عمرها 12 عاما، وجدت نفسها في مواجهة مرض أفقدها شعر رأسها وجميع شعر جسدها، إلى جانب ظروف قاسية فرضتها الحرب على غزة والتنمر الذي بات يلاحقها في حياتها اليومية.
سنا رضوان كانت تتمتع بشعر طبيعي وتعيش طفولتها بشكل اعتيادي، قبل أن يبدأ شعرها بالتساقط تدريجيا قبل نحو ثلاث سنوات، ومع مرور الوقت، لم يقتصر التساقط على شعر الرأس، بل شمل جميع شعر جسدها، قبل أن تُشخص حالتها بالإصابة بالثعلبة الشاملة.

سنا رضوان بعد الإصابة
وبالتزامن مع رحلة المرض، عاشت سنا ظروف الحرب وما رافقها من خوف وضغوط نفسية ومعيشية قاسية، حيث يوضح الفريق الطبي المعالج، أن الضغوط النفسية قد تكون من العوامل التي تساهم في ظهور بعض الحالات أو تفاقمها، إلا أنه لا يمكن اعتبار الحرب سببا مباشرا لحالتها دون دليل طبي واضح.
وخلال السنوات الماضية، خضعت سنا لعدد من المحاولات العلاجية، من بينها العلاج بالسيكلوسبورين والعلاج بالنبضات، إلا أن الاستجابة لم تكن فعّالة بالشكل المطلوب، وبحسب التوصيات الطبية الحالية، تحتاج الطفلة إلى تقييم حالتها في مركز متخصص، مع بحث إمكانية استخدام مثبطات JAK كخيار علاجي، وفقا لتقييم الأطباء ومدى ملاءمة العلاج لحالتها.
المرض ليس وحده ما يؤلمها
إلى جانب معاناتها الصحية، تواجه سنا جانبا آخر من الألم لا يقل قسوة، يتمثل في التنمر بسبب فقدانها لشعرها، ففي عمر يفترض أن تنشغل فيه الطفلة بالمدرسة واللعب والأصدقاء وأحلام المستقبل، أصبحت الطفلة مضطرة للتعامل مع نظرات الآخرين وتعليقاتهم، وهو ما يضيف ضغطا نفسيا واجتماعيا إلى رحلة علاج طويلة وشاقة.
ولا تتوقف حاجة سنا عند الحصول على العلاج الطبي، بل تمتد إلى الدعم النفسي والاجتماعي، وإلى بيئة تحميها من التنمر وتساعدها على تقبل حالتها ومواصلة حياتها بصورة طبيعية.

سنا رضوان بعد الحرب
سنا ليست مجرد حالة مرضية، إنها طفلة تريد أن تستعيد شيئا من طفولتها، وتعيش دون أن تشعر بالخجل من مظهر لم تختره، ودون أن تُحاسب على مرض خارج عن إرادتها.
وبين رحلة علاج لم تنته بعد، وضغوط الحرب، وألم التنمر، تبقى سنا بحاجة إلى مساندة حقيقية تفتح أمامها بابا للأمل، وتمنحها فرصة للوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة، وتساعدها على أن تعيش طفولتها بكرامة وأمان.
كانت طفلة طبيعية حتى بدأت الحرب
"سنا كانت طفلة طبيعية، شعرها طبيعي، وحياتها مثل أي طفلة، لكن الحرب غيّرت كل شيء"، بهذه الكلمات يروي خال الطفلة سنا محمد رضوان، من سكان بلدة خزاعة شرق خان يونس، تفاصيل رحلة ابنة شقيقته مع النزوح والخوف والمرض، بعدما وجدت نفسها منذ الأيام الأولى للحرب في مواجهة ظروف قاسية تركت آثارا عميقة على حياتها وصحتها.
ويقول خالها، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن سنا نزحت منذ اليوم الأول للحرب، وكانت أولى محطات نزوحها إلى منزل أقارب والدتها، بحثا عن مكان أكثر أمانا، لكن بعد نحو 14 يوما، تعرض منزل قريب منهم للقصف، ما أدى إلى مقتل نحو 25 شخصا، لتبدأ بعدها رحلة نزوح جديدة.
"بعد القصف، لم يعد هناك مكان نشعر فيه بالأمان"، يقول خالها، موضحا أن سنا انتقلت إلى مدرسة إيواء تُعرف باسم مدرسة الحوراني غرب خان يونس، قبل أن تضطر الأسرة لاحقا إلى النزوح نحو رفح.
مشاهد الحرب تلاحق طفلة في الثانية عشرة
في رحلة النزوح، لم تكن سنا بعيدة عن مشاهد القصف والدمار، ويقول خالها إنها شاهدت أطفالا استشهدوا جراء القصف، كما عاشت على وقع أصوات الانفجارات ونسف المباني، وشهدت عمليات قصف خلال تنقلها، ونجت في إحدى المرات من قصف وقع في طريقها.
"هذه المشاهد أثرت فيها كثيرا، كانت خائفة بشكل مستمر من أصوات الانفجارات ونسف البيوت"، حيث يروي خالها، ومع استمرار الخوف والنزوح، بدأت الأسرة تلاحظ تساقط شعر سنا بصورة متزايدة، ومع مرور الوقت، اشتد التساقط إلى أن فقدت شعر رأسها بالكامل، ثم فقدت الشعر الموجود في جميع أنحاء جسدها.

سنا رضوان قبل الإصابة
أكثر من 15 مرة من النزوح
لم تتوقف رحلة سنا عند رفح، ومع دخول القوات الإسرائيلية إلى المدينة، عادت الأسرة إلى منزلها، لكنها، وفق تأكيد خالها، لم تجد الأمان الذي كانت تبحث عنه، متابعا :" عدنا إلى البيت، لكن لم يكن هناك مكان آمن، الاستهداف كان في كل مكان، وكنا نعيش تحت إطلاق النار والقصف المدفعي والطيران المسير".
ويقول إن تكرار النزوح جعل حياة الطفلة أكثر اضطرابا، حيث تجاوز عدد مرات نزوحها، 15 مرة، وسط ظروف معيشية صعبة وغياب الاستقرار.
ويضيف أن أحد أكثر الأيام قسوة في حياة سنا كان يوم عيد الفطر عام 2024، عندما استيقظت على صوت انفجار وسقوط الحجارة والرمال، ورأت، رأس طفلة وأشلاء من حولها، مضيفا :" من شدة الخوف والصدمة، لم تعد كما كانت، وشعرها تساقط بشكل كامل خلال تلك الفترة.

الطفلة سنا رضوان
رحلة علاج بلا نتيجة
حاولت الأسرة علاج سنا بكل الوسائل المتاحة، واستخدمت علاجات طبية وتقليدية، من بينها حقن البلازما وأدوية مختلفة، إلا أن النتائج لم تكن كما كانت تأمل الأسرة.
ويقول خالها إن نقص الإمكانات الطبية في غزة جعل رحلة العلاج أكثر صعوبة، في ظل عدم توفر بعض الأدوية والفحوصات المطلوبة، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة بعض التحاليل التي قد تصل إلى 50 دولارا أو أكثر، مشيرا إلى أن بعض الفحوصات المتاحة لا تمنحهم، وفق ما يرونه، الدقة المطلوبة، فيما أدى أحد الأدوية التي جرى استخدامها إلى تدهور حالتها الصحية بشكل كبير.
وبعد تجربة عدد من العلاجات، أوصى الطبيب المعالج، الذي يقول خالها إنه يشغل منصب رئيس قسم، بضرورة نقل سنا إلى الخارج، لإجراء فحوصات مخبرية دقيقة وتقييم حالتها بشكل متخصص، مع بحث إمكانية علاجها بمثبطات JAK وفقا للتقييم الطبي.
اليوم، لا تواجه سنا المرض وآثاره الجسدية فقط، وإنما تعيش أيضا مع آثار نفسية واجتماعية قاسية، ويقول خالها إن حالتها النفسية تدهورت بصورة كبيرة، وإنها وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها، بحسب وصف الأسرة، لا تستطيع تناول الطعام بشكل طبيعي، وتتحدث مع نفسها، في ظل ما تتعرض له من تنمر بسبب فقدان شعرها.
وتعيش سنا حاليا، داخل خيمة متهالكة وفي بيئة غير مناسبة، في ظروف تزيد من صعوبة وضعها وتضاعف معاناتها اليومية، ويؤكد خالها أنها حصلت على تحويلة طبية للعلاج إلى الخارج وما زالت تنتظر السفر خالج القطاع.

الطفلة سنا رضوان قبل الحرب
طفلة تبحث عن الأمان قبل أي شيء
قصة سنا ليست فقط قصة طفلة فقدت شعرها بسبب مرض مناعي، وإنما حكاية طفلة وجدت نفسها في قلب حرب ونزوح متكرر ومشاهد عنف وخوف، ثم بدأت تواجه آثارا صحية ونفسية واجتماعية ما تزال مستمرة.

التقرير الطبي لسنا رضوان
ويقول خالها إن الأسرة تأمل في أن تتمكن سنا من السفر خارج غزة، وإجراء الفحوصات الطبية اللازمة، والحصول على تقييم متخصص وعلاج مناسب لحالتها، وفي الوقت الذي تنتظر فيه الأسرة فرصة للعلاج، تبقى الطفلة بحاجة أيضا إلى الدعم النفسي والإنساني، وإلى بيئة تحميها من التنمر وتمنحها شعورا بالأمان.