دخل الذكاء الاصطناعي إلى حملات التضليل التي تستهدف الدول والجمهور، فأصبح أداة لكتابة المقالات والتعليقات، وصناعة الصور والفيديوهات، وإنتاج أسماء وهويات لحسابات التواصل، ووثقت تقارير استخدامه في عمليات تناولت سوريا والحرب في غزة، بينما بحثت دراسات مصرية وليبية مخاطر التضليل على الثقة بالأخبار والأمن القومي.
وتسعى هذه الحملات إلى تشويه صورة حكومة، أو التأثير في موقف الجمهور من حرب، أو إضعاف الثقة بالمؤسسات، لكن توثيق استخدامها الذكاء الاصطناعي لا يعني أنها حققت أهدافها، فإنتاج المحتوى يختلف عن وصوله إلى الناس وتصديقهم له وتغيير مواقفهم بسببه.
كيف تُصنع حملة التضليل؟
رصدت OpenAI في تقرير عام 2024 خمس عمليات تأثير استخدمت أدواتها لإنتاج محتوى يخفي هوية الجهات التي تقف وراءه، وشملت الاستخدامات كتابة المقالات والتعليقات وترجمتها، وصناعة أسماء وتعريفات لحسابات التواصل، لتبدو كأنها حسابات حقيقة، فهذه البيانات تساعد على تقديم الحساب كأنه لشخص يشارك برأيه، بينما يُستخدم لنشر رسائل الحملة، كما استعانت بعض العمليات بالأدوات لكتابة ردود على منشوراتها، بما يصنع انطباعًا بأن أشخاصًا آخرين يتفاعلون معها ويؤيدونها.
وأوضح التقرير أن الذكاء الاصطناعي ساعد المشغلين على إنتاج محتوى أكثر وبأخطاء لغوية أقل، لكنهم جمعوا بينه وبين نصوص كتبها أشخاص وصور ساخرة نُقلت من الإنترنت، ولم تعتمد أي من العمليات عليه وحده، كما ميّز التقرير بين التفاعل الذي تصنعه حسابات الحملة والتفاعل من مستخدمين حقيقيين، وخلص إلى أن العمليات الخمس لم تحقق زيادة ذات شأن في وصولها أو تفاعل الجمهور معها بسبب استخدام خدمات الشركة، أي إن تسهيل إنتاج الرسائل لم يضمن نجاحها في جذب الناس.
وبهذه الطريقة، قد يقرأ المستخدم خبرًا على موقع، ثم يجد حسابات تنشره وتعليقات تؤيده، فيظن أن مصادر وأشخاصًا مختلفين يؤكدون المعلومة، بينما قد تكون هذه الواجهات جزءًا من عملية واحدة، ولهذا فإن تكرار الادعاء لا يثبت صحته، وعدد التعليقات لا يثبت وجود تأييد من الجمهور.
الوحدة 8200 الإسرائيلية
الوحدة 8200 هي وحدة تابعة للاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، تتولى جمع المعلومات من الاتصالات والإشارات الإلكترونية، مثل المكالمات والرسائل، وتطوير أدوات المراقبة وتحليل البيانات وإرسال نتائجها إلى الجهات العسكرية المعنية، ويصفها موقع الجيش الإسرائيلي بأنها جهة جمع المعلومات الرئيسية في الاستخبارات العسكرية، وتدعم القوات بالمعلومات أثناء الحرب.
ووثقت تقارير وتحقيقات استخدامها أدوات لمراقبة الفلسطينيين، كما كشفت مصادر أخرى عن شركات إسرائيلية أدارت حسابات وهمية وحملات تأثير استهدفت جمهور دول وتناولت قضايا عربية، منها تونس وقطر والحرب في غزة.
تسجيلات المكالمات على خوادم مايكروسوفت
نشرت مجلة "+972" في أغسطس 2025 تحقيقًا للصحفي يوفال أبراهام بعنوان "مايكروسوفت تخزن بيانات استخباراتية إسرائيلية تُستخدم في مهاجمة الفلسطينيين"، ضمن عمل مشترك مع موقع "Local Call" وصحيفة "The Guardian"، وكشف التحقيق استخدام الوحدة 8200 منصة "Azure" لتخزين تسجيلات لملايين المكالمات الفلسطينية، اعتمادًا على مقابلات مع 11 مصدرًا ووثائق داخلية مسربة.
وفي سبتمبر 2025، أصدرت مايكروسوفت بيانًا بعنوان "تحديث بشأن مراجعة مايكروسوفت الجارية"، باسم براد سميث، نائب رئيس مجلس الإدارة ورئيس الشركة، أعلنت فيه تعطيل خدمات تخزين وذكاء اصطناعي محددة لوحدة تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وقالت إن مراجعتها وجدت أدلة تدعم عناصر من التحقيق المنشور.
الحسابات الوهمية للوحدة
في تقرير أصدرته فيسبوك في مايو 2019 بعنوان "إزالة السلوك الزائف المنسق من إسرائيل"، ووثق إزالة 265 حسابًا وصفحة ومجموعة وفعالية وحساب إنستجرام، استهدفت دولًا بينها تونس، وكانت تنتحل شخصيات محلية وتنشر محتوى سياسيًا، وربطت الشركة النشاط بشركة "أرخميدس" الإسرائيلية، ولم تنسبه إلى الوحدة 8200.
سوريا.. شبكات تخفي مصدر الرسائل
وثقت OpenAI في تقرير فبراير 2025 استخدام حسابات مرتبطة بشبكتي تأثير منسوبتين إلى إيران، الأولى تُعرف باسم "الاتحاد الدولي للإعلام الافتراضي" أو "IUVM"، والثانية أطلقت عليها مايكروسوفت اسم "STORM-2035" لتتبع نشاطها، وهما شبكتان تنشران المحتوى عبر مواقع وحسابات تواصل، وليستا اسمي برنامجين للذكاء الاصطناعي.
ورصدت الشركة خمسة حسابات استخدمت أدواتها لإنتاج مقالات ومنشورات نُشرت عبر واجهات مرتبطة بالشبكتين، لكنها لم تحدد في هذه الحالة هوية المشغلين أو تثبت صدور تعليمات من الحكومة الإيرانية، كما وجدت أن أحد الحسابات أنتج محتوى للشبكتين، واعتبرت ذلك مؤشرًا على احتمال وجود صلة بين مشغليهما.
وأشار التقرير إلى أن شبكة "STORM-2035" تضم مواقع بالعربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، ويتيح تعدد اللغات مخاطبة جمهور داخل المنطقة وخارجها، بدل حصر الرسائل في جمهور لغة واحدة، كما يسمح بنشرها عبر مواقع تبدو للقارئ مصادر إخبارية.
أما صلة النشاط بسوريا، فظهرت خلال سقوط نظام بشار الأسد، حين أنتجت العملية محتوى يمتدحه وينفي تقارير عن تراجع شعبيته، بحسب رصد الشركة، وبذلك استُخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة رسائل تحاول توجيه فهم الجمهور للأحداث، بينما تخفي واجهات النشر مصدرها، لكن التقرير لم يجد دليلًا على انتشار المحتوى بين جمهور واسع، ولذلك يوثق محاولة التأثير ولا يثبت نجاحها في تغيير مواقف السوريين.
مصر.. التضليل والثقة بالمؤسسات
تناولت دراسة بعنوان "الانعكاسات السلبية للمعلومات المضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الأمن القومي المصري"، نشرتها المجلة العربية لعلم الاجتماع عام 2024، انتشار التضليل حول قضايا اقتصادية وسياسية واستراتيجية، وخلصت إلى احتمال تأثيره في الأمن القومي عبر تقويض الثقة بين المواطنين والحكومة وزيادة الاستقطاب والاحتقان.
وتوضح الدراسة أن ضرر التضليل قد يتجاوز تصديق خبر كاذب إلى التأثير في علاقة الناس بمؤسساتهم، لكنها تتناول التضليل عبر التواصل الاجتماعي، ولا تثبت أن الذكاء الاصطناعي استُخدم في كل الحالات التي ناقشتها، أو أن كل شائعة مصدرها جهة خارجية.
وفي دراسة نشرتها مجلة البحوث الإعلامية بجامعة الأزهر عام 2025، بحثت ابتسام مرسي محمد المرسي ومحمد مهني البحراوي إدراك الشباب المصري لمخاطر فيديوهات التزييف العميق، واعتمدت الدراسة على استبانة شملت 384 مشاركًا وتحليل ثمانية فيديوهات، ووجدت أن غالبية أفراد العينة يدركون مخاطر هذه المواد، خاصة ما يتعلق بالأمن.
والتزييف العميق هو استخدام الذكاء الاصطناعي لصنع صورة أو صوت أو فيديو، أو تغيير محتواه بما يوحي بأنه حقيقي، لكن معرفة وجود التقنية لا تعني القدرة على اكتشاف كل مادة مزيفة، ولذلك أوصت الدراسة بتعزيز التربية الإعلامية وإنشاء وحدات للرصد.
ليبيا.. التحقق يحتاج إلى تدريب وموارد
تناولت الباحثة صفية خليفة بن مسعود الظاهرة في دراسة بعنوان "استخدام الذكاء الاصطناعي في التزييف العميق"، نشرتها مجلة الإعلام والفنون العلمية الإلكترونية المحكمة في سبتمبر 2025، ورصدت إسهام الصور والفيديوهات المفبركة في تزييف الوقائع وإضعاف مصداقية الصورة الإعلامية.
كما رصدت الدراسة تحديات تقنية ومهنية تواجه المنصات الليبية في استخدام الذكاء الاصطناعي للتحقق، وأوصت بتوفير الموارد والتدريب ودعم ثقافة تدقيق الأخبار، وتبين هذه النتائج أن تحذير الجمهور وحده لا يكفي، فالمؤسسات تحتاج إلى أدوات ومحررين يستطيعون فحص المادة قبل نشرها.
هل يقتنع الناس بالنصوص المولدة؟
اختبرت دراسة نشرتها مجلة Science Advances عام 2023 قدرة 697 مشاركًا على التمييز بين منشورات صحيحة ومضللة، ومعرفة ما إذا كان كاتبها إنسانًا أم نموذج GPT-3، ووجد الباحثون أن النموذج أنتج تضليلًا أكثر إقناعًا من المنشورات البشرية المستخدمة في المقارنة، وأن المشاركين لم يميزوا مصدر المنشورات على نحو موثوق داخل التجربة.
وفي دراسة نشرتها مجلة PNAS Nexus عام 2024 وشملت 8,221 مشاركًا، وافق 43٫5% ممن قرؤوا نصوص دعاية أنتجها النموذج على الأفكار المطروحة فيها، مقابل 24٫4% في المجموعة الضابطة التي لم تتعرض لتلك النصوص، كما حسّن تدخل بشري في التعليمات أو اختيار المخرجات قدرة بعض النصوص على الإقناع.
وتثبت النتائج قدرة النصوص على التأثير داخل التجربة، لكنها لا تعني أن النسب نفسها ستتحقق في المجتمعات العربية، أو أن تغير الرأي سيستمر ويتحول إلى سلوك، فمواقف الجمهور ولغته وثقته بالمصدر عوامل تحتاج إلى اختبار.
زرع الشك في الأخبار
وجدت دراسة للباحثين كريستيان فاكاري وأندرو تشادويك، نشرتها مجلة Social Media + Society عام 2020، أن فيديو التزييف السياسي أثار عدم اليقين أكثر مما دفع المشاركين إلى تصديقه، وأن هذا الشك خفّض الثقة بأخبار وسائل التواصل.
وهذا يعني أن المتلقي قد لا يصدق الفيديو المزيف، لكنه يصبح أقل ثقة بالأخبار عمومًا، وقد يشك حتى في الأدلة التي جرى التحقق منها، وهنا يمتد الضرر من معلومة كاذبة إلى إضعاف القدرة على التمييز بين الخبر والشائعة.
كيف تواجه المؤسسات هذا الاستهداف؟
بحثت دراسة "السرعة والدقة في التحقق أثناء الحرب"، المتاحة عبر معهد الجزيرة للإعلام، التضليل في الحرب بغزة والحرب الروسية الأوكرانية ومنطقة بحيرة تشاد، واعتمدت على استبانة شملت 59 صحفيًا ومدقق معلومات، ومقابلات مع خمسة من مسؤولي التحقق، وتحليل حالات من أرشيفات التدقيق ومنشورات التواصل.
خلصت الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي يتيح إنتاج الدعاية والتزييف وانتحال الهوية، لكنه لا يوفر وحده حلًا للتحقق، لأن فهم اللغة واللهجة والسياق والوصول إلى المصادر يحتاج إلى خبرة بشرية وتعاون بين المؤسسات.
وتبدأ المواجهة بفحص مصدر الادعاء ودليله، وتتبع أصل الصورة أو التسجيل والحسابات التي تنشره، أما اتهام جهة باستهداف دولة فيحتاج إلى أدلة تحدد المسؤول والهدف وطريقة النشر، ثم يأتي قياس الأثر، حتى لا تتحول مواجهة التضليل إلى نشر اتهامات بلا إثبات.