لم تسمح الحرب لجهاد المبحوح، الشاب الغزي، بأن يحتفظ بحياته كما عرفها من قبل، فقد بترت إحدى يديه، وفرضت عليه واقعا جديدا مليئا بالتحديات، لكنها لم تنتزع منه رغبته في العمل والاعتماد على نفسه، وبين ألم الفقد وصعوبة التكيف مع الإصابة، اختار جهاد أن يتمسك بمهنته داخل غزة، وأن يعود إلى مقص الحلاقة بيد واحدة، ساعيا إلى كسب قوت يومه وصون كرامته في وجه ظروف لم يخترها.
معاناة جهاد
لم تكن العودة إلى العمل مجرد محاولة لتأمين مصدر رزق، بل كانت أيضا مواجهة يومية مع آثار الإصابة، واختبارا لقدرة الإنسان على التكيف مع ما تغير في حياته، فمهنة الحلاقة التي اعتاد ممارستها قبل الحرب باتت تتطلب منه جهدا مضاعفا، وإيجاد طرق جديدة لإنجاز تفاصيل العمل التي كانت في السابق أكثر سهولة، ومع ذلك، يواصل جهاد عمله، متمسكا بما تبقى له من قدرة، ومصرا على ألا تتحول خسارته الجسدية إلى نهاية لحياته المهنية.

جهاد المحبوح
5400 حالة بتر
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، في أكتوبر 2025 أن هناك 4,900 حالة بتر تحتاج أدوات مساندة وبرامج تأهيل طويلة الأمد ، مشيرة إلى أن نسبة إشغال الأسرة داخل مستشفيات غزة بلغت 225%.
ويقول الدكتور حسني مهنا، مسؤول الإعلام بمركز الأطراف الصناعية في غزة، إن المركز يعاني من ضغط كبير للغاية نتيجة الزيادة المستمرة في أعداد المصابين بحالات البتر ومرضى الشلل، جراء الحرب التي يشهدها القطاع.
ويضيف مهنا أن منظومة الصحة في القطاع رصدت، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومركز الأطراف الصناعية، أكثر من 6000 حالة بتر ، مشيرا إلى أن المركز يعمل على تقييم هذه الحالات المسجلة ضمن عملياته اليومية، تمهيدا لتقديم الخدمات المناسبة للمصابين.
ويوضح أن المركز خصص عيادة تعقد كل يوم أحد لتقييم المرضى، وتمكن حتى الآن من تقييم أكثر من 2500 حالة من حالات البتر في غزة، حيث جرى تحويل هذه الحالات لتلقي الخدمات ضمن منظومة العمل في مركز الأطراف الصناعية.
ويؤكد أن المريض يبدأ رحلته باستقباله وتقييم حالته سريريا من جانب الأخصائيين والفنيين في المركز، قبل الانتقال إلى مرحلة أخذ المقاسات اللازمة، ثم تحويله إلى برامج العلاج الطبيعي والدعم النفسي، وصولا إلى مرحلة تصنيع الطرف الصناعي الذي يتناسب مع حالته واحتياجاته، لافتا إلى هذه الرحلة تواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها النقص الحاد في المعدات والمواد الخام الضرورية لتصنيع الأطراف الصناعية، وهو ما يهدد قدرة المركز على الاستجابة للأعداد المتزايدة من المصابين.
ويوضح مسؤول الإعلام في مركز الأطراف الصناعية، أن الجبس يأتي في مقدمة المواد الأساسية التي يحتاجها المركز في عملية تصنيع الأطراف الصناعية، مؤكدا أن نقص هذه المادة وغيرها من المستلزمات يمثل عائقا أمام استمرار تقديم الخدمة للمصابين.
ويشير إلى أن المركز يواجه هذه الأزمة في ظل القيود المفروضة على دخول المواد اللازمة إلى غزة، الأمر الذي يزيد من صعوبة التعامل مع آلاف الحالات التي تحتاج إلى أطراف صناعية وتأهيل ومتابعة مستمرة.
معاناة أهالى غزة
في غزة، حيث أثقلت الحرب كاهل الناس بالخسائر والنزوح وضيق سبل العيش، تحمل حكاية جهاد معنى يتجاوز حدود المهنة، فهي حكاية إنسان يحاول استعادة جزء من حياته، ويبحث عن الاستقلال في واقع يزداد صعوبة، فخلف كل حركة يؤديها بيده الواحدة، رحلة من التكيف والصبر، وخلف مقص الحلاقة حكاية شاب يريد أن يعيش من عمله، لا أن يُختزل في إصابته أو يعرف بما فقده.
لا تعني عودة جهاد إلى العمل أن الطريق أصبح سهلا، ولا أن آثار الحرب تلاشت، لكنها تكشف عن إصراره على مواصلة الحياة رغم ما فرضته عليه من تغييرات قاسية، فبالنسبة إليه، لا يقتصر العمل على كسب المال، بل يمثل مساحة للحفاظ على الاستقلال والشعور بالقدرة على الاستمرار، في وقت يحتاج فيه المصابون إلى فرص حقيقية للتأهيل والدعم وإعادة الاندماج في الحياة اليومية.
بيد واحدة، يمسك جهاد المبحوح بمقصه، وبإرادة لا تتخلى عن الحياة يتمسك بحقه في العمل والعيش بكرامة، إنها حكاية شاب لم يختر الإصابة، لكنه يحاول أن يصنع لنفسه طريقا بعدها، ويثبت أن فقدان أحد الأطراف لا يعني فقدان القدرة على الحلم أو السعي أو بناء حياة جديدة، متى توفرت الإرادة والفرصة والدعم اللازم.