"صنعوا من وجعهم قوة.. غزيون تحدوا الحرب" بيد واحدة يصنع لأطفاله حياة وسط الركام.. نضال حمد نازح من بيت حانون ومبتور اليد يحول ألم الإصابة إلى قوة للعمل وإعالة أسرته.. ويتمسك بكرامة أب لم يهزه العدوان

الخميس، 03 سبتمبر 2026 05:00 م
"صنعوا من وجعهم قوة.. غزيون تحدوا الحرب" بيد واحدة يصنع لأطفاله حياة وسط الركام.. نضال حمد نازح من بيت حانون ومبتور اليد يحول ألم الإصابة إلى قوة للعمل وإعالة أسرته.. ويتمسك بكرامة أب لم يهزه العدوان نضال حمد

كتب أحمد عرفة

 

<< الفقر يقف عائقا أمام توفير علاج ابنه ويؤكد: يعاني من انحراف في البصر ومشكلة في قدميه

<< نضال حمد: الوضع صعب للغاية.. وحياتي ساءت كمعيل لـ8 أفراد بعدما فقدت يدي اليسرى

<< إذا مرض أحد أطفالي ولا أستطيع شراء الدواء له<< كنت رجلا لا يحرم أبناءه من شيء وأحاول دائما تلبية جميع احتياجاتهم

<< حاولت العمل باستخدام عربة نقل صغيرة من أجل أطفالي

<< بناتي يضطررن إلى مساعدتي في حمل المياه وقضاء بعض الاحتياجات اليومية
<< جاء يوم لم أتمكن فيه من إطعام أولادي ونظرت إلى عيونهم وأنا عاجز

 


في مكان أنهكته الحرب والنزوح، وبين خيام لا تمنح ساكنيها سوى القليل من الأمان، يحاول الشاب نضال حمد أن يصنع لنفسه ولعائلته طريقا للحياة، رغم أن العدوان الإسرائيلي ترك في جسده جرحا لن ينساه.

نضال، ابن بلدة بيت حانون الصامدة شمال القطاع، يعيش اليوم نازحا مع عائلته المكونة من سبعة أفراد في خيمة غرب مدينة غزة، بعدما أجبرتهم ظروف الحرب على ترك منزلهم ومكانهم الذي اعتادوا أن يسموه وطنا وبيتا.

الأشخاص مبتورى الأطراف بسبب الحرب على غزة
الأشخاص مبتورى الأطراف بسبب الحرب على غزة

 

لم يفقد مأواه فقط، بل دفع من جسده ثمنا قاسيا للحرب، بعدما تعرض لإصابة أدت إلى بتر إحدى يديه، إصابة لم تكن مجرد جرح عابر، بل تغييرا قاسيا في تفاصيل حياته اليومية، وفي قدرته على العمل والحركة وتأمين احتياجاته واحتياجات أسرته، لكن نضال، رغم ألم الإصابة وقسوة النزوح وشح الإمكانات، قرر ألا يسمح للوجع بأن يهزمه.

نضال حمد
نضال حمد

في الوقت الذي قد يجد فيه الإنسان نفسه مضطرا لطلب المساعدة بعد فقدان أحد أطرافه، اختار نضال طريقا آخر، لم يرد أن يمد يده لأحد، ولم يقبل أن يستسلم للظروف التي فرضت عليه وعلى عائلته حياة النزوح.

5400 حالة بتر

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، في أكتوبر 2025 أن هناك 4,900 حالة بتر تحتاج أدوات مساندة وبرامج تأهيل طويلة الأمد ، مشيرة إلى أن نسبة إشغال الأسرة داخل مستشفيات غزة بلغت 225%، بينما أكد المكتب الإعلامي الحكومى بالقطاع في 2 يوليو، أن هناك أكثر من 5400 حالة بتر، بينهم 18% أطفال.

 

مركز الأطراف الصناعية يواجه أعدادا متزايدة من المصابين
 

في القطاع، لا تنتهي معاناة المصابين بمجرد توقف النزيف أو انتهاء العمليات الجراحية، فبالنسبة لآلاف من الأشخاص الذين فقدوا أحد أطرافهم، تبدأ بعد الإصابة رحلة أخرى طويلة وشاقة، عنوانها البحث عن طرف صناعي يعيد إليهم جزءا من قدرتهم على الحركة، ويساعدهم على استعادة استقلالهم وممارسة حياتهم اليومية.

الأشخاص مبتورو الأطراف بسبب الحرب على غزة
الأشخاص مبتورو الأطراف بسبب الحرب على غزة

 

وفي ظل الارتفاع الكبير في أعداد حالات البتر ومرضى الشلل، يواجه مركز الأطراف الصناعية والشلل في غزة ضغطا متزايدا، في وقت تتفاقم فيه صعوبة توفير المعدات والمواد الخام اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية.

 

ويقول الدكتور حسني مهنا، مسؤول الإعلام بمركز الأطراف الصناعية في غزة، إن المركز يعاني من ضغط كبير للغاية نتيجة الزيادة المستمرة في أعداد المصابين بحالات البتر ومرضى الشلل، جراء الحرب التي يشهدها القطاع.

حالات البتر في غزة قبل وبعد العدوان
حالات البتر في غزة قبل وبعد العدوان

 

ويوضح مهنا أن منظومة الصحة في القطاع رصدت، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومركز الأطراف الصناعية، أكثر من 6000 حالة بتر – وهو رقم أكثر من ما أعلنه المكتب الإعلامي الحكومى بغزة في أخر إحصائية له - مشيرا إلى أن المركز يعمل على تقييم هذه الحالات المسجلة ضمن عملياته اليومية، تمهيدا لتقديم الخدمات المناسبة للمصابين.

ويقول إن المركز خصص عيادة تعقد كل يوم أحد لتقييم المرضى، وتمكن حتى الآن من تقييم أكثر من 2500 حالة من حالات البتر في غزة، حيث جرى تحويل هذه الحالات لتلقي الخدمات ضمن منظومة العمل في مركز الأطراف الصناعية.

ولا تقتصر رحلة المريض داخل المركز على الحصول على طرف صناعي فحسب، بل تمر بعدة مراحل تبدأ منذ لحظة استقبال الحالة، حيث يشرح مهنا أن المريض يبدأ رحلته باستقباله وتقييم حالته سريريا من جانب الأخصائيين والفنيين في المركز، قبل الانتقال إلى مرحلة أخذ المقاسات اللازمة، ثم تحويله إلى برامج العلاج الطبيعي والدعم النفسي، وصولا إلى مرحلة تصنيع الطرف الصناعي الذي يتناسب مع حالته واحتياجاته.

هذه الرحلة تواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها النقص الحاد في المعدات والمواد الخام الضرورية لتصنيع الأطراف الصناعية، وهو ما يهدد قدرة المركز على الاستجابة للأعداد المتزايدة من المصابين.

ويوضح مسؤول الإعلام في مركز الأطراف الصناعية، أن الجبس يأتي في مقدمة المواد الأساسية التي يحتاجها المركز في عملية تصنيع الأطراف الصناعية، مؤكدا أن نقص هذه المادة وغيرها من المستلزمات يمثل عائقا أمام استمرار تقديم الخدمة للمصابين.

ويشير إلى أن المركز يواجه هذه الأزمة في ظل القيود المفروضة على دخول المواد اللازمة إلى غزة، الأمر الذي يزيد من صعوبة التعامل مع آلاف الحالات التي تحتاج إلى أطراف صناعية وتأهيل ومتابعة مستمرة.

وبالنسبة للمصاب الذي فقد طرفا من أطرافه، فإن تأخر الحصول على الطرف الصناعي لا يعني مجرد تأجيل موعد، بل قد يعني استمرار الاعتماد على الآخرين في أبسط تفاصيل الحياة، وتأخير رحلة التأهيل والعودة إلى الحركة والعمل وممارسة الأنشطة اليومية، كما أن احتياجات مبتوري الأطراف لا تتوقف عند تصنيع الطرف الصناعي، حيث تتطلب العملية متابعة وتأهيلا وعلاجا طبيعيا ودعما نفسيا، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم أمام حياة جديدة بعد فقدان أحد أطرافهم.

معاناة المصابين داخل غزة بسبب الحرب
معاناة المصابين داخل غزة بسبب الحرب

 

وفي ظل هذا الواقع، يوجه مركز الأطراف الصناعية في غزة نداء إلى المؤسسات الدولية والأممية والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ومبتوري الأطراف، من أجل التحرك والضغط للسماح بإدخال المواد الخام والمعدات الضرورية إلى القطاع.

ويؤكد مهنا أن المركز يطالب هذه المؤسسات بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي من أجل فتح المعابر والسماح بإدخال المواد الخام اللازمة لعملية تصنيع الأطراف الصناعية، حتى يتمكن المركز من الاستجابة لاحتياجات المصابين ومواصلة تقديم الخدمات الطبية والتأهيلية لهم.

وبين قوائم الانتظار وعمليات التقييم اليومية ونقص المواد والمعدات، تتسع دائرة الاحتياج داخل غزة، فيما يواصل العاملون في مركز الأطراف الصناعية محاولة تقديم ما يستطيعون من خدمات لآلاف المصابين، فكل طرف صناعي لا يمثل مجرد قطعة طبية، وإنما قد يكون بالنسبة إلى مصاب فقد ساقه أو ذراعه خطوة أولى نحو استعادة استقلاله، والوقوف من جديد، والعودة إلى حياته بأكبر قدر ممكن من القدرة على الحركة والاعتماد على النفس.

وفي قطاع أنهكته الحرب، تبقى مهمة توفير الأطراف الصناعية والتأهيل للمصابين جزءا أساسيا من الاستجابة الإنسانية، لأن إنقاذ حياة المصاب لا ينتهي عند غرفة العمليات، وإنما تستمر المسؤولية في مساعدته على أن يعيش حياته بعد الإصابة، ويجد الوسيلة التي تمكنه من استعادة قدر من حركته وكرامته واستقلاله.

عربة بدائية

بإمكانات بسيطة، صنع نضال حمد بنفسه عربة بدائية تساعده على العمل رغم فقدانه إحدى يديه، وبيد واحدة، بدأ يتحرك بين الناس، يقضي حوائج المواطنين وينقل مستلزماتهم، محاولا أن يؤمن من خلال عمله لقمة عيش حلال لعائلته التي تعيش معه في الخيمة.

نضال حمد الشاب الفلسطيني
نضال حمد الشاب الفلسطيني

 

لم تكن العربة بالنسبة لنضال مجرد وسيلة للعمل، بل أصبحت رمزا لمحاولته استعادة شيء من حياته التي تبدلت بفعل الحرب، فكل يوم يخرج فيه للعمل هو مواجهة جديدة مع الألم والتعب والظروف القاسية، وكل مرة يمسك فيها بيده المتبقية ما يستطيع من أدوات العمل، يثبت أن الإنسان قد يفقد جزءا من جسده، لكنه يستطيع أن يتمسك بإرادته، ويبحث عن وسيلة للبقاء مهما كانت الخيارات محدودة.

يد أُبترت، ويد واحدة تقاوم القهر وتصنع الحياة، هذه هي حكاية نضال حمد، شاب لم يختر الإصابة، أو النزوح، كما لم يختر أن يعيش بعيدا عن بيته في بيت حانون، لكنه اختار ألا يجعل من كل ذلك نهاية قصته.

خلف العربة البسيطة التي صنعها بيديه، تقف عائلة من سبعة أفراد تنتظر أن يعود إليها نضال بما يستطيع توفيره من احتياجات يومهم، لقمة يحاول أن يكسبها بجهده، لا أن يحصل عليها من سؤال الآخرين.

ورغم أن الحياة الجديدة التي فرضت عليه ليست سهلة، ورغم أن جسده لم يعد كما كان قبل الإصابة، فإنه يواصل المحاولة، يوما بعد يوم، لأن وراءه عائلة تحتاج إليه، ولأن الحاجة قد تكون قاسية، لكنها لا تستطيع دائما أن تنتزع من الإنسان كرامته وإصراره على العمل.

نضال لا يطلب الكثير، فكل ما يحتاجه هو وقفة صادقة من الآخرين، يد تمتد إليه لا لتزيد من شعوره بالعجز، بل لتساعده على مواصلة الطريق، وتمنحه فرصة أفضل للعمل وتأمين احتياجات أسرته.

قصته ليست فقط قصة شاب فقد إحدى يديه، وإنما قصة إنسان يحاول أن يصنع من الجزء المتبقي من قدرته وسيلة للحياة، وأن يحوّل الألم إلى إرادة، والنزوح إلى صبر، والعجز المفروض عليه إلى محاولة جديدة للعمل.

 

أقف أمام أطفالي عاجزا عن توفير أبسط احتياجاتهم
 

لا تنتهي معاناة الإنسان عند لحظة الإصابة في غزة، بل تبدأ بعدها رحلة أخرى من الألم، عنوانها البحث عن وسيلة للعيش وسط واقع أنهكته الحرب والنزوح والفقر، وبين آلاف المصابين الذين فقدوا أطرافهم، يقف الشاب نضال حمد أمام مسؤولية ثقيلة، بعدما وجد نفسه مطالبا بإعالة أسرة مكونة من ثمانية أفراد، بينما فقد يده اليسرى ولم يعد قادرًا على العمل كما كان.

 

يقول نضال، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن حياته تغيرت بصورة قاسية بعد فقدان يده، ووضعه المادي أصبح أكثر صعوبة، خاصة أنه لا يمتلك مصدر دخل ثابتا يمكنه من توفير احتياجات أسرته، متابعا :" الوضع صعب للغاية، والحمد لله بعد ما فقدت يدي اليسرى ساءت حياتي كمعيل لـ8 أفراد، خاصة أنني ليس لدي أي دخل مادي، وغير قادر على العمل بسبب يدي المبتورة".

ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية على مدينة غزة
ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية على مدينة غزة

 

لم يستسلم نضال للبطالة والعجز، وحاول البحث عن أي وسيلة تمكنه من كسب المال، فبدأ العمل على عربة صغيرة لنقل الأغراض، في محاولة لتأمين احتياجات أطفاله، رغم أن هذه العربة ليست مخصصة للعمل في الشوارع.

ويضيف: "حاولت أن أعمل باستخدام عربة نقل صغيرة مخصصة للعمل داخل أحد المراكز التجارية، من أجل أطفالي"، لكن حتى هذه المحاولة البسيطة تحولت إلى عبء إضافي على جسده المصاب، فحمل الأغراض ودفع العربة لساعات طويلة يتسببان له في آلام شديدة بالظهر، بجانب الجروح التي تصيب موضع بتر يده، والآلام التي يعاني منها في ساقه، والتي تحرمه من النوم ليلا.

عبد الهادي.. طفل حرمته الحرب من العلاج والنظارة
 

ولا تتوقف مسؤوليات نضال عند توفير الطعام، فهو أب لثمانية أفراد، بينهم أطفال يحتاجون إلى الرعاية والتعليم والعلاج، ومن بين أبنائه ابنه الوحيد، البالغ من العمر 11 عاما، والذي يعاني، بحسب والده، من مشكلة في الأعصاب وانحراف في البصر.

عبد الهادي نضال الابن
عبد الهادي نضال الابن

 

ولا تقتصر معاناة نضال حمد على إصابته وفقدانه يده، إذ يحمل في قلبه هما آخر يتعلق بابنه، حيث يقول " نجلى يعاني من انحراف في البصر ومشكلة في قدميه، وهذه حالة خلقية منذ ولادته، لكن بسبب الحرب وقلة الإمكانات لم أتمكن من توفير النظارة الطبية له لفترات طويلة، كما لم أستطع متابعة علاج قدميه بسبب ظروف الحرب".

 

 

وبالنسبة إلى أب مصاب ويحاول توفير قوت يوم أسرته، أصبحت متابعة علاج ابنه مهمة تفوق قدرته المادية، لاسيما في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها الأسرة، فالنظارة التي يحتاج إليها عبد الهادي تمثل حاجة أساسية لمساعدته على الرؤية، بينما تتطلب حالة قدميه متابعة وعلاجا لم يتمكن والده من توفيرهما، لكن الحرب والنزوح ونقص الإمكانات حالت دون حصول الطفل على الرعاية الطبية التي يحتاج إليها، لتتسع دائرة المعاناة داخل الأسرة من إصابة الأب وفقدانه مصدر دخله، إلى احتياجات الأطفال الصحية والتعليمية.

صرخات المصابين في غزة
صرخات المصابين في غزة

 

ويبقى نضال، رغم إصابته وبتر يده، يحاول توفير الحد الأدنى لأطفاله، لكنه يجد نفسه عاجزا أمام بعض احتياجاتهم الطبية الأساسية، في وقت أصبحت فيه أبسط مقومات العلاج والرعاية الصحية تمثل تحديا كبيرا لعائلته.

البنات يساعدن آبيهم

ويقول نضال إن بناته يضطررن إلى مساعدته في حمل المياه وقضاء بعض الاحتياجات اليومية، موضحا أن وجودهن إلى جانبه أصبح ضرورة بسبب عجزه عن القيام بالعديد من المهام التي كان يؤديها قبل إصابته.

وفي ظل غياب مصدر دخل ثابت، تحولت الاحتياجات اليومية التي قد تبدو بسيطة إلى تحديات حقيقية تواجه الأسرة، فالأطفال يحتاجون إلى الطعام والملابس والتعليم والدواء، بينما لم يعد والدهم قادرا على توفير هذه المتطلبات كما كان يفعل قبل أن يفقد يده.

ويشير نضال إلى أن ابنته الكبرى تستعد هذا العام لامتحانات الثانوية العامة، وتدرس في الفرع العلمي، وهو ما يضاعف الضغوط الملقاة على عاتقه، حيث يضيف: "ابنتي الكبرى تستعد لامتحانات الثانوية العامة هذا العام، فمن أين أوفر لها احتياجاتها وأنا جريح وعاطل عن العمل؟ إنها تحتاج إلى دروس خصوصية وقرطاسية، بجانب احتياجات إخوتها الخمسة، الذين يحتاجون إلى كل شيء، فإذا مرض أحد أطفالي، لا أستطيع شراء الدواء له، تخيل حجم المعاناة".

ضحايا العملية التعليمية في غزة
ضحايا العملية التعليمية في غزة

 

وربما يكون أصعب ما يعيشه نضال هو ذلك الشعور بالعجز أمام أطفاله، بعدما اعتاد قبل إصابته أن يكون الأب الذي لا يحرم أبناءه من احتياجاتهم، ويسعى دائما إلى توفير ما يستطيع لهم، لكن الحرب والفقر والإصابة غيرت كل شيء.

تابع ضحايا العملية التعليمية في غزة
تابع ضحايا العملية التعليمية في غزة

 

يقول نضال: «لقد أثرت المجاعة علي بشكل كبير خلال الحرب، خاصة أنني كنت رجلا لا يحرم أبناءه من شيء، ويحاول دائما تلبية جميع احتياجاتهم، جاء يوم لم أتمكن فيه من إطعامهم، ونظرت إلى عيون أطفالي وأنا عاجز، لا أعرف ماذا أفعل"، وكانت تلك اللحظة، بالنسبة إليه، أقسى من ألم الإصابة نفسها، أن يرى أطفاله أمامه وهم يحتاجون إلى الطعام، بينما يقف الأب الذي اعتاد توفير احتياجاتهم عاجزا عن القيام بالدور الذي عاش من أجله.

نضال حمد وأسرته
نضال حمد وأسرته

 

ولا تحمل ذاكرة نضال ألم الإصابة وحده، فقد عاش تجربة نزوح قاسية، حيث يوضح أنه نزح خلالها أكثر من 20 مرة، كما تعرض للاستهداف في منزله وفي أماكن نزوحه نحو خمس مرات، قائلا :" ما زلت أعاني وأواجه الصعوبات في غزة، وأنتظر من يساعدني".

ومع كل هذه الظروف، لا يزال يحاول العمل بالعربة التي بحوزته، رغم أنها، كما يوضح، مخصصة للعمل داخل أحد المراكز التجارية وليست مناسبة للعمل في الشوارع، ومع ذلك، يحاول استخدامها لأنه لا يملك بديلا آخر، بينما تعتمد أسرته في جانب من احتياجاتها على وجبات الطعام التي تقدمها التكايا والمساعدات الإنسانية.

بالنسبة إلى نضال، لا يمثل العمل رفاهية، وإنما هو محاولة للتمسك بكرامة الأب الذي يريد أن يوفر لأطفاله احتياجاتهم بيده، رغم أن الحرب أخذت منه إحدى يديه وأثقلت جسده بالجراح والآلام.

وتختصر قصته جانبا من معاناة كثير من المصابين في غزة، الذين لم تتوقف احتياجاتهم عند تلقي العلاج من إصاباتهم، بل وجدوا أنفسهم بعد فقدان أطرافهم أمام سؤال أكثر قسوة: كيف يمكنهم العودة إلى العمل؟ وكيف يستطيعون إعالة أسرهم في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة؟

ولا يطلب نضال سوى فرصة تساعده على العمل، أو مصدر دخل يوفر الحد الأدنى من احتياجات أسرته، إلى جانب المساعدة التي تمكنه من تأمين احتياجات أطفاله وعلاجهم وتعليمهم، وبين عربة لا تصلح للعمل في الشوارع، وجسد أنهكته الإصابة، وأسرة من ثمانية أفراد تنتظر منه ما يستطيع توفيره، يواصل نضال محاولاته اليومية للبقاء، فهو لا يريد أن يرى أطفاله جائعين، ولا يريد أن يظل عاجزا أمام مرض أحدهم أو احتياجاتهم التعليمية، وكل ما يتمناه أن يجد من يقف إلى جانبه، حتى يستطيع هو بدوره أن يقف إلى جانب أسرته.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة