قامت ثورة القاهرة الأولى ضد الحملة الفرنسية بعد قتل الفرنسيين لمحمد كريم حاكم الإسكندرية وقد قامت تلك الثورة التي تحل اليوم ذكراها لعدة أسباب منها غلو الفرنسيين في فرض الضرائب وكثرة إلحاحهم في الاستفسار عن الأملاك الشخصية وهدم بعض المساجد لتحصين القاهرة، وخوف الأهالي من بعض إصلاحات نابليون وحملها على محمل سيئ، مثل هدم أبواب الحارات وكانت هذه الأبواب تغلق في الليل فتصير كل حارة كأنها حصن في ذاتها وانهزام الفرنسيين في موقعة بوقير البحرية، وسماع المصريين بأن الباب العالي أرسل جيشًا لفتح مصر.
وقد استفحل أمر الثورة وأظهر فيها عوام القاهرة إقدامًا كبيرًا؛ فذبحوا كثيرًا من رجال الفرنسيين، ثم تحصنوا في الأحياء الوطنية داخل حدود القاهرة ونصبوا المتاريس على مداخلها، ووقفوا يدافعون عنها بما لديهم من الأسلحة والذخيرة وفقا لعمر الإسكندري وسليم حسن في كتاب مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر.
ماذا فعل نابليون؟
ولكن ماذا تجدي الشجاعة والحماسة أمام القوة والعلم؟ فإن نابليون لم يكد يسمع بالخبر حتى طار برجاله إلى مواضع المتاريس، فصوَّب عليها المدافع، ثم رأى أن الثائرين لم يحصِّنوا التلول المشرفة على القاهرة من الشرق فأسرع بإرسال المدافع لتنصب عليها، وطاول زعماء الثورة، يطلب منهم الصلح خديعة منه ليتم له نقل المدافع إلى المواقع المذكورة، فلما أصبح الصباح ورأى الثائرون المدافع مصوبة عليهم استولى عليهم الفزع، وعلموا أنهم وقعوا في شرك أعمالهم، ولما انهالت المقذوفات طول المساء على حي الأزهر هاج الأهالي وماجوا، واضطُر المشايخ إلى الذهاب إلى بونابرت وإظهار خضوعهم له، فأشبعهم تأنيبًا وتعنيفًا على ما سبَّبوه من سفك الدماء، ثم أمر بالكف عن إطلاق النيران وأمسك الأهالي أيضًا عنه، إلا سكان حي الحسينية ــ ومعظمهم من طائفة الجزارين ــ فإنهم لِمَا فُطروا عليه من الشدة والعنف استمروا في القتال حتى نفدت جميع مقذوفاتهم، والفرنسيس يُصْلونهم طول الوقت نارًا حامية حتى ألحقوا كثيرًا من الضرر بحيِّهم، وما زالت آثار هذا التخريب باقية إلى الآن.
ثم دخل الفرنسيس المدينة وتجوَّلوا في أسواقها لإعادة النظام والسكينة، ثم دخلت طائفة منهم الجامع الأزهر بخيولهم، وحطَّموا قناديله، وأزالوا بعض الآيات القرآنية المنقوشة على جدرانه، ثم غالَوْا فاتخذوا الجامع إصطبلًا لخيولهم؛ فعظم استياء الناس، وأرسل المشايخ وفدًا إلى نابليون يلتمسون إصدار الأمر بإخلاء الأزهر من الجند، فأجاب ملتمسهم بعد التحذير والتهديد.