تتفاقم الأزمة المعيشية في السودان مع تصاعد أزمة نقص الوقود في العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات، وسط ارتفاع متواصل في تعريفة المواصلات وأسعار السلع الأساسية، وتزايد الضغوط على المواطنين والنازحين الذين يواجهون تداعيات الحرب المستمرة وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.
وبينما امتدت الاحتجاجات الشعبية إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل رفضًا لزيادة أسعار النقل، تتزايد المخاوف من موجة جديدة من الغلاء مع ارتفاع أسعار الدقيق ومستلزمات إنتاج الخبز، بالتزامن مع استهداف منشآت ومحطات الوقود في عدد من المناطق السودانية.
وتكشف التطورات المتلاحقة عن تداخل أزمة الإمدادات مع التحديات الأمنية والاقتصادية، في وقت تتعرض فيه مخزونات الوقود لهجمات بالطائرات المسيّرة، ما يضيف ضغوطًا جديدة على قطاع النقل والطاقة، وينعكس على تكاليف المعيشة في المدن التي تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين.
احتجاجات عطبرة.. تعريفة المواصلات تصل إلى 7 آلاف جنيه
شهدت مدينة عطبرة موجة من الاحتجاجات الشعبية على خلفية الارتفاع الكبير في أسعار المواصلات العامة بين عطبرة والدامر، بالتزامن مع تفاقم أزمة الوقود وشح المشتقات النفطية، وما ترتب عليهما من اضطراب حركة النقل وزيادة الأعباء المالية على المواطنين.
وأغلق محتجون عددًا من الشوارع الرئيسية والفرعية، وأضرموا النيران في إطارات السيارات، تعبيرًا عن رفضهم الزيادات الجديدة في تعريفة المواصلات، وسط حالة من الاستياء بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
ووفقًا لما نقلته صحيفة «سودان تربيون»، ارتفعت تعريفة المواصلات بين عطبرة والدامر إلى 7 آلاف جنيه سوداني للراكب الواحد، في ظل نقص إمدادات الوقود والإغلاق الجزئي لعدد من المستودعات ومحطات الخدمة، الأمر الذي انعكس على حركة النقل العام.
وأفاد شهود عيان بأن الاحتجاجات اندلعت عقب مشادات كلامية بين المواطنين وسائقي المركبات داخل موقف المواصلات العامة، بسبب الزيادة غير المعلنة في التعريفة، التي جاءت بالتزامن مع تفاقم أزمة الوقود.
الخرطوم.. شح الوقود يرفع تكلفة التنقل
لم تقتصر تداعيات الأزمة على ولاية نهر النيل، إذ امتدت إلى العاصمة الخرطوم، حيث تسبب نقص الوقود في اضطراب حركة المواصلات العامة، واصطفاف المركبات أمام محطات الخدمة، بينما اضطر مواطنون إلى الانتظار لساعات للحصول على وسيلة نقل.
وشكا سكان في مناطق متفرقة من ندرة المركبات وارتفاع التعريفة، إذ كشف المواطن أحمد طه عن زيادة أجرة المواصلات من مستشفى شرق النيل إلى منطقة العربي من 3 آلاف إلى 5 آلاف جنيه سوداني.
كما بلغت التعريفة من الوادي الأخضر إلى سوق «6»، وصولًا إلى الصينية بالسوق المركزي، 7 آلاف جنيه، فيما أوضحت المواطنة خالدة عبد الرحيم ارتفاع أجرة المواصلات من المحطة الوسطى ببحري إلى المحطة الشرقية بشارع عبيد ختم من 3 آلاف إلى 4 آلاف جنيه.
وتعكس هذه الزيادات اتساع تأثير نقص الوقود على التنقل اليومي، مع انتقال الضغوط من محطات الخدمة إلى المواطنين الذين يتحملون ارتفاع تكاليف الوصول إلى أعمالهم وأسواقهم ومرافق الخدمات.
الجازولين والبنزين في السوق السوداء.. ضغوط إضافية على النقل
في ظل نقص الوقود بالمحطات، اتجه سائقون إلى السوق الموازية لتأمين احتياجات مركباتهم، وسط ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، بما يزيد من تكلفة تشغيل وسائل النقل ويضاعف الضغوط على تعريفة الركوب.
وقال السائق أحمد عثمان إن سعر جالون الجازولين في السوق السوداء بلغ 80 ألف جنيه سوداني، مقابل 70 ألف جنيه لجالون البنزين، مطالبًا بتدخل عاجل لمعالجة الأزمة والحد من انعكاساتها على حياة المواطنين.
وتأتي هذه الزيادات في وقت تواجه فيه قطاعات النقل والخدمات تحديات متزايدة بسبب استمرار الحرب واضطراب سلاسل الإمداد، بينما تتسع الفجوة بين تكاليف التشغيل وقدرة المواطنين على تحمل أسعار المواصلات.
الخبز يقترب من ألف جنيه.. زيادات جديدة في أسعار الدقيق
بالتوازي مع أزمة المواصلات، يواجه قطاع المخابز ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الدقيق ومستلزمات الإنتاج، وسط توقعات بزيادة سعر رغيف الخبز إلى ألف جنيه سوداني، بما يضيف عبئًا جديدًا على الأسر السودانية.
وكشف نائب رئيس اتحاد المخابز السوداني، عصام عكاشة، في تصريحات لصحيفة «سودان تربيون»، عن ارتفاع سعر الدقيق إلى 191 ألفًا و500 جنيه، موضحًا أن الزيادات شملت جميع الشركات وامتدت إلى مدخلات صناعة الخبز.
وتوقع عكاشة وصول سعر قطعة الخبز الواحدة إلى ألف جنيه، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما يشمل الخمائر والزيوت والجازولين والغاز.
وأكد عدد من أصحاب المخابز بدء شركات الدقيق تطبيق زيادات جديدة في الأسعار اعتبارًا من الأحد، في ظل الضغوط المتزايدة على القطاع.
وتثير هذه التطورات مخاوف من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل إلى أسعار الغذاء، خصوصًا أن الخبز من السلع الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون في تلبية احتياجاتهم اليومية، ما يجعل أي زيادة جديدة في سعره عبئًا إضافيًا على الأسر محدودة الدخل.
مسيّرات تستهدف مستودعات الوقود في شمال كردفان والجزيرة
تتزامن الضغوط الاقتصادية مع تطورات أمنية تستهدف منشآت الوقود والطاقة في عدد من الولايات السودانية، إذ هاجمت مسيّرات تابعة لميليشيا الدعم السريع محطتي وقود في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان، الأحد، ما أدى إلى وقوع أضرار بالمحطتين وسقوط مصابين، وفقًا لمصادر محلية.
ويمثل الهجوم الثاني من نوعه على المدينة خلال 72 ساعة، بعدما استهدفت مسيّرات محطات وقود في أم روابة الجمعة الماضية.
كما شهدت مدينة الرهد، الواقعة على بعد نحو 80 كيلومترًا شرقي الأبيض، هجومًا على أربع محطات وقود الخميس الماضي، أسفر عن مقتل شخص.
وفي ولاية النيل الأبيض، قصفت مسيّرة تابعة للدعم السريع، خلال الأسبوع السابق، محطة كهرباء محلية في تندلتي، وهي محطة تغذي خط كهرباء ولاية شمال كردفان، وتقع المنطقة المستهدفة على الطريق القومي الرابط بين كوستي والأبيض.
وفي ولاية الجزيرة، تصدت الدفاعات الأرضية للجيش السوداني، فجر الأحد، لمسيّرات حاولت استهداف مستودعات الوقود في بلدة أم عليلة شرقي مدينة ود مدني، من دون وقوع خسائر، بحسب التقرير. وأفاد شهود عيان بإسقاط مسيّرة انقضاضية في محيط المستودعات.
وكانت مستودعات الوقود في أم عليلة قد تعرضت لهجوم مماثل في سبتمبر الماضي، أسفر عن اندلاع حرائق في المنشأة الاستراتيجية بولاية الجزيرة.
وتكتسب هذه الهجمات أهمية إضافية في ظل اعتماد حركة النقل وتشغيل الخدمات على توافر الوقود، بينما تشكل استهدافات المنشآت النفطية والكهربائية تحديًا إضافيًا أمام استقرار الإمدادات في المناطق المتضررة.
النازحون في عطبرة.. أزمة السكن تضاعف أعباء المعيشة
تتجاوز تداعيات الأزمة ارتفاع أسعار المواصلات والخبز، لتشمل السكن والخدمات الأساسية، خصوصًا في عطبرة التي تستضيف آلاف النازحين الفارين من مناطق النزاع.
وتشهد المدينة ارتفاعًا في أسعار الإيجارات، بالتزامن مع صعوبة الحصول على مساكن مناسبة، في وقت يجد فيه النازحون أنفسهم أمام تكاليف معيشية متزايدة في مناطق اللجوء الداخلي.
وقال أحمد إبراهيم، أحد النازحين من العاصمة الخرطوم، في تصريحات لـ«سودان تربيون»، إن بعض ملاك العقارات أصبحوا يطالبون المستأجرين بسداد الإيجارات بالدولار الأمريكي، أو بما يعادل قيمته الحالية بالجنيه السوداني.
وأشار إبراهيم إلى تراجع مستوى الخدمات في ولاية نهر النيل، إلى جانب مشكلات تتعلق بسوء الإدارة، ما يزيد من معاناة السكان والنازحين في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وتتزامن هذه الأوضاع مع استمرار تردد آلاف النازحين في العودة إلى الخرطوم وبحري، بسبب الصعوبات الخدمية والعقبات التي تواجه الحياة اليومية في المدينتين، رغم الأعباء الاقتصادية التي يتحملونها في مناطق النزوح.
الحرب تضغط على الإمدادات والقدرة الشرائية
تأتي أزمة الوقود في سياق تدهور اقتصادي ومعيشي تشهده الولايات السودانية، مع استمرار النقص في إمدادات المواد البترولية والدقيق والأدوية، وتراجع قيمة الجنيه السوداني، وما يصاحب ذلك من ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات.
وتظهر التطورات في عطبرة والخرطوم كيف تنعكس أزمة الوقود على قطاعات مترابطة؛ فارتفاع أسعار المشتقات النفطية يزيد تكاليف تشغيل وسائل النقل، ما يدفع تعريفة الركوب إلى الارتفاع، بينما تؤدي زيادة أسعار الطاقة ومستلزمات الإنتاج إلى زيادة تكاليف صناعة الخبز.
وفي الوقت نفسه، يضيف استهداف محطات الوقود ومستودعاته تحديًا أمنيًا إلى أزمة الإمدادات، في حين تزيد احتياجات النازحين من السكن والنقل والخدمات من الضغوط على المدن المستضيفة.