كان كثير من فلاسفة اليونان قبل سقراط مخطئين بشأن شكل الأرض، فقد اعتقد طاليس، مؤسس المدرسة الملطية للفلسفة الطبيعية، والذي اعتبره أرسطو أول فيلسوف في التقليد اليوناني، أن الأرض قرص مسطح يطفو فوق كتلة هائلة من الماء، مثل قطعة من الخشب.
وطور أناكسيماندر، تلميذ طاليس في مدينة ميليتوس، هذه الفكرة، ثم خلفه في رئاسة المدرسة الملطية، وأصبح لاحقا أول من وضع خريطة للعالم.
تصورات الفلاسفة الأوائل الخاطئة عن شكل الأرض
اقتربت فرضية أناكسيماندر من فهم البنية الحقيقية لكوكبنا، إذ أضافت إلى الأرض بعدا ثالثا، فقد اعتقد هذا الفيلسوف أن الأرض تشبه أسطوانة قصيرة أو "عمودا حجريا"، يعيش البشر على سطحه العلوي المسطح، جاء ذلك بحسب ما ذكر موقع جريك ريبوت.
كما رأى أن الأرض لا تستند إلى أي شيء ولا تحتاج إلى دعامة تحملها، بل تبقى مستقرة لأنها متساوية البعد عن جميع الأشياء الأخرى، ومن ثم تكون في حالة توازن مثالي.
واعتنق عدد من فلاسفة ما قبل سقراط، من بينهم ليوكيبوس وديموقريطس وأناكسيمينس وزينوفانيس الكولوفوني وأناكساغوراس وأرخيلاوس، تصورات الأرض المسطحة، وذهب أرخيلاوس إلى أن سطح الأرض القرصي يحتوي على انخفاض مقعر في الوسط يشبه الوعاء، في محاولة لتفسير اختلاف توقيت شروق الشمس وغروبها من مكان إلى آخر.
أول تصور للأرض الكروية
لم يبدأ تصور الأرض الكروية في الظهور إلا نحو عام 500 قبل الميلاد، أي قبل ولادة سقراط بنحو 30 عاما، ويعتقد أن فيثاغورس، الذي يرجح أنه درس على يد أناكسيماندر، طرح فكرة كروية الأرض لأسباب جمالية أكثر منها علمية.
فقد آمن، مثل كثير من الإغريق القدماء، بأن الكرة هي الشكل الأكثر كمالا، ولذلك استنتج أن الأرض لا بد أن تكون كروية.
فيثاغورس يبحث عن أدلة
حاول فيثاغورس، الذي ارتبط اسمه بنظرية فيثاغورس الرياضية، العثور على أدلة تدعم افتراضه، ومن أبرز الظواهر التي استند إليها خسوف القمر، واختفاء السفن تدريجيا خلف الأفق.
فعند حدوث خسوف القمر، تلقي الأرض ظلا مستديرا واضحا على سطحه. وعندما تقترب سفينة من الشاطئ، يرى المراقبون قمم صواريها أولا، ثم أشرعتها، وأخيرا بدنها. واستنتج فيثاغورس من هذه الملاحظات أن سطح الأرض ينحني، وأن كوكبنا لا يمكن أن يكون مسطحا.
بارمنيدس والكرة الفلسفية
اتفق بارمنيدس مع التصور القائل بكروية الأرض، لكنه استند في رأيه إلى حجج فلسفية. فقد اعتقد أن الشكل الكروي المتناسق يمنح الأرض توازنا مثاليا، ويسمح لها بالبقاء في مركز كون كروي.
وبحلول القرن الخامس قبل الميلاد، كان تصور الأرض الكروية قد حظي بالقبول في معظم الأوساط الفلسفية اليونانية. وبذلك انتقل اهتمام الفلاسفة الطبيعيين من محاولة إثبات شكل الأرض إلى البحث في أبعادها وقياس حجمها.
لكن المحاولة الإغريقية لقياس محيط الأرض لم تظهر إلا نحو عام 330 قبل الميلاد، عندما قدم أرسطو تقديرا لمحيطها، فقد قدر الفيلسوف، أحد أبرز تلاميذ أفلاطون، محيط الأرض بنحو 400 ألف ستاديون، وهي وحدة طول يونانية قديمة تساوي 600 قدم يونانية، ولا يعرف الطول الدقيق لهذه الوحدة اليوم، لكن المؤرخين يقدرونه بنحو 150 إلى 210 أمتار.
حساب انحناء الأرض
ظهر أول دليل تجريبي فعلي يدعم انحناء الأرض نحو عام 240 قبل الميلاد، على يد إراتوستينس، العالم الموسوعي الذي أصبح لاحقا أمينا لمكتبة الإسكندرية.
شرح إراتوستينس طريقته في كتاب بعنوان قياس الأرض، لكنه لم يصل إلينا، ويأتي معظم ما نعرفه عن اكتشافه من مؤلف كتبه كليوميدس، الذي خلد اسمه بإطلاقه على فوهة بركانية في الجزء الشمالي الشرقي من الجانب المرئي للقمر.
وفي كتابه الحركات الدائرية للأجرام السماوية، يشرح كليوميدس كيف استخدم إراتوستينس عصا رأسية تعرف باسم الغنومون، إلى جانب معرفته بموعد الانقلاب الصيفي، لحساب محيط الأرض بدرجة جيدة من الدقة.
من الإغريق إلى علم الفلك الحديث
أصبحت الأسئلة المتعلقة بنشأة الكون، وموقع الأرض داخله، وطبيعة العلاقة المكانية بين الكواكب والشمس والأرض، محور اهتمام العلماء اللاحقين، ولا سيما الذين سعوا إلى تفسير الظواهر الطبيعية بعيدا عن التفسيرات الدينية.
ومهدت هذه الأسئلة الطريق أمام أعمال علماء فلك وفيزياء لاحقين، من بينهم كوبرنيكوس وغاليليو وكبلر وأينشتاين وستيفن هوكينغ.
ولا يزال المفكرون الإغريق القدماء ينظر إليهم بوصفهم من أبرز رواد دراسة الفيزياء وعلم الفلك، إلى جانب إسهاماتهم الواسعة في مجالات أخرى أسهمت في تشكيل العالم.