في كل أزمة تمر بها جماعة الإخوان الارهابية، يتكرر المشهد نفسه، حيث تسارع منصات وقنوات محسوبة على التنظيم إلى نشر مقاطع مصورة تقدمها بوصفها جديدة، ثم يتضح بعد وقت قصير، بحسب ما يرصده متابعون ومدققون، أنها لقطات قديمة اقتُطعت من سياقها الزمني. وبات هذا الأسلوب في نظر كثير من المراقبين دليلاً على أزمة أعمق في القدرة على إنتاج مادة إعلامية حقيقية.
ويري مختصون في الشأن الإعلامي أن أول أسباب الظاهرة هو لجوء الجماعة الإرهابية إلى الأرشيف الحل الأسهل و عدم البحث عن الحقيقة، وذلك لتنفيذ مخططاتهم بالتخريب او التضليل، حتى لو كان الثمن فقدان المصداقية.
أيمن عدلي: الإخوان الإرهابيه تستغل مصطلحات من خاصه لإثارة الشائعات والفتن
ومن جانبة أكد أيمن عدلي رئيس لجنة التدريب والتثقيف بنقابة الإعلاميين وعضو مجلس إدارة المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو اتحاد الصحفيين الأفارقة، إن استخدام مصطلحات مثل مصادر خاصة وتسريبات حصرية عبر منصات جماعة الإخوان الإرهابية ليس مجرد اختيار لغوي عابر، بل قد يكون جزءًا من أسلوب يستهدف إضفاء المصداقية على ادعاءات غير موثقة، والتأثير في وعي الجمهور، وصناعة حالة من الجدل والارتباك.
وأشار عدلي لـ اليوم السابع أن هذه المنصات تلجأ إلى عبارات توحي بامتلاك معلومات سرية أو مصادر من داخل دوائر صنع القرار، دون تقديم أدلة واضحة أو معلومات يمكن التحقق منها، بما يدفع المتلقي إلى التعامل مع الرواية باعتبارها حقيقة قبل إخضاعها للفحص والتدقيق. وهنا تتحول المصطلحات الصحفية من أدوات لنقل المعلومات إلى وسائل للتأثير النفسي وصناعة الانطباعات.
وأضاف عدلي : تعتمد هذه الممارسات على إثارة الفضول والخوف والغضب، وتوظيف العناوين المثيرة والشائعات لزيادة الانتشار والتفاعل، مستفيدة من سرعة تداول المحتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي قد تسبق فيها الشائعةُ الحقيقةَ إلى الجمهور.
واكمل من منظور مهني، فإن مصطلح "مصادر خاصة" لا يمنح أي ادعاء حصانة من التحقق، كما أن وصف معلومة بأنها "تسريب" لا يعني بالضرورة أنها صحيحة. فالمصداقية تُبنى على الأدلة، وتعدد مصادر التحقق، ودقة المعلومات، وليس على العبارات التي تُستخدم لتقديمها.
وهنا تبرز أهمية الوعي الإعلامي لدى المواطن، وضرورة التمييز بين الخبر الموثق والمحتوى المضلل، وعدم إعادة نشر أي ادعاء قبل التأكد من مصدره وسياقه. كما تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية مسؤولية مهنية ووطنية في مواجهة الشائعات، والالتزام بالدقة والموضوعية، وعدم الانسياق وراء السبق على حساب الحقيقة.
وأكد عدلي أن معركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى؛ لأن استهداف العقول وتزييف الحقائق ومحاولة هز الثقة في مؤسسات الدولة تتم أحيانًا عبر كلمات تبدو بسيطة، لكنها تُستخدم لبناء روايات مضللة. والرد الحقيقي يبدأ بإعلام مهني مسؤول، ومواطن واعٍ، وثقافة مجتمعية تجعل التحقق من المعلومة سابقًا على تصديقها أو تداولها.
انقسامات تضرب الخطاب الاعلامى
يضاف إلى ذلك الانقسام الذي شهده التنظيم بين جبهاته في الخارج، وما رافقه من خلافات علنية حول القيادة والمسؤولية، وانعكس هذا التشتت على الخطاب الإعلامي، فتعددت الروايات وتضاربت، وضعف التنسيق بين المنصات، وغاب خط تحريري موحد يمكن البناء عليه فكان الكذب والتضليل بديلا للحقيقة .
النائب عمرو فهمي: منصات الإخوان تدار من الخارج لبث الشائعات وإثارة البلبلة
وفي هذا الشأن قال النائب عمرو فهمي، عضو مجلس النواب، إن ما تمارسه المنصات والقنوات التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية من ترويج ممنهج للشائعات والأكاذيب، لم يعد ينطلي على الشعب المصري، مؤكدا أن المواطن اليوم أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين المعلومة الموثقة والفبركة الإعلامية.
وأضاف فهمي أن هذه المنصات تعتمد بشكل أساسي على مصطلحات مطاطة مثل "مصادر خاصة" و"تسريبات حصرية" في محاولة يائسة لإضفاء المصداقية على ادعاءات لا تملك أي دليل أو وثيقة، وهي حيلة مكشوفة تهدف إلى إثارة البلبلة وضرب حالة الاستقرار التي تشهدها الدولة المصرية.
وأوضح عضو مجلس النواب، أن الجماعة الإرهابية فقدت كل أدواتها على الأرض، ولم يتبق لها سوى استوديوهات في الخارج تدار بتمويلات مشبوهة، مهمتها الوحيدة هي بث الخوف والتشكيك في كل إنجاز تحققه الدولة، سواء في ملف الحماية الاجتماعية أو مشروعات حياة كريمة أو جهود التحالف الوطني للعمل الأهلي.
وتابع: عندما نرى التحالف الوطني يقدم 124.8 مليون خدمة لـ40 مليون مستفيد، وحياة كريمة تنفذ 23 ألف مشروع في 1477 قرية، ثم تخرج علينا قناة إخوانية بخبر يقول مصادرنا تؤكد انهيار الخدمات، فهذا يكشف حجم الإفلاس والكذب الذي وصلت إليه هذه الجماعة".
وشدد فهمي على أن الدولة المصرية تواجه هذه الحرب المعلوماتية بالشفافية والأرقام، داعيا وسائل الإعلام الوطنية إلى الاستمرار في كشف آليات التضليل الإخواني وتوعية المواطنين بكيفية التحقق من الأخبار، وعدم الانسياق وراء عناوين مفبركة هدفها النيل من ثقة المواطن في دولته ومؤسساتها.
واختتم تصريحه قائلا"معركة الوعي هي الأهم في هذه المرحلة، والرهان الحقيقي على وعي الشعب المصري الذي أسقط مخططات الجماعة في 30 يونيو، وقادر على إسقاط شائعاتها كل يوم".
كلفة المصداقية
تكمن المشكلة الكبرى في أن إعادة نشر المقاطع القديمة على أنها أحداث جارية تعرّض أصحابها لانكشاف سريع. فمع انتشار أدوات التحقق من الصور والفيديو، لم يعد صعباً على الصحفيين والمستخدمين العاديين تتبع أصل المقطع وتاريخ تصويره. وكل واقعة تُكتشف تُضعف ثقة الجمهور، حتى لدى جزء من القاعدة التي يخاطبها هذا الإعلام.
معركة الوعي
ويؤكد الخبراء أن مواجهة هذا النوع من المحتوى لا تقتصر على النفي والتكذيب، بل تتطلب سرعة في إتاحة المعلومة الصحيحة، وتعزيز ثقافة التحقق لدى الجمهور قبل مشاركة أي مقطع مجهول المصدر. فالمعلومة الدقيقة التي تصل في وقتها تظل أقوى وسيلة لتحييد الشائعات والمقاطع المضللة.
مما يعكس أن الاعتماد على مقاطع منتهية الصلاحية، في تقدير ، أزمة بنيوية تتصل بفقدان الحضور الميداني والتماسك التنظيمي والموارد، وهي أزمة لا تعالجها الحملات الموسمية ولا إعادة تدوير الأرشيف. وفي المقابل، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الجمهور وقدرته على التمييز بين الخبر والتضليل.