الكتابة عن صديق في وقت مرضه ليست أمرًا سهلًا. ربما لأن الكلمات، مهما اتسعت، تبدو أضيق من أن تحمل ما نريد قوله، وربما لأننا حين نكتب عن شخص نحبه وهو يمر بوقت صعب، نخشى أن تتحول الكتابة، من حيث لا نريد، إلى حديث مثقل بالحزن، بينما نحن نريد فقط أن نقول له: نحن هنا.
حين بدأت أكتب عن صديقتي وزميلتي سما الشافعي، توقفت كثيرا، وتعسرت كافة محاولاتي في الكتابة مبكرا، لكنني وجدا نفسي اتوقف عند عنوانًا قديمًا للكاتبة نعمات البحيري «يوميات امرأة مشعة»، الكتاب الذي كتبت فيه عن تجربتها مع مرض السرطان، وعن قدرتها على مواجهة الموت بالحياة، وبالكتابة، وبالأحلام التي تظل قادرة على أن تنبت حتى في أكثر الأماكن قسوة. وهو نفسه ما فعلته سما عندما بدأت كتابة سلسلة مقالاتها في «اليوم السابع» لذلك استعرت العنوان، ليس لأنني أريد أن أكتب عن المرض، وإنما لأنني أريد أن أكتب عن سما نفسها، عن تلك الفتاة التي عرفت دائمًا كيف تترك حولها شيئًا من البهجة وكأنها تشع بها، رغم ما بها من ألم.
عرفت سما منذ نحو خمس سنوات، بالتحديد في المسرح القومي، أثناء الاستعدادات للدورة الرابعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح.
في البداية، لم أكن أعرفها جيدًا، وكانت صورتي الأولى عنها أنها فتاة كثيرة الحركة، كثيرة الكلام، والضحك، حتى ظننت للوهلة أنها لا يمكن الاعتماد عليها كثيرًا، لكن كلما مر الوقت، كان يمحي تلك الانطباعات الأولى؛ ليزيح عنها الحكم السريع عليها، ويتركك أمام الإنسان نفسه.
ومع الوقت، اكتشفت سما أخرى.
فتاة جادة في عملها، حاضرة بحماسها، وممتلئة بتلك الطاقة التي تجعل وجودها ملحوظًا حتى لو لم تحاول أن تكون في مركز المشهد. ثم بدأت المسافة بيننا تضيق قليلًا قليلًا، حتى صارت الصداقة بيننا من تلقاء نفسها، بلا إعلان ولا لحظة محددة يمكن أن تقول عندها من هنا بدأت صداقتنا.
كانت سما هي التي تختصر المسافات في الغالب. سؤال مفاجئ، رسالة للاطمئنان، مجرد محاولة لفتح حديث. وأنا بطبيعتي يمكن أن أكون أحيانًا جافًا في بعض الأحيان، أو أقل قدرة على التعبير عما أشعر به مما ينبغي، لكنها كانت تستقبل ذلك ببساطة غريبة، وكأنها تعرف أن وراء هذه القسوة شيئًا آخر لا يحتاج إلى شرح.
قبل نحو عشرة أشهر، وفي أثناء فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي، لاحظت غيابها. سألت عنها، فعرفت أنها كانت تشارك في إحدى الماراثونات. وكعادتنا، كان في الأمر مساحة للضحك والسخرية من الذات، كأننا لا نستطيع أن نأخذ الحياة بجدية كاملة، لكنها على الرغم من ذلك كانت تركض فيها بكل ما تملك من طاقة، وكأنها تركض خلف شىء بقوة أو تحاول تعويض شيء ما.
ثم عرفت بعد ذلك أنها تمر بمرض شديد.
ربما كانت هذه هي اللحظة التي تغيرت فيها نظرتي إلى كل تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو عادية، حركتها الكثيرة، ضحكتها، رسائلها، أسئلتها، رغبتها الدائمة في أن تظل قريبة من الناس، أحيانًا لا نعرف قيمة الأمل إلا عندما نراه يقاوم العتمة، وسما تبدو هكذا دائما، تشع بالبهجة رغم تلك العتمة الباهرة.
بعد محنتها الأخيرة، زرتها في المنصورة، مرتين، بصحبة زميلتنا رغدة صفوت، التي اختارت أن تكون إلى جوارها في هذا الوقت الصعب؛ فمن ذاق الألم، ربما يكون أقدر الناس على أن يخفف وطأته عن الآخرين. بالتأكيد لم تكن الزيارة سهلة، ولا أعرف إن كانت هناك زيارة سهلة في مثل هذه الظروف. لكن ما بقي معي من سما، بعد كل مرة، لم يكن المرض.
كان الأمل.
كان هناك شيء فيها يرفض أن يسمح للمرض بأن يحتكر المشهد. شيء يجعلها، رغم كل ما يحدث، قادرة على أن تترك ابتسامة، أو أن تفتح حديثًا عاديًا، أو أن تتعامل مع يومها باعتباره يومًا يستحق أن يُعاش، لا مجرد يوم آخر في انتظار ما سيأتي.
وربما الآن وفي عيد ميلادها، أتذكر الآن إهدائي لها في كتابي الأخير: «يد الله تمسك رأسك بسكينة تستحقينها».
تلك الجملة التي كتبها وقتها كجملة محبة لصديقة، لكنني أجدني اليوم أعود إليها بمعنى آخر. فبعض الناس لا يحتاجون إلى كثير من الكلام كي نعرف كم يستحقون أن تكون الحياة أرحم بهم.
سما من هؤلاء.