الغابات فى خطر.. 1.56 مليار هكتار متدهور وحرائق تضرب 127 مليون آخرى سنويًا وسط مخاوف من موجات حر قاتلة حتى عام 2027.. النينيو يضيف ضغوطًا جديدة على الغذاء والمياه.. وخبراء المناخ يحذرون من كلفة التأخير

الخميس، 01 أكتوبر 2026 02:00 ص
الغابات فى خطر.. 1.56 مليار هكتار متدهور وحرائق تضرب 127 مليون آخرى سنويًا وسط مخاوف من موجات حر قاتلة حتى عام 2027.. النينيو يضيف ضغوطًا جديدة على الغذاء والمياه.. وخبراء المناخ يحذرون من كلفة التأخير حرائق الغابات - أرشيفية

فاطمة شوقى

تواجه الغابات والأراضي حول العالم ضغوطًا متزايدة مع اتساع نطاق تدهور الأراضي، وتغير أنماط المناخ، وارتفاع مخاطر الحرائق والظواهر الجوية القاسية، في وقت تحذر فيه منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» من أن الوقت المتاح للتحرك أصبح أكثر ضيقًا، وأن تأجيل استعادة النظم الطبيعية سيجعل معالجة الأضرار أكثر صعوبة وكلفة.

وبحسب تقرير «حالة الغابات في العالم 2026»، تغطي الغابات نحو 4.14 مليار هكتار، أي ما يقارب 32% من مساحة اليابسة على كوكب الأرض. إلا أن هذه المساحات تعرضت لخسائر كبيرة خلال العقود الماضية، إذ فقد العالم نحو 489 مليون هكتار من الغابات بسبب إزالة الغابات منذ عام 1990، رغم تسجيل تباطؤ في وتيرة الإزالة خلال السنوات الأخيرة.

ولا تقتصر المشكلة على المساحات التي اختفت بفعل إزالة الغابات، إذ تشير بيانات «فاو» إلى أن أكثر من 460 مليون هكتار من الغابات تعاني التدهور حاليًا، بينما يصل إجمالي الأراضي المتدهورة في العالم إلى نحو 1.56 مليار هكتار، وهو رقم يعكس اتساع نطاق المشكلة خارج المناطق الحرجية نفسها ويمس التربة والمياه والأنظمة الزراعية والرعوية.

 

1.56 مليار هكتار تحت ضغط التدهور

ويعني تدهور الأراضي تراجع قدرة التربة والنظم البيئية على أداء وظائفها، بما في ذلك دعم الزراعة وتخزين المياه والكربون والحفاظ على التنوع البيولوجي. ومع استمرار الضغوط الناتجة عن تغير المناخ والتوسع العمراني والطلب المتزايد على الأراضي والموارد الطبيعية، يصبح استعادة المناطق المتضررة جزءًا أساسيًا من مواجهة المخاطر البيئية والغذائية.

وتشير «فاو» إلى أن الدول والمبادرات الدولية تعهدت بالفعل بإخضاع أكثر من مليار هكتار لعمليات الاستعادة، إلا أن تحقيق الأهداف العالمية يتطلب وضع 470 مليون هكتار إضافية على الأقل تحت الاستعادة بحلول عام 2030.

ولا ترى المنظمة أن زراعة الأشجار وحدها يمكن أن تكون حلًا شاملًا للمشكلة، لأن طبيعة التدهور تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي بعض الأماكن قد يكون التجدد الطبيعي للغابات هو الخيار الأكثر ملاءمة، بينما تحتاج مناطق أخرى إلى إعادة تأهيل التربة أو تحسين إدارة المياه أو تطبيق الزراعة الحراجية أو تطوير أساليب إدارة المراعي، وهذا يجعل استعادة الأراضي عملية طويلة الأمد تتطلب التعامل مع أسباب التدهور وليس فقط محاولة إعادة الغطاء النباتي إلى المناطق المتضررة.

 

حرائق تضرب 127 مليون هكتار من الغابات سنويًا

وتأتي حرائق الغابات ضمن أبرز الضغوط التي تهدد النظم الحرجية. ووفق بيانات «فاو»، يتأثر نحو 127 مليون هكتار من الغابات بالحرائق سنويًا، في مؤشر على حجم الخطر الذي تواجهه المساحات الطبيعية في مناطق مختلفة من العالم.

وتتداخل الحرائق مع عوامل أخرى، بينها ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والآفات والأمراض والظواهر الجوية القاسية. وعندما تتراجع قدرة الغابات على التعافي بسبب التدهور أو نقص المياه، يمكن أن تصبح أكثر تعرضًا للاضطرابات، بما ينعكس على التنوع البيولوجي والتربة والمياه وسبل عيش المجتمعات التي تعتمد على الموارد الطبيعية.

ولا تقتصر أهمية الغابات على البيئة وحدها، إذ تعتمد مجتمعات واسعة حول العالم على الموارد المرتبطة بها في الغذاء والوقود والدخل والمواد الخام. وتقدر «فاو» أن نحو 2.5 مليار شخص يعتمدون بدرجات مختلفة على المجتمعات والموارد المرتبطة بالغابات لتلبية احتياجات أساسية.

وبالتالي، فإن تدهور الغابات والأراضي لا يمثل قضية بيئية منفصلة، بل يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والمائي والاقتصادي، خصوصًا في المجتمعات الأكثر اعتمادًا على الزراعة والموارد الطبيعية.

 

تكلفة التأخير قد تصل إلى تريليونات الدولارات

وتحذر «فاو» من أن تكلفة عدم التحرك لمواجهة تدهور الأراضي يمكن أن تتراوح بين 878 مليار دولار و6.3 تريليون دولار سنويًا، ما يعكس حجم الخسائر الاقتصادية المحتملة عندما تتراكم الأضرار وتتراجع قدرة النظم الطبيعية على توفير خدماتها.

وتقول المنظمة إن استعادة الغابات والمناظر الطبيعية ليست مجرد إجراء بيئي، وإنما استثمار في قدرة النظم الزراعية والغذائية على الصمود، وفي التنمية الريفية وقدرة المجتمعات على التعامل مع الصدمات المناخية.

وأكد المدير العام للمنظمة، شو دونيو، أن «نافذة العمل تضيق»، في إشارة إلى الحاجة إلى تسريع جهود الاستعادة وعدم التعامل مع تدهور الأراضي باعتباره مشكلة يمكن تأجيلها.

 

النينيو يضيف ضغطًا جديدًا

وفي الوقت الذي تواجه فيه الغابات والأراضي هذه الضغوط، يضيف تغير أنماط الطقس المرتبط بظاهرة «النينيو» طبقة جديدة من المخاطر خلال الأشهر المقبلة.

وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن ظاهرة النينيو أصبحت راسخة، مع توقعات باشتدادها إلى مستوى قوي جدًا، واستمرار تأثيراتها المحتملة حتى أوائل عام 2027. كما تشير توقعات مراكز المناخ الأمريكية إلى ارتفاع احتمال وصول الظاهرة إلى مستويات شديدة القوة خلال خريف وشتاء 2026-2027.

وتنشأ ظاهرة النينيو نتيجة ارتفاع غير معتاد في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، خصوصًا في الأجزاء الوسطى والشرقية منه، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تغيرات واسعة في حركة الغلاف الجوي وأنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق بعيدة عن المحيط الهادئ.

ولا تعني قوة النينيو أن جميع دول العالم ستواجه السيناريو نفسه، إذ تختلف التأثيرات حسب الموقع والفصل المناخي، وقد تؤدي الظاهرة إلى زيادة الأمطار والفيضانات في مناطق، بينما ترتبط بالجفاف والحرائق ونقص المياه في مناطق أخرى.

 

أمطار وفيضانات في مناطق وجفاف في أخرى

وتظهر هذه المفارقة في أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى، حيث تتوقع بعض المناطق ارتفاع فرص الأمطار الغزيرة والفيضانات، بينما تواجه مناطق أخرى خطر الجفاف وتراجع المحاصيل.

وفي الأرجنتين، تشير التوقعات إلى احتمال تسجيل أمطار أعلى من المعدلات المعتادة خلال أشهر سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر في مناطق، خصوصًا شمال شرق البلاد ومنطقة ليتورال، مع ارتفاع مخاطر فيضان الأنهار وتراكم المياه.

وفي المقابل، تواجه أجزاء من أمريكا الوسطى، خصوصًا المناطق الواقعة ضمن «الممر الجاف»، ضغوطًا مرتبطة بنقص الأمطار. وتحذر منظمة الصحة للبلدان الأمريكية من أن اشتداد النينيو يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الجفاف وانعدام الأمن الغذائي وحرائق الغابات، إلى جانب زيادة بعض المخاطر الصحية.

وتكتسب هذه التأثيرات أهمية خاصة بالنسبة للزراعة، لأن تراجع الأمطار يمكن أن يخفض الإنتاج الزراعي ويضغط على مصادر المياه، بينما قد تؤدي الأمطار الغزيرة والفيضانات في مناطق أخرى إلى إتلاف المحاصيل والبنية التحتية.

 

الغابات بين الجفاف والحرائق والحرارة

وتتداخل هذه المخاطر المناخية مع أزمة الغابات بصورة مباشرة. فارتفاع الحرارة والجفاف يمكن أن يزيدا من جفاف الغطاء النباتي، بينما يمكن أن تؤدي الحرائق إلى خسارة مساحات من الغابات وإضعاف قدرة النظم البيئية على التعافي.

وفي الوقت نفسه، فإن الأراضي المتدهورة تكون أكثر عرضة لفقدان قدرتها على الاحتفاظ بالمياه ودعم الإنتاج الزراعي، ما يجعل استعادة التربة والغطاء النباتي جزءًا من الاستعداد لموجات الجفاف والحرارة والظواهر الجوية المتطرفة.

وهنا تتضح العلاقة بين أرقام تدهور الأراضي وأزمة المناخ: فالمشكلة لا تتعلق فقط بمساحة الغابات التي يتم فقدها، وإنما أيضًا بقدرة المساحات المتبقية على الصمود أمام ضغوط متزامنة من الحرارة والجفاف والحرائق والآفات والأمراض.

 

البرازيل تستعد لتأثيرات النينيو حتى 2027

وفي البرازيل، أعدت الوكالة الوطنية للمياه والصرف الصحي خطة استعداد للتعامل مع آثار النينيو على الموارد المائية حتى مارس 2027، في ظل المخاطر المحتملة على الأنهار والخزانات وجودة المياه.

وتشمل الخطة إجراءات للمراقبة وإدارة المخاطر، في وقت تظل فيه منطقة الأمازون والنظم الطبيعية المرتبطة بها ذات أهمية كبيرة للتوازن البيئي والموارد المائية.

أما في بيرو وكولومبيا، فتتوزع المخاطر بين الأمطار الغزيرة والفيضانات والانهيارات الأرضية من جهة، والحرائق والحرارة ومخاطر نقص المياه من جهة أخرى.

وتوضح هذه الحالات أن النينيو لا يعمل بمعزل عن الظروف المحلية، بل يمكن أن يفاقم نقاط الضعف الموجودة أصلًا، سواء كانت مرتبطة بتدهور الأراضي أو نقص المياه أو ضعف البنية التحتية أو الاعتماد الكبير على الزراعة.

 

كاليفورنيا تستعد لمخاطر موسم شتاء قاسٍ

وفي الولايات المتحدة، أعلنت كاليفورنيا حالة الطوارئ استعدادًا لتأثيرات محتملة مرتبطة بالنينيو، مع التركيز على مخاطر الأمطار الغزيرة والفيضانات والانهيارات الأرضية وتآكل السواحل.

وتشمل الاستعدادات تجهيز المعدات والإمدادات وتعزيز جاهزية الطرق والبنية التحتية والاستعداد لعمليات البحث والإنقاذ.

ولا تعني هذه الإجراءات أن حدوث فيضانات أو عواصف قياسية أمر مؤكد، لكنها تعكس اعتماد السلطات على التوقعات المناخية باعتبارها أداة للاستعداد وتقليل الخسائر المحتملة.

 

أزمة الغابات تتجاوز حدود المناخ

وتكشف الصورة الأوسع أن أزمة الغابات ليست نتيجة ظاهرة مناخية واحدة. فتغير المناخ يزيد الضغوط، لكن إزالة الغابات والتوسع العمراني وتغير استخدام الأراضي والطلب على الموارد الطبيعية كلها عوامل تسهم في تدهور النظم البيئية.

ولهذا فإن استعادة 1.56 مليار هكتار من الأراضي المتدهورة لا يمكن اختزالها في حملات تشجير منفصلة، وإنما تتطلب إدارة أفضل للتربة والمياه والغابات والمراعي والزراعة، إلى جانب حماية المناطق الطبيعية المتبقية من التدهور.

وفي ظل استمرار الضغوط المناخية حتى 2027، تصبح قدرة هذه النظم على التعافي أكثر أهمية، خصوصًا أن الغابات السليمة والأراضي القادرة على الاحتفاظ بالمياه يمكن أن تؤدي دورًا في دعم المجتمعات أمام الصدمات المناخية.

وتشير المخاوف المرتبطة بالنينيو إلى أن الأشهر المقبلة قد تحمل تفاوتًا كبيرًا في المخاطر بين المناطق، من أمطار وفيضانات إلى جفاف وحرائق وارتفاع في درجات الحرارة. لكن حجم هذه المخاطر لا يلغي المشكلة الأساسية التي حذرت منها «فاو»: تدهور الأراضي والغابات يتطلب تحركًا أسرع، لأن تأجيل الاستعادة يعني تراكم الخسائر وارتفاع تكلفة المعالجة.

ومع وصول الأراضي المتدهورة إلى نحو 1.56 مليار هكتار، وتأثر نحو 127 مليون هكتار من الغابات بالحرائق سنويًا، تصبح حماية الغابات واستعادة الأراضي المتضررة جزءًا من الاستعداد للأزمات المناخية المقبلة، وليس مجرد هدف بيئي طويل الأجل.

فبينما يفرض النينيو اختبارًا جديدًا على المياه والزراعة والغذاء خلال الأشهر المقبلة، تظل المعركة الأكبر هي الحفاظ على قدرة الغابات والأراضي على الصمود أمام هذه الصدمات، قبل أن تتحول الأضرار المؤقتة إلى خسائر يصعب استعادتها.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة