"عيذاب والقصير القديم".. حكاية أقدم مسارين بحريين عبر البحر الأحمر لمكة.. الأول فى نطاق حلايب وشلاتين وكان حلقة وصل تجارية عالمية بين اليمن والهند والبحر.. والثانى تحول لبوابة للحجاج وكسوة الكعبة والحبوب والمؤن

الخميس، 01 أكتوبر 2026 03:00 ص
"عيذاب والقصير القديم".. حكاية أقدم مسارين بحريين عبر البحر الأحمر لمكة.. الأول فى نطاق حلايب وشلاتين وكان حلقة وصل تجارية عالمية بين اليمن والهند والبحر.. والثانى تحول لبوابة للحجاج وكسوة الكعبة والحبوب والمؤن الاكتشافات الأثرية بعيذاب

عماد عرفة

يضم البحر الأحمر، وتحديدا المناطق الجنوبية منها، تاريخا مهما من تاريخها المرتبط برحلات الحجاج، حيث شهد الساحل المصري على مدار قرون طويلة مسارات بحرية لعبت دورا بارزا في نقل الحجاج والتجارة والمؤن إلى الأراضي المقدسة، ومن بين أبرز هذه المسارات ميناء عيذاب التاريخي جنوب البحر الأحمر، وميناء القصير القديم، اللذان ارتبطا بفترات مهمة من تاريخ الحج والتجارة في المنطقة.

 

ميناء عيذاب

من جانبه قال محمد أبو الوفا، مدير الوعى الآثرى بآثار البحر الأحمر، إن ميناء عيذاب التاريخي يقع جنوب البحر الأحمر، في النطاق الجغرافي الممتد بين حلايب وشلاتين، وتحديدا في منطقة أبو رماد، مشيرا إلى أن موقع الميناء ارتبط قديما بصحراء عيذاب، وأن ما تبقى من الكتابات والمخربشات القديمة وما ورد في كتب المؤرخين والرحالة يمثل جانبا مهما من تاريخ هذا الميناء ودوره في المنطقة.

وأوضح أبو الوفا أن ميناء عيذاب ارتبط بقبائل البجا التي كانت تقطن الصحراء الشرقية، حيث تشير الروايات التاريخية إلى أن إنشاء الميناء جاء في سياق الظروف التي مرت بها تلك القبائل بعد دخول الرومان إلى مناطقهم، وما ترتب على ذلك من تضييق في بعض مصادر الرزق المرتبطة بالمراعي والتجارة وبيع وشراء الدواب واستخراج الذهب.

وأضاف أن الميناء لم يكن في بدايته مرتبطا بالحج فقط، وإنما كان له دور تجاري مهم، حيث استخدم في تجارة التوابل والأعشاب والعبيد مع عدد من البلدان والمناطق الأخرى، قبل أن يتوسع دوره ويصبح واحدا من أهم الموانئ البحرية التي تربط طرق التجارة بين مناطق متعددة.

 

الكشف الأثرى

وأكد الأثرى محمد أبو الوفا أن خلال ترأسه للبعثة  الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، فى ميناء عيذاب تم اكتشاف مجموعة من خزانات وصهاريج المياه الضخمة، إلى جانب عدد من المباني والمنشآت الخدمية، في اكتشاف أثري جديد يُلقي الضوء على البنية التحتية لميناء عيذاب، أحد أبرز وأهم الموانئ المصرية خلال العصور الإسلامية.

 

محتويات ميناء عيذاب

وتابع أن ما تم اكتشافه كان يوضح ما تمتعت به ميناء عيذاب من بنية تحتية متقدمة لخدمة حركة التجارة والحجاج، بما يؤكد المكانة الاستراتيجية لمصر كمركز حضاري وتجاري رئيسي عبر العصور، حيث مثّلت صهاريج المياه عنصراً أساسياً في دعم النشاط الملاحي والتجاري، فضلًا عن توفير احتياجات الحجاج الوافدين إلى الميناء في طريقهم إلى الأراضي المقدسة.

وأشار أن أعمال الحفائر أسفرت عن الكشف عن صهريج رئيسي ضخم يبلغ طوله نحو 15.10 مترًا، وعرضه 3.15 مترًا، وارتفاعه قرابة 3 أمتار، وقد شُيّد باستخدام الحجر الرملي والأحجار المرجانية المحلية، ثم غُطي بطبقة من الملاط الجيري الأبيض لعزل المياه ومنع تسربها، بالإضافة إلى الكشف عن عدد من الصهاريج الأخرى بالجهة الجنوبية من الموقع.

 

بوابة التجارة

وأشار إلى أن المؤرخ المقريزي تحدث عن أهمية ميناء عيذاب، وذكره باعتباره ميناء مزدهرا يرتبط بطريق عيذاب الدولي، ويصل موانئ اليمن بموانئ الهند والبحر الأبيض المتوسط، وهو ما يعكس المكانة التجارية الكبيرة التي اكتسبها الميناء خلال مراحل تاريخية مختلفة.

 

طريق الرحالة

ولم يكن طريق عيذاب للحج مقصورا على عامة الحجاج، بل مر من خلاله عدد من الرحالة والعلماء الذين سجلوا مشاهداتهم ورحلاتهم، ومن بينهم الرحالة الشهير ابن بطوطة، وقبله ابن جبير والتجيبي، حيث ارتبطت رحلاتهم بمسارات البحر الأحمر والموانئ التي كانت تمثل حلقات أساسية في طريق الوصول إلى الأراضي المقدسة.

وأوضح أبو الوفا أن استمرار استخدام الميناء في حركة الحج تأثر لاحقا بالصراعات التي دارت بين المماليك وقبائل البجا، وهو ما أدى في النهاية إلى توقف قوافل الحج عبر هذا الطريق، وعودة حركة الحجاج إلى استخدام طرق أخرى، من بينها طرق الشام، التي كانت من المسارات المعروفة للوصول إلى مكة.

 

القصير القديم

وعلى الجانب الآخر، برز ميناء القصير القديم كواحد من أهم المسارات البحرية التي ارتبطت برحلات حجاج بيت الله الحرام من ساحل البحر الأحمر إلى الأراضي المقدسة، كما ارتبط اسمه بتاريخ إرسال كسوة الكعبة المشرفة من مصر إلى الحرم المكي، وهو ما منح المدينة أهمية دينية وتجارية كبيرة على مدار فترة تاريخية مهمة.

وقال الأثرى محمد أبو الوفا  إن بداية مرور كسوة الكعبة من مدينة القصير عبر مينائها ارتبطت بالفترة التي أعقبت اندلاع الحروب الصليبية في بلاد الشام، والتي تسببت في إغلاق الطريق البري بين مصر وبلاد الحجاز، الأمر الذي دفع إلى الاعتماد بصورة أكبر على الطرق البحرية للوصول إلى الأراضي المقدسة.

وأضاف أن توقف الطريق البري بين مصر وبلاد الحجاز أثر بشكل مباشر على حركة الحجاج، فبدأت الرحلات البحرية تأخذ أهمية أكبر، حيث كان الحجاج يتحركون من القاهرة عبر نهر النيل حتى مدينة قوص بمحافظة قنا، ثم يستكملون الرحلة برا باستخدام الجمال حتى الوصول إلى ميناء عيذاب، الذي كان في ذلك الوقت من أقدم الموانئ البحرية على ساحل البحر الأحمر.

 

من قوص إلى البحر

وأوضح أن حركة الحجاج تطورت بعد ذلك، وأصبح السفر من ميناء القصير أحد المسارات البحرية المهمة، ومن خلاله كانت ترسل كسوة الكعبة إلى الحرم المكي، بالتزامن مع رحلات حجاج بيت الله الحرام الذين كانوا يسلكون الطريق نفسه نحو الأراضي المقدسة.

ولم يقتصر دور ميناء القصير خلال تلك الفترة على نقل الحجاج وكسوة الكعبة، وإنما ارتبط كذلك بحركة واسعة من التجارة ونقل المؤن والمواد الغذائية، وهو ما ساهم في ازدهار المدينة وتحولها إلى مركز تجاري مهم على ساحل البحر الأحمر.

 

ازدهار المدينة

وأشار إلى أن الفترة التي كانت تشهد إرسال كسوة الكعبة من ميناء القصير شهدت أيضا حركة كبيرة للحجاج والتجار، الأمر الذي انعكس على النشاط الاقتصادي داخل المدينة، حتى أصبحت القصير توصف بأنها من أكبر المدن التجارية على ساحل البحر الأحمر خلال تلك الفترة، مستفيدة من موقعها البحري واتصالها بالطرق المؤدية إلى صعيد مصر والأراضي الحجازية.

وكانت الرحلات في ذلك الوقت مرتبطة كذلك بخدمة الحجاج وتوفير احتياجاتهم، خاصة في ظل وجود التكية المصرية في بلاد الحجاز، التي كانت تعتمد على ما يرسل من مصر من مؤن ومواد غذائية لخدمة حجاج بيت الله الحرام.

 

كسوة ومؤن

من حانبه قال وصفي تمير من ابناء القصير أن كسوة الكعبة كانت ترسل من مصر إلى الأراضي المقدسة عبر هذا الطريق، وكانت ترافقها مراكب محملة بالمؤن والغذاء، حيث كانت تحمل كل مركب نحو ألفين وخمسمائة أردب من القمح والعدس والفول والشعير والزبد، لتوفير الاحتياجات اللازمة وخدمة الحجاج.

وبذلك لم تكن رحلات الحج عبر البحر الأحمر مجرد حركة انتقال من مكان إلى آخر، وإنما كانت منظومة متكاملة تجمع بين الحج والتجارة ونقل المؤن وكسوة الكعبة، وتربط بين المدن المصرية والموانئ البحرية وطرق الصعيد والأراضي الحجازية.

اكتشافات البعثة الأثرية
اكتشافات البعثة الأثرية

 

الاكتشافات الأثرية بعيذاب
الاكتشافات الأثرية بعيذاب

 

بقايا،عيذاب القديمة
بقايا،عيذاب القديمة

 

خزان مياه قديم بميناء عيذاب
خزان مياه قديم بميناء عيذاب

 

رسومات وتابعت قديمة تدل على مكان وجود  عيذاب
رسومات وتابعت قديمة تدل على مكان وجود عيذاب

 

صورة قديمة لمرور كسوة الكعبة بمدينة القصير
صورة قديمة لمرور كسوة الكعبة بمدينة القصير

 

ميناء القصير القديم
ميناء القصير القديم

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة