من قال إن الموتى ماتوا؟
هذا هو السؤال الذي يضعه الشاعر الكبير الأستاذ أحمد الشهاوي في قلب كتابه الشعري الجديد «يمشون في السماء» الصادر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية العريقة، في هذا الكتاب يستدعي الشهاوي عشرين شخصية من التاريخ العربي والإسلامي ممن واجهوا السلطة أو دفعوا ثمن الكلمة والفكر والاختلاف، عشرون مصيرًا إنسانيًا تلتقي عند لحظة واحدة حين يجد الإنسان نفسه أمام الاختيار بين سلامته وضميره.
لكن «يمشون في السماء» ليس كتابًا عن الموتى بقدر ما هو كتاب عن الذين فشل الموت في إسكاتهم. لا يعيد أحمد الشهاوي كتابة سيرهم ولا يرثيهم بوصفهم ضحايا انتهت حكاياتهم وإنما يفتح لهم باب القصيدة كي يعودوا إلى حاضرنا أصواتًا وأسئلة لا أشباحًا.
وهنا تبدأ مغامرة الكتاب الحقيقية. فالشهاوي لا ينظر إلى التاريخ من خلف زجاج المتحف ولا يتعامل مع شخصياته باعتبارها أسماء محفوظة في كتب التراث. إنه يقترب منها كأنها بشر ما زالوا يعيشون في مكان ما من ذاكرتنا. يستمع إليهم ويحاورهم ويعيد تخيل اللحظة التي وقف فيها كل واحد منهم أمام قدره.
وهذه ليست عودة إلى الماضي من أجل الماضي. إنها عودة إلى اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مضطرًا إلى أن يختار. أن يختار بين ما يريده الآخرون منه وما يراه هو حقًا. بين الصمت والكلمة. بين النجاة والكرامة. بين أن يعيش كما يريد له الآخرون وأن يعيش كما يريد هو لنفسه.
من هنا يصبح التاريخ في «يمشون في السماء» أقل شبهًا بسجل للأحداث وأكثر شبهًا بمرآة كبيرة. نحن لا نقرأ عن أناس عاشوا قبلنا فقط وإنما نرى أنفسنا فيهم. نرى خوفنا في خوفهم وتمردنا في تمردهم وضعفنا في ضعفهم وحيرتنا في حيرتهم.
والشعر هنا لا يأتي ليزين التاريخ. يأتي ليشكك في الصورة التي استقرت عنه.
فالتاريخ غالبًا ما يكتبه من بقي واقفًا في نهاية المعركة. أما الشعر فيذهب إلى الذين سقطوا في الطريق ويسألهم عما لم نستمع إليه.
وهذه واحدة من أجمل مناطق الكتاب. أحمد الشهاوي لا يحاول أن ينتصر لشخصياته انتصارًا أيديولوجيًا سهلًا ولا يقدمها في صورة قديسين لا يخطئون. إنه يبحث عن الإنسان داخل الشخصية التاريخية. وهذا الإنسان أكثر تعقيدًا من كل الأحكام التي جاءت بعده.
فليس كل من مات كان بطلًا. وليس كل من عاش كان جبانًا. وليس كل من اختلف مع السلطة كان على حق في كل شيء. لكن هناك لحظات يصبح فيها الاختلاف نفسه فعلًا إنسانيًا يستحق التأمل. لحظات يتجاوز فيها الإنسان حسابات المصلحة الشخصية ويدخل منطقة أخرى لا يعرف فيها ماذا سيحدث له بعد أن يقول كلمته.
وهنا تكمن قسوة الكتاب وجماله معًا.
إنه يسألنا عن ثمن الكلمة.
والكلمة في تاريخنا لم تكن دائمًا بريئة أو آمنة. كانت أحيانًا طريقًا إلى المجد وكانت أحيانًا طريقًا إلى السجن والمنفى والموت. ومع ذلك ظل الشعراء والمفكرون والفقهاء والمتصوفة يكتبون ويتكلمون ويختلفون ويجادلون.
كانوا يعرفون أن للكلمة ثمنًا.
لكنهم لم يعرفوا دائمًا أن الصمت له ثمن أكبر.
وهذه الفكرة تمتد من صفحات الكتاب إلى حياتنا المعاصرة دون حاجة إلى أن يقولها الشاعر بصورة مباشرة. فالسلطة تتغير أشكالها والوسائل تتغير والقرون تتبدل لكن السؤال الإنساني يبقى قريبًا من نفسه. ماذا يفعل الإنسان عندما تصبح الحقيقة التي يراها في داخله مختلفة عن الحقيقة التي يريد الآخرون أن يروها؟
هنا يبدأ الخطر الحقيقي.
فالسلطة لا تخاف دائمًا من السيف. أحيانًا تخاف من سؤال صغير.
السيف يستطيع أن يقتل رجلًا أما السؤال فيستطيع أن ينتقل من عقل إلى عقل. ولهذا كانت الأفكار في التاريخ أكثر عنادًا من أصحابها.
يمكن أن يموت صاحب الفكرة لكن الفكرة قد تبدأ حياتها الحقيقية بعد موته.
وهذه هي المسافة التي يقطعها أحمد الشهاوي في «يمشون في السماء». إنه لا يريد أن يقول إن هؤلاء ماتوا وانتهوا وإنما يريد أن يختبر الفكرة التي بقيت منهم بعد غيابهم.
ماذا يبقى من الإنسان؟
هذا السؤال يبدو بسيطًا لكنه من أصعب أسئلة الوجود.
هل يبقى الجسد؟ لا.
هل تبقى السلطة؟ غالبًا لا.
هل يبقى المال؟ أقل مما نتصور.
هل تبقى الصورة؟ حتى الصور تبهت.
لكن قد تبقى كلمة واحدة.
وقد يبقى سؤال.
وقد يبقى بيت شعر.
وقد يبقى موقف.
وقد يعيش ذلك كله قرونًا بعد أن يصبح صاحبه مجرد اسم في كتاب.
وهنا يتخذ عنوان «يمشون في السماء» دلالته العميقة. فالسماء ليست مجرد مكان بعيد عن الأرض وإنما فضاء الذاكرة واللغة والخيال. الذين انتهى مشيهم على الأرض لم يتوقفوا عن الحركة. انتقلوا إلى مكان آخر لا تصل إليه يد الموت بسهولة.
انتقلوا إلى القصيدة.
والقصيدة عند أحمد الشهاوي ليست قبرًا جديدًا لهم وإنما نافذة.
وهذا فارق مهم.
فالقبر يغلق على الميت بينما القصيدة تفتح له طريقًا إلى الأحياء.
وحين يكتب الشاعر عن شخصيات من التراث فإنه لا يعيدها كما كانت. إنه يعيد اكتشافها من خلال حساسيته الشعرية. ولذلك فإننا لا نقرأ في «يمشون في السماء» تاريخًا بالمعنى التقليدي وإنما نقرأ أثر التاريخ في روح شاعر معاصر.
وهذا ما يمنح الكتاب خصوصيته.
إنه حوار بين أحمد الشهاوي وبين أشخاص لم يعاصرهم لكنه وجد في مصائرهم شيئًا يخصه ويخصنا جميعًا.
وهنا تظهر قدرة الشعر على عبور الزمن.
فالشاعر يستطيع أن يمد يده عبر ألف عام ويصافح يدًا لم تعد موجودة.
يستطيع أن يسمع صوتًا انقطع ثم يعيده إلى أذن قارئ لم يولد إلا بعد قرون.
هذه ليست لعبة أدبية.
هذه واحدة من معجزات الكتابة.
أن تجعل الغائب حاضرًا دون أن تدعي أنك أعدته إلى الحياة.
أن تجعل القارئ يشعر أن المسافة بينه وبين إنسان عاش قبل مئات السنين ليست كبيرة كما كان يتصور.
وهذا ما يفعله الشهاوي.
إنه يزيل طبقة الزمن عن الشخصيات ويترك لنا وجوهها الإنسانية.
نراها وهي تخاف.
وهي تتردد.
وهي تحلم.
وهي تخطئ.
وهي تدفع الثمن.
وفجأة لا يعود السؤال ماذا حدث لهم؟
بل ماذا كان يمكن أن نفعل لو كنا مكانهم؟
وهذا السؤال أكثر خطورة.
لأن قراءة التاريخ من بعيد سهلة.
لكن تخيل نفسك داخله ليس سهلًا.
أن تتخيل نفسك واقفًا في اللحظة التي كان يجب فيها أن تختار.
أن تعرف أن كلمة واحدة قد تغير حياتك.
أن تعرف أن صمتك قد ينقذك اليوم لكنه قد يؤلمك غدًا.
وأن تعرف أن الشجاعة ليست دائمًا غياب الخوف وإنما القدرة على الحركة رغم وجوده.
لهذا فإن «يمشون في السماء» كتاب عن الحرية بقدر ما هو كتاب عن الشعر.
والحرية فيه ليست شعارًا سياسيًا مباشرًا وإنما تجربة داخلية تبدأ من حق الإنسان في أن يمتلك صوته.
أن يقول ما يعتقده.
أن يختلف.
أن يشك.
أن يسأل.
أن يرفض أن يتحول عقله إلى نسخة من عقول الآخرين.
وهذا يجعل الكتاب يتجاوز حدود التراث العربي والإسلامي إلى سؤال إنساني أوسع. فالحلاج يمكن أن يجلس في المساحة نفسها التي يجلس فيها سقراط. والسهروردي يمكن أن يجد صدى له في مصائر فلاسفة ومفكرين دفعوا ثمن أفكارهم في عصور أخرى. وابن المقفع يستطيع أن يدخل الحوار الطويل الذي لم يتوقف يومًا بين الكاتب والسلطة.
ليس لأن هؤلاء متشابهون.
بل لأن الإنسان في جوهره يكرر أسئلته القديمة بأشكال جديدة.
يتغير العالم وتبقى الحيرة.
تتغير أدوات السلطة ويبقى الخوف.
تتغير المدن وتبقى حاجة الإنسان إلى أن يسمع صوته الخاص.
ومن هنا يصبح الكتاب معنيًا بالحاضر أكثر مما يبدو لأول وهلة.
فحين نقرأ هؤلاء الذين عبروا من الموت إلى الذاكرة نسأل أنفسنا عن موقع الكلمة في زمننا وعن معنى الاختلاف وعن حدود الخوف وعن قدرتنا على أن نعيش وفق ما نؤمن به لا وفق ما يطلبه منا الآخرون.
وهذا هو المكان الذي تصبح فيه تجربة أحمد الشهاوي أكثر نضجًا.
فهو لا يستخدم التاريخ ليهرب من الحاضر وإنما يستخدمه لكي يراه بوضوح أكبر.
ولا يستدعي الموتى لكي يدفنهم مرة أخرى في اللغة وإنما لكي يمنحهم فرصة للكلام.
وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق للكتابة نفسها.
أن تفتح بابًا لمن أغلق الزمن أبوابه في وجهه.
أن تقول للغائب إن غيابك لم يكن كاملًا.
وأن تقول للقارئ إن ما تظنه ماضيًا ربما لا يزال يعيش تحت جلد الحاضر.
وأن تقول للشاعر إن القصيدة لا تستطيع أن تمنع الموت لكنها تستطيع أن تؤجل النسيان.
وصدور «يمشون في السماء» عن الدار المصرية اللبنانية العريقة يمنح هذه المغامرة الشعرية إطارًا يليق بها. فالدار التي ارتبط اسمها عبر عقود بالنشر الثقافي والأدبي الجاد ليست مجرد محطة في رحلة الكتاب إلى القارئ وإنما جزء من المشهد الذي يمنح الكتاب حضوره ويضعه في سياق الحياة الثقافية العربية.
أما أحمد الشهاوي فهو هنا لا يكتب من موقع شاعر يريد أن يضيف عنوانًا جديدًا إلى قائمة كتبه. إنه يكتب من موقع شاعر يعرف أن الشعر مسؤولية تجاه اللغة والإنسان والذاكرة.
وربما لهذا اختار أن يذهب إلى هؤلاء الذين لم تكن حياتهم سهلة.
إلى المناطق التي لا يوجد فيها انتصار كامل.
ولا هزيمة كاملة.
ولا أبطال من نور.
ولا أشرار من ظلام.
هناك فقط بشر.
وهذا هو ما يجعل الكتاب إنسانيًا.
فالموت في النهاية يسوي كثيرًا من الفوارق التي نصنعها ونحن أحياء. المناصب تسقط والألقاب تتلاشى والخصومات التي كانت تبدو عظيمة تصبح هامشًا صغيرًا في كتاب التاريخ.
لكن ما قاله الإنسان في لحظة صدق قد يبقى.
وما كتبه قد يجد قارئًا بعد قرون.
وما دافع عنه قد يصبح سؤالًا جديدًا عند شخص لم يعرفه قط.
ربما لهذا لا يغلق «يمشون في السماء» أبوابه حين تنتهي صفحاته. بعض الكتب تنتهي عند آخر سطر فيها وبعضها يترك القارئ واقفًا قليلًا عند العتبة كأنه سمع صوتًا يأتي من مكان بعيد.
وهكذا يفعل أحمد الشهاوي.
يعيد الذين غابوا إلى مساحة لا يملك فيها أحد الكلمة الأخيرة ويتركهم يعبرون من التاريخ إلى القصيدة ومن القصيدة إلى الذاكرة.
وربما كانت تلك هي السماء التي اختارها الشاعر عنوانًا لكتابه.
مكانًا لا تصل إليه يد النسيان.