في قلب العاصمة الفرنسية، حيث تتنافس كبرى دور الأزياء العالمية على جذب الأنظار، ظهرت جنوب أفريقيا الاتنين بصورة مختلفة، ليس عبر السياسة أو الرياضة، وإنما من خلال الأزياء والثقافة والهوية.

فقد قدمت علامة ماكسهوسا أفريقيا (Maxhosa Africa)، بقيادة المصمم الجنوب أفريقي لادوما نغكسوكولو، عرضًا كاملًا ضمن الجدول الرسمي لأسبوع باريس للموضة لموسم ربيع وصيف 2027، لتصبح أول علامة أزياء جنوب أفريقية تقدم عرض أزياء كاملًا على الجدول الرسمي للحدث.
العرض لم يكن مجرد تقديم لمجموعة جديدة، وإنما جاء محملًا برسالة ثقافية واقتصادية حول قدرة المصممين الأفارقة على الوصول إلى منصات الموضة العالمية، مع الحفاظ على جذورهم المحلية.
وركز نغكسوكولو على فكرة الوحدة الأفريقية، مستلهمًا من تراث بلاده وأنماط الحرف التقليدية، بينما جرى إنتاج الملابس في جنوب أفريقيا باستخدام خامات محلية، في محاولة لربط الحضور العالمي للعلامة بالصناعة المحلية.
16 عامًا من السعي للوصول إلى منصة باريس
قال نغكسوكولو، عقب العرض الذي أقيم في قاعات مقر إقامة سفير جنوب أفريقيا لدى فرنسا، إنه ظل يحاول الوصول إلى هذه المنصة على مدى 16 عامًا، معتبرًا أن الحضور الأفريقي لا يزال أقل من المستوى الذي يستحقه في صناعة الموضة العالمية.
وأوضح المصمم أن هدفه لم يكن تقديم الأزياء فقط، وإنما إظهار صورة مختلفة لجنوب أفريقيا والقارة، تقوم على التنوع والجمال والقدرة الاقتصادية والإنتاجية.
وقال للصحفيين، وفقًا لرويترز، إنه يريد إبراز أفريقيا التي يمكن أن "يزدهر فيها الاقتصاد" وتنخفض فيها معدلات الجريمة والفساد السياسي، مؤكدًا أن هذه الصورة هي التي تسعى العلامة إلى تقديمها.
ويأتي العرض ضمن أسبوع باريس للموضة لموسم ربيع وصيف 2027، الذي تنظمه Fédération de la Haute Couture et de la Mode خلال الفترة من 28 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026. وأدرج الاتحاد الفرنسي رسميًا عرض ماكسهوسا في جدول 28 سبتمبر الساعة الخامسة مساءً.

بان أفريكان على منصة الأزياء الفرنسية
حملت المجموعة الجديدة عنوانًا يعكس توجه العلامة نحو الهوية الأفريقية، وظهرت خلالها تصاميم مستوحاة من فكرة الوحدة والتنوع القاري.
ومن أبرز العناصر التي ظهرت على الملابس أسماء دول أفريقية متعددة في تصميمات محبوكة متعددة الألوان، بينما استندت بعض الأنماط الهندسية إلى فنون الخرز التقليدية لشعب الخوسا في جنوب أفريقيا.
وشملت المجموعة ملابس نسائية ذات ألوان وأنماط هندسية بارزة، من بينها قمصان قصيرة محبوكة مع تنانير متوسطة الطول، إلى جانب أطقم من التنانير ذات الثنيات والقمصان ذات الأشكال الهندسية.
أما مجموعة الرجال فتراوحت بين الأزياء الرسمية، ومنها بدلة زرقاء وحمراء مزدوجة الصدر ذات تصميم هندسي، وأزياء أكثر قربًا من ملابس الشارع، مثل السراويل القصيرة الواسعة وقمصان البولو ذات الأنماط الماسية.
واستُخدمت أيضًا إكسسوارات من تصميم الفنان الكيني سايروس كابيرو، الذي يصنع نظارات من مخلفات ومواد معاد استخدامها، بينما رافقت موسيقى الفنان الجنوب أفريقي والرابر Sjava العرض.
من تراث الخوسا إلى الموضة العالمية

ترتبط هوية Maxhosa Africa بصورة وثيقة بتراث شعب الخوسا، الذي ينتمي إليه المصمم لادوما نغكسوكولو.
ووفق الاتحاد الفرنسي للأزياء، تأسست العلامة عام 2010، وترتكز فلسفتها على القيم الفنية والحرفية المرتبطة بثقافة الخوسا، إلى جانب الاستفادة من عناصر جمالية تنتمي إلى ثقافات أفريقية مختلفة.
وتشير البيانات الرسمية للاتحاد إلى أن العلامة لا تتعامل مع التراث باعتباره عنصرًا ثابتًا، وإنما تعيد صياغة الرموز التقليدية في تصميمات معاصرة تجمع بين الحرف اليدوية والتقنيات الحديثة.
وكانت مجموعات أزياء ماكسهوسا السابقة قد وسعت نطاق الإلهام خارج ثقافة الخوسا، لتشمل عناصر من ثقافات جنوب أفريقية أخرى، بينها الزولو والبيدي والتسونغا والسوازي، في توجه يربط بين التراث المحلي والهوية الأفريقية الأوسع.
التصنيع داخل جنوب أفريقيا.. الأزياء كصناعة لا كعرض فقط
أحد الجوانب الرئيسية في تجربة ماكسهوسا أفريكا هو ارتباط التصميم بالإنتاج المحلي.
وبحسب رويترز، تُنتج ملابس العلامة في مصنعين للحياكة تمتلكهما في جوهانسبرج ومدينة إيست لندن في إقليم الكيب الشرقي، بينما يأتي الصوف المستخدم في الملابس المحبوكة من المنطقة نفسها.
ويقول نغكسوكولو إن هدفه يتجاوز بناء علامة أزياء عالمية، ليشمل دعم صناعة المنسوجات في جنوب أفريقيا وإثبات قدرة البلاد على إنتاج سلع فاخرة ذات جودة عالية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ظل توجه حكومي أوسع لدعم صناعة الملابس والمنسوجات والأحذية والجلود في البلاد.
وتشير منصة InvestSA الحكومية إلى أن قطاع الملابس والمنسوجات والأحذية والجلود يضم نحو 4500 مصنع، ويسهم بنحو 2.5% من إنتاج قطاع التصنيع في جنوب أفريقيا، كما تصف الصناعة بأنها من القطاعات كثيفة العمالة.
الحكومة تراهن على توطين صناعة الملابس
لا تأتي تجربة ماكسهوسا بمعزل عن سياسة صناعية أوسع في جنوب أفريقيا.
وتعمل الحكومة من خلال خطة قطاع الملابس والمنسوجات والأحذية والجلود 2030 على زيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز المشتريات من المنتجين المحليين، ورفع القدرة التنافسية، وزيادة فرص العمل والصادرات.
وقالت وزارة التجارة والصناعة والمنافسة في جنوب أفريقيا في سبتمبر 2024 إن برنامج نمو قطاع الملابس والمنسوجات والأحذية والجلود، الذي أطلق عام 2022، ساهم في خلق أكثر من 20 ألف وظيفة، بينما تمت الموافقة على تمويل بقيمة أكثر من 1.87 مليار راند لـ154 شركة كانت توظف قرابة 24 ألف شخص حتى يوليو 2024.
كما تستهدف خطة القطاع الوصول إلى 330 ألف وظيفة، وزيادة حصة المنتجات المحلية في مشتريات قطاع التجزئة من 45% إلى 65%، وفق تصريحات مسؤولين بوزارة التجارة والصناعة والمنافسة.وبذلك، يتقاطع ما تفعله ماكسهوسا مع مسار اقتصادي أكبر يسعى إلى تحويل التصنيع المحلي من مجرد حماية للسوق الداخلية إلى قاعدة يمكن من خلالها تطوير علامات جنوب أفريقية قادرة على المنافسة خارج البلاد.
الكيب الشرقي.. عودة الصناعة إلى مسقط رأس المصمم
يحمل ارتباط "ماكسهوسا" بإقليم الكيب الشرقي بعدًا إضافيًا، إذ يمثل الإقليم مسقط رأس نغكسوكولو، كما يستضيف جزءًا من عمليات إنتاج العلامة.
وفي فبراير 2026، قالت حكومة إقليم الكيب الشرقي إن شركة ماكس هوسا كانت من المستثمرين الذين يستعدون للدخول إلى منطقة إيست لندن للتنمية الصناعية، باستثمار بملايين الراندات، مع إمكانات تتعلق بإضافة القيمة وخلق فرص العمل.
ويعني ذلك أن توسع العلامة عالميًا لا ينفصل عن محاولات تعزيز قاعدتها الإنتاجية داخل جنوب أفريقيا، خصوصًا في المناطق التي تمتلك تقاليد صناعية وحرفية مرتبطة بالنسيج.
وتكشف الرحلة التى خاضتها علامة ماكسهوسا، عن انتقال العلامة تدريجيًا من مشروع متخصص في الملابس المحبوكة ذات الطابع الثقافي إلى دار أزياء تسعى لبناء حضور دولي أوسع.
محاولة لجمع مصممي أفريقيا في باريس
كان نغكسوكولو يخطط لأن يصطحب معه مصممين أفارقة آخرين إلى باريس، لكنه قال إن الموارد المتاحة لم تكن كافية لتنفيذ الفكرة.
وتكشف هذه النقطة عن أحد التحديات التي تواجه المصممين الأفارقة عند محاولة الانتقال من الحضور الفردي إلى بناء تمثيل جماعي للقارة داخل أسابيع الموضة الكبرى.
فالوجود في باريس لا يتطلب التصميم فقط، وإنما يحتاج إلى تمويل للإنتاج والعروض والعلاقات التجارية والتسويق والنقل والقدرة على تلبية الطلبات الدولية.
ومن ثم، فإن مشاركة Maxhosa تمثل حضورًا لعلامة جنوب أفريقية في حدث عالمي، لكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على الفجوة بين زيادة الاهتمام العالمي بالتصميم الأفريقي وبين الموارد التي يحتاجها المصممون الأفارقة لبناء حضور مستدام.
صناعة عالمية تمر بمرحلة صعبة
ويأتي الظهور الأفريقي في باريس في وقت تواجه فيه صناعة الأزياء الفاخرة العالمية ضغوطًا اقتصادية.
وقالت رويترز في تقرير حديث إن علامات الأزياء الفاخرة تكثف عروضها في ميلانو وباريس وسط تباطؤ في القطاع، وتراجع إنفاق بعض المستهلكين من الطبقة الوسطى على السلع الفاخرة، في وقت تواجه فيه شركات كبرى ضغوطًا مرتبطة بالأسعار والتكاليف والطلب.
وفي هذا السياق، تتنافس العلامات الجديدة والقديمة على جذب المستهلكين، فيما يمكن للهوية الثقافية والحرفية المحلية أن تصبح إحدى الأدوات التي تستخدمها العلامات المستقلة للتميز في سوق مزدحم.
أفريقيا تدخل المشهد من بوابة الهوية
وتشير تجربة Maxhosa إلى مسار مختلف في علاقة الموضة الأفريقية بالسوق العالمية؛ فبدل محاولة تقليد القوالب الأوروبية، يقوم المشروع على تقديم عناصر محلية، من الخوسا والحرف التقليدية إلى الألوان والأنماط الأفريقية، داخل قالب من الأزياء المعاصرة.
وكان نغكسوكولو قد قال في تصريحات سابقة، نقلتها Vogue، إن هدفه ليس جعل الثقافة الأفريقية أكثر قابلية للقراءة بالنسبة إلى الجمهور الأوروبي، وإنما تقديم الثقافة الأفريقية بوصفها مساهمًا أصيلًا في الحوار الثقافي العالمي.
وفي عرض 28 سبتمبر، اتخذت هذه الفكرة شكلًا أكثر وضوحًا؛ أسماء دول أفريقية على الملابس، وأنماط مستوحاة من الخوسا، وفنان كيني في الإكسسوارات، وموسيقي جنوب أفريقي في الخلفية، بينما جاءت عملية الإنتاج نفسها من مصانع داخل جنوب أفريقيا.