سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 28 سبتمبر 1970.. أم كلثوم تنهار فى موسكو فور إبلاغها بخبر وفاة جمال عبدالناصر وتلغى حفلاتها المقررة لصالح المجهود الحربى بجمهوريات الاتحاد السوفيتى

الإثنين، 28 سبتمبر 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 28 سبتمبر 1970.. أم كلثوم تنهار فى موسكو فور إبلاغها بخبر وفاة جمال عبدالناصر وتلغى حفلاتها المقررة لصالح المجهود الحربى بجمهوريات الاتحاد السوفيتى سيدة الغناء العربى «أم كلثوم

انصرفت سيدة الغناء العربى «أم كلثوم» إلى الفندق فى موسكو مساء 28 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1970، بعد حفل عشاء أقامه لها السفير وفاء حجازى، الوزير المفوض بالسفارة المصرية، ومساعد وزير الخارجية فيما بعد، كان يشارك فى حفل العشاء أعضاء فرقتها والإعلاميون المصريون المرافقون لها منذ يوم 25 سبتمبر 1970، لتقديم حفلات فى الاتحاد السوفيتى لصالح المجهود الحربى.


يصف «حجازى» الحالة التى كانوا عليها، قائلا: «كنا فى انشراح وسعادة بوجود أم كلثوم بيننا، حتى تبدل الحال تماما»، ويتذكر فى شهادته لى والمنشورة فى كتابى «أم كلثوم وحكام مصر»: «بقينا بعد انصراف أم كلثوم، واستغرقتنا المناقشات، دق جرس التليفون، رفعت السماعة، ارتبكت، ضاع لون وجهى، هرب صوتى، ثم خرج خفيضا: «جمال عبدالناصر مات»، انفجرنا فى بكاء هستيرى، انكفأت المذيعتان سامية صادق، وأمانى ناشد على الأرض، وفشلت فى مقاومة دموعى، شعرت بألم موجع فيه لسعة نفسية لا يمكن وصفها ولم تفارقنى أبدا، ما زلت أشعر بها الآن وأنا أحدثك»، يضيف «حجازى»: «كل شىء كان مقبضا على النفس والدموع قليلة عليه، وكانت هناك مهمة ثقيلة وهى كيف يتم إبلاغ أم كلثوم بالخبر الحزين؟».


كان الكاتب الصحفى بجريدة الجمهورية، محمد الحيوان، ضمن الوفد الإعلامى المرافق لـ«أم كلثوم»، ويذكر فى شهادته: «كنا نعرف جميعا العلاقة بين عبدالناصر وأم كلثوم، ونعرف أن عبدالناصر كرمها، وأنها قدمت خير أيامها، فكرنا فيمن يستطيع أن ينقل النبأ إليها، عجز الجميع وتهربوا، لكن فى الصباح دخل المهندس محمد الدسوقى «ابن شقيقتها» عليها، كان وجهه غريبا عليها، وجه قاتم، سألته أم كلثوم: ماذا بك؟ تمسك بنفسه، وقال: بعض آلام المعدة جعلتنى أسهر الليل، ثم خرج من غرفتها إلى غرفته المجاورة ليكمل بكاءه».


يضيف «الحيوان»: «دخل عليها رفعت الدسوقى «ابن شقيقتها الثانى»، قال لها: الريس مريض، وسكت، ثم أضاف: مرضه خطير، وسكت، وظل لمدة نصف الساعة، وفى كل مرة تزيد لهفة أم كلثوم لمعرفة الباقى، تحس إحساسا لا تريد أن تصدقه، تبعد عن خيالها كل محاولة يتسرب من خلالها إليها شىء لا تتصوره، وأخيرا قال رفعت ما يعرفه».


عرفت الخبر، فذهبت إلى بكاء يدعو إلى البكاء، حسبما يؤكد «حجازى» متذكرا: «لزمت مقعدها فى الصالون الملحق بغرفتها 48 ساعة متواصلة، تتساقط دموعها تحت نظارتها السوداء ،لا تأكل، ولا تقول شيئا، صامتة طول الوقت، ومحاولات الكلام معها لا تنقطع لكنها لا ترد»، يقول «الحيوان»: «ذهبت أنا وسامية صادق لتعزيتها، وعجزت عن الكلام أمامها، وعجزت سامية عن التصرف، وتركناها لأحزانها وانصرفنا».


فتحت السفارة المصرية فى موسكو أبوابها لتلقى العزاء، يتذكر حجازى:«ظلت أم كلثوم حبيسة غرفتها حتى يوم الجنازة 1 أكتوبر 1970، كنت أتردد عليها بين الحين والآخر، رأيتها نصفين، نصف مات فور تلقيه الخبر، ونصف يعيش للبكاء فقط، فى كل مرة أصعد فيها حجرتها لم يكن يجمعنا كلام سوى، صباح الخير، السلام عليكم، هى لم تكن تعطى فرصة الكلام لأحد، ويهيأ لى أنه إذا لم يكن الإنسان فى هذا الوقت سيبكى فراق عبدالناصر، كان سيبكى حال أم كلثوم».


يكشف الدكتور مراد غالب، سفير مصر بموسكو، فى مذكراته «مع عبدالناصر والسادات»: «بكت أم كلثوم بكاء حارا، وسيطر عليها الحزن بصورة واضحة وحادة، وصلينا جميعا على روح عبدالناصر فى جامع موسكو، وصلت معنا أم كلثوم»، يذكر «حجازى»، أن السفارة أقامت عزاء فى نفس اليوم، وذهب لإحضارها من الفندق، يتذكر: «رأيتها تنزل بخطى متثاقلة على درجات السلم، تستند على ابن أختها محمد الدسوقى، بدت وكأن عمرا جديدا أضيف إلى عمرها، وحين شاهدت مراد غالب ألقت بوجهها على صدره باكية بحرقة فبكى هو الآخر، أدينا صلاة الغائب، أقتربت منها، قالت لى: «بقينا يتامى يا وفاء، نفسى أقرأ قرآن فى العزا، لكن خلاص صوتى بقى مش معايا».


عادت أم كلثوم من موسكو يوم 2 أكتوبر 1970، ويذكر الكاتب الصحفى عادل حمودة فى حلقات «الحب والحرب- الخطابات المتبادلة بين جمال عبدالناصر وقرينته تحية كاظم»، المنشورة بجريدة «البيان- الإمارات- سبتمبر ونوفمبر 2004»: «طلبت أم كلثوم نادية ابنة شقيق السيدة تحية فى التليفون لتصحبها لتعزية تحية، فهى على حد قولها: «لا تستطيع وحدها أن تحتمل مواجهتها وهى فى هذه الظروف»، ويضيف «حمودة»: «كان المشهد بين الصديقتين لا ينسى، كانت أم كلثوم تعانقها وهى تبكى جمال عبدالناصر، وكأنها تبكى فقد ابنها، بقيت تحية هى التى تزورها بانتظام، وعندما سافرت أم كلثوم للعلاج من متاعب الكلى كانت تحية تتابعها دون توقف، وعندما دعاها الله ولبت النداء «4 فبراير 1974»، كانت تحية هى التى تتلقى فيها العزاء دون أن تمسك دموعها، وكان أهل أم كلثوم وأقاربها هم الذين يواسونها، لقد راح الموت يأخذ منها أكثر الناس قربا لها».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة