لم يكن الجندى الفرنسى الذى شارك فى أعمال التحصين قرب مدينة رشيد فى صيف عام 1799 يعرف أن الحجر الذى ظهر أمام القوات الفرنسية سيصبح بعد سنوات واحدًا من أشهر الآثار فى العالم، وأن النقوش التى يحملها ستفتح الطريق أمام قراءة تاريخ مصر القديمة من كلمات أصحاب الحضارة أنفسهم، بعدما ظلت الكتابة المصرية القديمة عصية على الفهم قرونًا طويلة.
وبعد أكثر من عشرين عامًا على العثور على الحجر، جاء يوم 27 سبتمبر من عام 1822 ليصبح التاريخ الفاصل فى هذه القصة، عندما قُرئت فى باريس رسالة العالم الفرنسى جان فرانسوا شامبليون التى عرض فيها النتائج التى توصل إليها بشأن القيم الصوتية للعلامات الهيروغليفية، وهو الحدث الذى يعتبره المتحف البريطانى اللحظة الحاسمة فى فك رموز الكتابة المصرية القديمة.
واليوم، وبعد 204 أعوام، لا تبدو قصة حجر رشيد مجرد حكاية عن قطعة أثرية شهيرة، وإنما قصة بدأت بمرسوم ملكى قبل أكثر من ألفى عام، ثم اكتشاف عسكرى بالمصادفة، ثم منافسة علمية طويلة، وانتهت بفتح واحدة من أكبر النوافذ التى عرفها العالم على الحضارة المصرية القديمة.
مرسوم بطليموس الخامس.. البداية قبل أكثر من ألفى عام
صُنع حجر رشيد سنة 196 قبل الميلاد فى عهد الملك بطليموس الخامس، ولم يكن فى الأصل حجرًا منفردًا أُعد لغرض استثنائى، وإنما جزءًا من لوحة تحمل مرسومًا أصدره مجلس من الكهنة بشأن الملك بطليموس الخامس.
وحُفر المرسوم فى ثلاثة أقسام كتابية: الهيروغليفية فى الأعلى، والديموطيقية فى الوسط، واليونانية القديمة فى الأسفل. وكانت هذه الحقيقة هى التى صنعت لاحقًا القيمة العلمية الاستثنائية للحجر؛ لأن الباحثين فى أوروبا كانوا قادرين على قراءة اليونانية، ومن ثم أصبح لديهم نص معروف يمكن مقارنته بالنصين المصريين.
والحجر الموجود حاليًا ليس اللوحة الأصلية كاملة، وإنما جزء منها، ويحمل الجزء الباقى 14 سطرًا بالهيروغليفية، و32 سطرًا بالديموطيقية، و53 سطرًا باليونانية القديمة، بحسب بيانات المتحف البريطانى.
وبذلك لم تكن أهمية الحجر فى مضمون المرسوم وحده، وإنما فى تكرار المضمون نفسه باستخدام نظم كتابة مختلفة، وهو الأمر الذى منح العلماء بعد نحو ألفى سنة فرصة نادرة للمقارنة.
عام 1799.. حجر يظهر فى تحصينات رشيد
انتقلت القصة إلى فصل جديد مع الحملة الفرنسية على مصر التى بدأت عام 1798، وضمت إلى جانب القوات العسكرية مجموعة كبيرة من العلماء والباحثين الذين عملوا على دراسة مصر وتسجيل آثارها وطبيعتها ومجتمعها.
وفى يوليو 1799، وأثناء أعمال لتقوية أحد الحصون قرب مدينة رشيد، عثرت القوات الفرنسية على الحجر. ويرتبط اكتشافه باسم الضابط الفرنسى بيير فرانسوا بوشار، الذى أدرك أهمية وجود الكتابات المختلفة على سطحه.
وسرعان ما نُقلت أخبار الاكتشاف وأُعدت نسخ من النقوش، وبدأ الحجر يجذب اهتمام العلماء، بعدما أدركوا أن وجود نص يونانى معروف إلى جوار كتابات مصرية غامضة قد يوفر المفتاح الذى ظل الباحثون يبحثون عنه.
لكن الحجر نفسه لم يبقَ فى حوزة الفرنسيين.
فبعد هزيمة القوات الفرنسية فى مصر سنة 1801، انتقل إلى البريطانيين ضمن الآثار التى آلت إليهم بموجب شروط استسلام الإسكندرية، ووصل إلى إنجلترا فى العام التالى، ثم عُرض فى المتحف البريطانى منذ عام 1802، وظل هناك منذ ذلك الوقت مع توقف قصير خلال الحرب العالمية الأولى عندما نُقل إلى مكان آمن خوفًا من قصف لندن.
لماذا عجز العالم عن قراءة الهيروغليفية؟
كانت المشكلة أكبر من مجرد عدم معرفة معنى عدد من العلامات، فمع توقف استخدام نظم الكتابة المصرية القديمة تدريجيًا فى أواخر العصور القديمة، اختفت القدرة على قراءتها، وظل الباحثون قرونًا ينظرون إلى الهيروغليفية فى كثير من الأحيان باعتبارها رموزًا تمثل أفكارًا وصورًا فقط، وليس نظامًا قادرًا أيضًا على تمثيل أصوات اللغة المنطوقة.
وهذا التصور كان واحدًا من الأسباب التى أخرت فك الكتابة، فالحقيقة التى ظهرت تدريجيًا أن النظام الهيروغليفى أكثر تركيبًا؛ بعض العلامات يمكن أن يحمل قيمة صوتية، وبعضها يدل على كلمة أو فكرة، وبعضها يساعد على تحديد المعنى، وهنا أصبحت الكتابة اليونانية على حجر رشيد مدخلًا بالغ الأهمية.
توماس يانج يقترب من الحل
فى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر دخل العالم الإنجليزى توماس يانج بقوة إلى ميدان البحث فى النصوص المصرية.
وأحرز يانج تقدمًا مهمًا فى دراسة الديموطيقية، وأدرك أن الكتابة المصرية لا تعتمد على الرموز الفكرية وحدها، وإنما تستخدم علامات صوتية أيضًا.
ومن أهم الخطوات التى توصل إليها إثبات أن عددًا من العلامات الموجودة داخل أحد الخراطيش الملكية يمثل أصوات اسم الملك «بطليموس».
ونشر يانج عام 1819 جانبًا من نتائجه، وكان بذلك قد وصل إلى جزء مهم من الطريق، لكنه ظل يعتقد أن الاستخدام الصوتى للعلامات ارتبط بدرجة كبيرة بكتابة أسماء الحكام الأجانب، خصوصًا اليونانيين والرومان.
وكانت الخطوة التالية هى التى ستغير الصورة.
شامبليون والقبطية.. الطريق إلى اللغة المصرية
ولد جان فرانسوا شامبليون عام 1790، وأظهر منذ سنواته المبكرة اهتمامًا واسعًا باللغات القديمة، وكانت معرفته باللغة القبطية عنصرًا أساسيًا فى طريقه إلى فهم اللغة المصرية القديمة.
فالقبطية ليست لغة منفصلة عن تاريخ اللغة المصرية، وإنما مرحلتها المتأخرة، ولذلك أدرك شامبليون أن الكلمات القبطية يمكن أن تساعده فى التعرف على أصوات بعض الكلمات المصرية الأقدم.
ومع دراسة أسماء الحكام المكتوبة داخل الخراطيش، ومقارنة أسماء مثل بطليموس وكليوباترا، استطاع شامبليون تطوير ما وصل إليه الباحثون قبله.
وكان الفارق الجوهرى أنه أدرك أن القيمة الصوتية للعلامات لم تكن مجرد وسيلة استخدمها المصريون لكتابة أسماء الحكام الأجانب، وإنما كانت جزءًا أصيلًا من نظام الكتابة المصرية نفسه.
وهنا اقتربت لحظة الحسم.
14 سبتمبر 1822.. «لقد توصلت إليها»
بحسب التسلسل الذى يورده المتحف البريطانى، وصل شامبليون فى 14 سبتمبر 1822 إلى مرحلة حاسمة فى أبحاثه، وتوجه إلى أخيه حاملًا ملاحظاته، وأعلن بحماس أنه توصل إلى الحل، وتحولت تلك الملاحظات إلى أساس رسالته الشهيرة الموجهة إلى بون جوزيف داسييه، والتى شرح فيها نتائجه بشأن قراءة العلامات الهيروغليفية المستخدمة فى كتابة الأسماء الملكية وطبيعتها الصوتية، وبعد أقل من أسبوعين جاءت اللحظة التى دخلت التاريخ.
27 سبتمبر 1822.. الإعلان الذى غيّر علم المصريات
فى 27 سبتمبر 1822 قُرئت رسالة شامبليون أمام أكاديمية النقوش والآداب فى باريس، ويعتبر المتحف البريطانى القراءة العلنية لهذه الرسالة لحظة فك شفرة الهيروغليفية، وهى اللحظة التى فتحت الطريق أمام دراسة النصوص المصرية القديمة على أسس جديدة، لكن من المهم هنا ضبط المعنى بدقة.
شامبليون لم يجلس فى ذلك اليوم ويترجم فجأة جميع النصوص الموجودة على المعابد والمقابر، ولم يصبح النظام الهيروغليفى كاملًا ومفهومًا فى ساعات قليلة.
ما حدث أنه توصل إلى المفتاح العلمى الذى أثبت طبيعة النظام الكتابى، ثم واصل أبحاثه بعد ذلك، وطوّر فهمه للهيروغليفية حتى وفاته عام 1832، بينما استكمل علماء آخرون العمل خلال العقود التالية.