مقصلة الإصلاح داخل الإخوان.. باحث يكشف لماذا تحارب الجماعة العقول المستقلة وتقدس السمع والطاعة..من رسالة البنا لغياب المراجعات قيادة تخشى النقد وكفاءات تقصى والجماعة تضع الولاء فوق الكفاءة والتنظيم قبل الوطن

الخميس، 29 أكتوبر 2026 02:00 م
مقصلة الإصلاح داخل الإخوان.. باحث يكشف لماذا تحارب الجماعة العقول المستقلة وتقدس السمع والطاعة..من رسالة البنا لغياب المراجعات قيادة تخشى النقد وكفاءات تقصى والجماعة تضع الولاء فوق الكفاءة والتنظيم قبل الوطن الاخوان الارهابية

كتبت: منة الله حمدى

لماذا ترفض جماعة الإخوان الإرهابية كل محاولة إصلاح داخلي؟ ولماذا تقابل أفكار التغيير بالسخرية والاستهجان بدلاً من النقاش؟ الإجابة التي يقدمها أحمد بان، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة لا تتعلق بغلبة أو انحراف عابر، بل ببنية تنظيمية صُممت منذ اللحظة الأولى لتكون "آلة طاعة" لا "مساحة حوار". فالإصلاح، في هذا الهيكل، ليس مجرد خيار مرفوض، بل هو "جريمة" تهدد الأساس الذي قام عليه التنظيم السمع والطاعة المطلقة، وتحويل الأعضاء إلى أدوات تنفيذ لا أصحاب رأي.

رسالة البنا .. تأسيس ثقافة الطاعة لا النقد

قال أحمد بان إن رسالة حسن البنا إلى الشباب وإلى الطلبة خاصة تمثل واحدة من أهم الوثائق المؤسسة لفلسفة الجماعة في استقطاب الأجيال الجديدة وإعادة تشكيل وعيها. وأضاف أن اختيار الطلبة لم يكن عشوائياً، بل جاء انطلاقاً من إدراك البنا لطبيعة هذه المرحلة العمرية التي تتسم بالحماس والرغبة في التغيير والبحث عن قضية كبرى، فضلاً عن امتلاك الطلاب وقتاً يسمح بالانخراط الكامل في النشاط التنظيمي .

وأوضح بان: أن البنا بدأ رسالته بخطاب عاطفي يستهدف رفع معنويات الشباب وإشعارهم بأنهم أصحاب الرسالة التاريخية القادرة على إنقاذ الأمة، مستخدماً الآيات القرآنية والرموز الدينية لإضفاء قداسة على المشروع التنظيمي، وهو ما أدى إلى خلق حالة من التماهي بين الانتماء للجماعة والانتماء للدين نفسه . وهنا تكمن المشكلة الجوهرية: إذا كان الانتماء للجماعة مرادفاً للانتماء للدين، فإن أي نقد داخلي لا يصبح مجرد خلاف إداري، بل يتحول إلى "مساس بالدين" نفسه.

عزل نفسي يسبق الرفض الفكري

وفي تفسيره لآلية رفض الإصلاح، أشار بان؛ إلى أن أخطر ما في خطاب البنا يتمثل في تكريس فكرة الفصل النفسي والفكري بين الشباب ومجتمعاتهم، من خلال تصوير المجتمع باعتباره قد ابتعد عن الإسلام الصحيح، بينما تحتكر الجماعة وحدها الفهم السليم للدين، الأمر الذي يرسخ شعوراً بالتفوق والتميز، ويدفع الأعضاء الجدد إلى النظر إلى المجتمع باعتباره بحاجة إلى إعادة تشكيل وفق رؤية الجماعة .

وأضاف أن هذا التصور لا يقتصر على الجانب الفكري، وإنما ينعكس على البناء التنظيمي، حيث يتحول الشاب تدريجياً من فرد مستقل إلى عنصر داخل تنظيم مغلق، يتلقى التعليمات ويخضع لمنظومة السمع والطاعة، وهو ما يمنح القيادة قدرة كبيرة على توجيه الأعضاء نحو الأهداف التي تحددها . وفي هذا السياق، فإن من يطرح فكرة الإصلاح لا يواجه فقط برفض فكري، بل يُنظر إليه كتهديد للتماسك التنظيمي نفسه، وكمن يجرؤ على "كسر" حلقة الطاعة التي تُبقي الجماعة متماسكة.

الشماتة و الفصل عن الوطن

وفي تحليله للسلوك الإخواني تجاه أي إنجاز وطني، أوضح بان؛ أن محاولات الجماعة لتشويه أي إنجاز مصري تعكس الانفصال عن الشعور الوطني، موضحاً أن الشماتة حالة نفسية سيطرت على التنظيم ضد أي نجاح يحسب للدولة . وأضاف أن هذه الحالة ليست سلوكاً عفوياً، بل هي انعكاس طبيعي لبنية فكرية وعقائدية وتاريخية لا تؤمن بمفهوم الدولة الوطنية . مشيرًا؛ إلى أن أدبيات الجماعة تاريخياً تضع "الرابطة التنظيمية" فوق "الرابطة الوطنية"، ومن ثم فإن أي إنجاز يرفع اسم مصر عالياً يُشعرهم بالاغتراب والرفض الهيكلي. وهذا المنطق نفسه هو ما يُطبق على الإصلاح الداخلي فكما أن النجاح الوطني لا قيمة له إذا لم يكن في خدمة التنظيم، فإن الفكرة الإصلاحية لا قيمة لها إذا لم تكن صادرة عن القيادة ومنسجمة مع "الرابطة التنظيمية" أولاً.

غياب المراجعة: الاعتراف بالأخطاء "محظور"

وذهب بان؛ إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن الحديث عن وجود مراجعات فكرية حقيقية داخل جماعة الإخوان لا يزال غير قائم، مشيراً إلى أن التنظيم لم يقدم منذ تأسيسه مراجعة جادة لأفكاره أو أدبياته أو ممارساته، رغم الإخفاقات التي واجهها على المستويين الدعوي والسياسي . وأضاف أن ما يثار أحياناً بشأن وجود مراجعات ينقسم إلى اتجاهين: قطاع أنهكته سنوات الصراع ويرغب في إنهاء المواجهة، وفصيل يسعى إلى استخدام خطاب المراجعة كوسيلة للمناورة وإعادة ترتيب الصفوف . مؤكدًا؛ أن المؤشرات الحالية لا تعكس وجود مراجعة فكرية حقيقية تعيد النظر في أفكار الجماعة وسلوكها، أو تعترف بالأخطاء التي ارتكبتها خلال العقود الماضية، وأن ما يحدث لا يتجاوز محاولات للتكيف مع الظروف السياسية والتنظيمية الجديدة . وهنا يتضح لماذا تقابل محاولات الإصلاح بالرفض والسخرية؛ فالإصلاح الحقيقي يعني الاعتراف بالخطأ، والاعتراف بالخطأ يعني المساس بـ"قداسة" التنظيم، وقداسة التنظيم هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الطاعة.

كفاءات تستبعد وقيادات تدار بالأوامر

أضاف بان، أن هذا النموذج لم يكن خطأً عابراً، بل كان خياراً استراتيجياً. فالتنظيم الذي يخشى العقول المستقلة يضطر إلى الاعتماد على "السمع والطاعة" كمعيار وحيد للبقاء والترقي، فيصعد إلى القمة من لا يملك القدرة على الاعتراض، ويتراجع إلى الهامش من يملكها. والنتيجة أن الجماعة باتت تدار بمن "يستخدمون" عقول الآخرين لا بمن "يملكون" عقولاً.كاشفًا الجماعة التي تزعم أنها تحمل مشروعاً "إصلاحياً" لا تستطيع أن تحتمل الإصلاح داخل بيتها. فمنذ "رسالة البنا" وحتى اليوم، بُني التنظيم على قاعدة واحدة: الطاعة قبل الكفاءة، والانتماء قبل النقد، والرابطة التنظيمية قبل الوطن. وفي هذا الهيكل، يصبح المصلح "جريمة" لا لأن أفكاره خاطئة، بل لأن مجرد وجوده يذكّر الجماعة بأن هناك بديلاً عن السمع والطاعة. 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة