لقاء مهم يجمع بين فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة الروسية الأفريقية، وهو اللقاء الثاني بين الرئيسين خلال أقل من شهرين، بعد لقائهما في العاصمة الهندية نيودلهي خلال فعاليات قمة بريكس، بما يعكس ما تحظى به العلاقات بين القاهرة وموسكو من أولوية متبادلة، في ضوء المصالح التي تجمع البلدين، سواء على المستوى الثنائي أو في إطار الأدوار التي يضطلع بها كل منهما على المستويين الإقليمي والدولي.
من التعاون التقليدي إلى «الارتباط البنيوي» والمشروعات الكبرى
وبالنظر إلى العلاقات المصرية الروسية، نجد أنها تحظى بقدر كبير من الخصوصية، ليس فقط على خلفية تاريخها الذي شهد العديد من محطات التقارب، وإنما أيضًا في ظل تطور طبيعة المصالح المشتركة، التي تجاوزت حدود التعاون التقليدي القائم على تبادل السلع والخدمات، نحو مشروعات طويلة الأجل تسهم في تأسيس نمط من الارتباط البنيوي، تصبح معه استدامة قدرات الطرف الآخر واستقراره مصلحة مباشرة، وليست مجرد اعتبار سياسي يحكم العلاقات الثنائية.
ويمكن استلهام جانب من طبيعة هذا الارتباط من الإطارين اللذين يجتمع خلالهما فخامة الرئيس السيسي مع نظيره الروسي في أقل من شهرين، إذ جاء اللقاء الأول على هامش قمة بريكس، التي تمثل أحد أبرز أنماط الشراكة الدولية القائمة على تقاطع المصالح دون اشتراط التحالف الكامل أو تطابق المواقف بين أعضائها، بينما يأتي اللقاء الثاني على هامش القمة الروسية الأفريقية، التي تعكس اهتمام موسكو بتوسيع حضورها في قارة تمثل مصر إحدى نقاط الارتكاز المهمة للتواصل معها، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا بما تمتلكه من بنية تحتية وقدرات اقتصادية وعلاقات إقليمية يمكن توظيفها في بناء مصالح مشتركة تتجاوز الحدود الثنائية.
التقارب بين القاهرة وموسكو على المستوى الدولي يتزامن مع شراكة ثنائية تعتمد في الأساس على وظائف متبادلة، تتسم بأمدها الطويل نسبيا، لتتجاوز التعاون القائم على استيراد منتجات او الحصول على خدمات، نحو مشروعات عملاقة على غرار محطة الضبعة النووية، والتي من شأنها تحقيق طفرة مصرية غير مسبوقة في مجال الطاقة النووية، مقابل تدشين منطقة صناعية روسية في قناة السويس يمكن من خلالها نقل الصناعة إلى العديد من دول العالم.
ويتزامن هذا التقارب بين القاهرة وموسكو على المستوى الدولي مع تطور الشراكة الثنائية نحو نمط يقوم على وظائف متبادلة ومصالح ممتدة زمنيًا، تتجاوز حدود التعاون التقليدي القائم على استيراد المنتجات أو الحصول على الخدمات، إلى مشروعات استراتيجية طويلة الأجل، على غرار محطة الضبعة النووية، التي لا تقتصر أهميتها بالنسبة لمصر على إضافة مصدر جديد لإنتاج الكهرباء، وإنما تمتد إلى تطوير قدراتها في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بينما تمثل المنطقة الصناعية الروسية المخطط إقامتها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس فرصة لتحويل مصر من سوق للمنتجات الروسية إلى قاعدة محتملة لتصنيعها وتصديرها إلى أسواق إقليمية ودولية، بما يربط المصالح الاقتصادية الروسية باستمرار كفاءة البنية الإنتاجية واللوجستية المصرية.
ولعل العلاقة بين القاهرة وموسكو تقدم نموذجًا مهمًا للتحول نحو نمط من الشراكة «الوظيفية»، لا تتحدد قيمته فقط بحجم ما تستطيع كل دولة شراءه أو بيعه لشريكتها، وإنما أيضًا بما تستطيع إتاحته من قدرات وفرص تسهم في تحقيق مصالح الطرف الآخر، وقد يصعب تعويضها أو إيجاد بدائل لها بالكفاءة والتكلفة نفسيهما.
وهنا يبرز ما يمكن تسميته بـ«الارتباط البنيوي»، وهو الحالة التي تصبح فيها قدرة الدولة على الاستقرار والتنمية والاستمرار في أداء وظائفها جزءًا من مقومات تحقيق مصالح شركائها، بحيث لا يعود استقرارها مجرد هدف سياسي مرغوب، وإنما يتحول إلى مصلحة عملية تتصل باستدامة تلك الوظائف وكفاءتها، وهو ما يجعل أي اضطراب يؤثر في قدرتها على أدائها مصدرًا لتكاليف محتملة لا تقتصر عليها وحدها، وإنما تمتد إلى الأطراف المرتبطة بها.
ولا يعني هذا النمط من الارتباط بالضرورة تطابق المواقف السياسية أو غياب التباينات بين الشركاء، وإنما قد يوفر أساسًا أكثر استدامة لإدارة تلك التباينات، في ضوء المصالح التي ترتبط باستمرار التعاون، والتكاليف التي قد تترتب على تعطيله. ومن ثم، فإن القيمة الاستراتيجية للشراكة لا تتحدد فقط بما تحققه من عوائد مباشرة، وإنما أيضًا بما تخلقه من دوافع متبادلة للحفاظ على استقرارها وتطوير قدراتها، بما يسمح باستمرار إنتاج المصالح المشتركة رغم التحولات التي قد تشهدها البيئة الدولية.
وفي هذا الإطار، تكتسب اللقاءات المتكررة بين فخامة الرئيس السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين دلالة تتجاوز أهمية التشاور السياسي بين بلدين تجمعهما علاقات تاريخية ممتدة، لتعكس مسارًا تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وتتزايد معه أهمية الحفاظ على استمرارية التعاون وتطوير قدرات الطرفين على إنتاج المنافع المشتركة.
ولعل القيمة الأبرز لهذا المسار لا تكمن فقط في حجم المشروعات التي تجمع القاهرة وموسكو، وإنما في طبيعة المصالح التي يمكن أن تنتج عنها، ومدى قدرتها على تحويل الشراكة من علاقة تقوم على تبادل الموارد والمنتجات إلى ارتباط أكثر عمقًا، تصبح فيه استدامة قدرات كل طرف جزءًا من مصالح الطرف الآخر، بما يمنح العلاقات الثنائية أساسًا عمليًا للاستمرار والتطور، حتى في ظل التحولات والتباينات التي قد تشهدها البيئة الدولية.