في خطوة نوعية تعكس التزام الدولة المصرية بحماية أجيالها الناشئة وضمان مستقبل صحي آمن لهم، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن التدشين الرسمي والموسع لمبادرة رئيس الجمهورية لـ “رعاية أطفال السكري” من النوع الأول. هذه المبادرة، التي انطلقت تحت شعار المشروع القومي الأكبر “100 مليون صحة”، لا تهدف فقط إلى تقديم العلاج التقليدي، بل تؤسس لمنظومة رعاية رقمية وتكنولوجية متكاملة تضمن جودة الحياة للأطفال المصابين، وتخفف من الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية الملقاة على كاهل أسرهم.
تراجع قياسي في زيارات الطوارئ واحتجاز المستشفيات
كشفت الدكتورة منى خليفة، مدير عام الإدارة العامة للمبادرات بوزارة الصحة، الستار عن التفاصيل والنتائج الأولية للتقرير الرسمي الخاص بالمبادرة، مؤكدة أن لغة الأرقام جاءت لتبشر بنجاح طبي غير مسبوق في المرحلة التجريبية للمنظومة. حيث أوضحت أنه تم بالفعل تسجيل 143 طفلاً ضمن المبادرة الرئاسية، خضعوا لمنظومة متابعة صارمة ودقيقة. ومن بين هؤلاء، أتم 47 طفلاً فترة تقييمية ومتابعة دورية كاملة امتدت لثلاثة أشهر متواصلة، رصدت خلالها اللجان الطبية مؤشرات صحية ممتازة.
وكشفت الدكتورة منى خليفة عن تراجع مذهل في معدل لجوء هؤلاء الأطفال لأقسام الطوارئ؛ حيث انخفض المعدل من (1.11) زيارة طارئة لكل طفل سنوياً قبل الانضمام للمبادرة، إلى (0.08) زيارة فقط بعد تقديم الرعاية الشاملة. ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، بل سجلت التقارير الطبية انخفاضاً هائلاً وموازياً في معدلات احتجاز الأطفال بالمستشفيات، متراجعة من (0.70) حالة دخول سنوية إلى (0.08) حالة فقط. وأعلنت خليفة أن الرؤية المستقبلية للوزارة تستهدف التوسع التدريجي بناءً على هذه المؤشرات الإيجابية لإنشاء وتطوير 8 مراكز تخصصية كبرى موزعة جغرافياً على مستوى الجمهورية بحلول نهاية عام 2027 لاستيعاب الأعداد المتزايدة وتعميم الفائدة.
رؤية سياسية واستراتيجية لحماية 55 ألف طفل في مصر
ومن جانب التوجيهات السياسية والخطط الإستراتيجية، أكد الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن القطاع الصحي يشهد دعماً لامحدوداً ورعاية مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن التوجيهات الرئاسية كانت حاسمة بضرورة تذليل كافة العقبات، وتوفير التمويل المستدام لتأمين أحدث التقنيات الطبية لأطفال السكري لضمان استدامة الخدمات المقدمة لهم.
وأشار عبد الغفار إلى أن مرض السكري من النوع الأول يمثل أحد أكبر التحديات الصحية التي تؤثر طردياً على استقرار الأسر، لافتاً إلى أن الإحصائيات الرسمية الموثقة تثبت وجود نحو 55 ألف طفل في مصر يعانون من هذا المرض، وذلك في الفئة العمرية الممتدة من مرحلة الميلاد وحتى سن 18 عاماً، وهو رقم استوجب تدخلاً فورياً ومنظماً من الدولة.
وأضاف: “إن المبادرة تسهم بوضوح في تخفيف معاناة الأطفال بإنهاء عهد وخز الإبر اليومي المؤلم، وذلك من خلال توفير أجهزة مراقبة السكر المستمرة والحديثة. هذه التكنولوجيا المتطورة تجنب الطفل الواحد أكثر من 3650 وخزة إبرة سنوياً، بعد أن كان يخضع لمعدل يتراوح بين 8 إلى 10 وخزات يومياً لقياس السكر بالدم، مما يمنح الأطفال فرصة أكبر للاستمتاع بطفولتهم بصورة طبيعية وآمنة”.
وشدد على أن نجاح المنظومة يعكس أهمية العمل الجماعي وتكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة والقطاع المصرفي والمنظمات الدولية والمجتمع المدني. موضحاً أن المبادرة لا تقتصر على تسليم الأجهزة فحسب، بل ترتكز على محور تعليمي وتثقيفي يشمل تدريب الأسر على الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا، وتقديم الدعم النفسي والمتابعة الدورية بالتعاون مع اللجنة العلمية ومنظمة الصحة العالمية.
إشادة دولية.. مصر تؤسس لنموذج صحي رائد في المنطقة
وعلى الصعيد الدولي، وصف الدكتور نعمة عابد، ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر، المبادرة الرئاسية بأنها “محطة فارقة واستثنائية” في مسيرة دعم ورعاية الطفولة بمنطقة شرق المتوسط، مؤكداً أن وضع صحة الطفل في مقدمة الأولويات السياسية والتنموية يبرهن على وعي الدولة وعزمها على تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
وأشار عابد إلى أن مرض السكري من النوع الأول لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد حالة مرضية مزمنة نمطية، بل يتطلب بطبيعته منظومة رعاية متكاملة ومستدامة ممتدة مدى الحياة. وأشاد بتبني وزارة الصحة المصرية لنموذج متطور يدمج التكنولوجيا الحديثة بالرعاية الصحية الأولية والتثقيف الصحي المكثف لحماية المرضى من المضاعفات المستقبلية، مؤكداً التزام المنظمة بمواصلة الشراكة التقنية والعلمية مع الوزارة لضمان استمرار وتطوير هذا المشروع الإنساني الرائد.