يشهد المغرب تحولات جذرية في الخريطة البرلمانية، تمهد لمشهد مختلف فى تشكيل الحكومة القادمة ؛ وتأتى هذه التحولات فى وقت تقبل فيه المملكة المغربية على محطات فارقة خلال الخمس سنوات المقبلة، وفي مقدمتها تحضيرات استضافة كأس العالم 2030؛ فوفق ما كشفت عنه النتائج النهائية للانتخابات التي جرت لمجلس النواب(إحدى غرفتى البرلمان)، هذا الأسبوع، تصدر حزب الاصالة والمعاصرة قائمة الأحزاب الحاصدة لأصوات الناخبين ، بحصوله على 97 مقعدًا. وفق ما أعلنت وزارة الداخلية المغربية.
وجاء حزب التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية بـ66 مقعدًا، بفارق مقعد واحد عن حزب الاستقلال الذي حل ثالثًا بعدما حصل على 65 مقعدًا، وحصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعدًا، فيما نالت الحركة الشعبية 29 مقعدًا، وحصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعدًا.
وجاء حزب التقدم والاشتراكية بعد ذلك بـ19 مقعدًا، فيما حصل الاتحاد الدستوري على 17 مقعدًا، وفق النتائج الأولية المعلنة، وحصل حزبا "جبهة القوى الديمقراطية" و"الإنصاف" على مقعدين اثنين لكل منهما.. كما حصل حزبا "الديمقراطيين الجدد" و"الوحدة والديمقراطية" على مقعد واحد لكل منهما.
وتتجه الأنظار حالياً إلى مشاورات تشكيل الحكومة التى من المقرر أن تبدأ خلال أيام بقيادة الحزب الفائز.
مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة
ووفق مراقبين بالمغرب، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا لتشكيل الحكومة هو إعادة إنتاج التحالف الثلاثي السابق بين حزب الأصالة والمعاصرة (يقود الحكومة)، وحزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال، إذ إن أية تجربة لتشكيل أغلبية معقدة بتعويض أحد أطراف هذا التحالف بأحزاب متعددة ستنعكس سلبا على تنزيل السياسات العمومية والاستراتيجية.
ومن المتظر أن يعين ملك المغرب رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها ، وفق الفصل الـ47 من الدستور المغربى .
وينص الفصل الـ88 على أنه بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه.
ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية. ويكون البرنامج موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب.
وتعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي.
كما ينص الدستور على مبدأ "التنصيب البرلماني" للحكومة، إذ يبقى تعيين الملك لرئيس هذه الأخيرة تعيينا سياسيا بالدرجة الأولى؛ لكن الحكومة لا تمتلك شرعية ممارسة سلطاتها إلا بعد حصولها على ثقة ممثلي الأمة بالأغلبية المطلقة، بمعنى وفي حالة نتائج الانتخابات الأخيرة، سيحتاج حزب الأصالة والمعاصرة إلى تأمين ثقة 198 عضوا في مجلس النواب على الأقل لتُعتبر مُنصبة دستوريا، وأخذا بعين الاعتبار النتائج سينقصه أكثر من 100 صوت؛ ما يلزمه الدخول في تحالف مع أحزاب أخرى لتمرير البرنامج الحكومي وتسهيل تنزيله لاحقا.
حزب العدالة والتنمية خارج التشكيل الحكومى
بالنظر إلى خريطة التحالفات السابقة المنبثقة عن انتخابات 2021 ، لا توجد خيارات واسعة أمام حزب "الأصالة والمعاصرة "لتشكيل التحالف الحكومي المقبل، فالقطبان الأساسيان سيكونان التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، ووفق "هسبريس" المغربية ، فإن محاولة الحزب الخروج عن هذه الدائرة والبحث عن حلفاء آخرين مثل حزب العدالة والتنمية (يمثل الامتداد الفكرى للإخوان)، فإنه سيواجه عقبة حقيقية، في ظل صعوبة التحالف مع حزب العدالة والتنمية بسبب وجود خطوط حمراء متبادلة تمنع التحالف بينهما؛ وهو ما يجعل هذا الخيار مستبعدا وعملية تشكيل أغلبية بعيدا عن التحالف القائم أمرا بالغ الصعوبة.
يفرض هذا الواقع السياسي على حزب الأصالة والمعاصرة الإبقاء على التحالف الثلاثي وهو المكون من الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، إضافة إلى ما سبق؛ فإن حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال سيلعبان دورا ضاغطا ومحوريا في المفاوضات المقبلة؛ ففي حال حاول استبعاد أحد قطبي التحالف والبحث عن حلفاء آخرين، فإن تجميع أحزاب متعددة مثل الحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري لن يضمن تحقيق أغلبية مريحة بسبب حجم مقاعدهم المحدود، مما يمنح الأحرار والاستقلال قوة تفاوضية أكبر للحصول على مكتسبات ومقاعد نوعية”.
من يقود حكومة المغرب المقبلة؟
ينص الفصل 47 من الدستور المغربي على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.
وفتح تصدر حزب الأصالة والمعاصرة البابا أمام طرح العديد من الأسماء التى يمكن أن تتولى هذا المنصب ، من بين أكثرها تداولا إعلاميا اسما فاطمة الزهراء المنصوري وفوزي لقجع.
ولا تنحصر الأسماء المتداولة في المنصوري ولقجع؛ إذ يذكر أيضا محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، ضمن الشخصيات البارزة في الأصالة والمعاصرة.
وتدخل فاطمة الزهراء المنصوري دائرة التوقعات كرئيسة للحكومة القادمة فى المغرب، انطلاقا من موقعها كمنسقة لقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، وتجمع في مسارها بين العمل الحزبي وتدبير الشأن المحلي والعضوية في الحكومة؛ إذ ترأس مجلس مدينة مراكش، وتتولى حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
كما سبق للمنصوري أن ترأست مجلس مراكش بين عامي 2009 و2015، وشغلت مقعدا في مجلس النواب، قبل عودتها إلى رئاسة المدينة. ويجعلها موقعها الحالي في قيادة الحزب من أبرز الشخصيات المطروحة للنقاش.
ويحمل احتمال اختيارها بعدا غير مسبوق في المغرب؛ إذ ستكون، في حال تعيينها، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة؛ لكن هذا الاحتمال لم يتحول حتى الآن إلى ترشيح رسمي معلن من الحزب.
لقجع والمونديال
أما بالنسبة للاسم الثانى الذى يدخل ضمن دائرة التوقعات لقيادة الحكومة المغربية المقبلة، فوزي لقجع، فقد انضم إلى حزب الأصالة والمعاصرة في يوليو الماضى، أى قبل نحو شهرين من الانتخابات، وجاء دخوله الحزب وهو يشغل منصب الوزير المنتدب لدى وزارة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، إلى جانب رئاسته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم؛ ويمتد حضوره إلى ملف كأس العالم 2030، الذي يستعد المغرب لتنظيمه إلى جانب كل من إسبانيا والبرتغال؛ غير أن اتساع مسؤولياته لا يعني أنه أعلن السعي إلى رئاسة الحكومة؛ فوفق مجلة "جون أفريك" الفرنسية، نفى لقجع أن يكون قد فكر في تولي المنصب، فيما استمر اسمه حاضرا في التكهنات الإعلامية بشأن المرحلة المقبلة.