أكد الشيخ مصطفى ثابت، الداعية الإسلامي، أن الغاية الكبرى من خلق الله سبحانه وتعالى للإنسان واستخلافه في الأرض تقوم على ثلاث ركائز أساسية، تمثل جوهر الرسالات السماوية.
وأوضح خلال حديثه ببرنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس، اليوم الأربعاء، أن أول هذه الركائز هي عبادة الله سبحانه وتعالى والتعرف عليه ومحبته، مستشهدًا بقوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، مشيرًا إلى أن العبادة تمثل الأساس الذي تقوم عليه علاقة الإنسان بربه.
تزكية النفس
وأضاف أن الركيزة الثانية تتمثل في تزكية النفس، من خلال تنقيتها من الصفات السيئة واكتساب القيم والفضائل، موضحًا أن ذلك ما أشار إليه قوله تعالى: "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"، وأن مفهوم التزكية يشمل ما يسميه العلماء بـ"التخلية والتحلية".
وأشار إلى أن الركيزة الثالثة، وهي محور الحديث، تتمثل في عمارة الأرض، موضحًا أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليعمر الأرض ويقوم بإصلاحها، مستشهدًا بقوله تعالى على لسان سيدنا صالح: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".
ولفت إلى أن معنى "استعمركم فيها" يتضمن جعل الإنسان ساكنًا للأرض ومسؤولًا عن تعميرها، كما ذهب بعض العلماء إلى أن اللفظ يحمل معنى الطلب، أي أن الله طلب من الإنسان عمارة الأرض، وهو ما يفيد الوجوب.
وأكد أن هذه المقاصد الثلاثة تشكل الإطار العام لحياة الإنسان، وتوضح دوره في تحقيق التوازن بين العبادة وإصلاح النفس والعمل على إعمار الأرض.
مقاصد الشريعة وعلاقتها بعمارة الأرض
وأكد الشيخ مصطفى ثابت، الداعية الإسلامي، أن جميع الأحكام الشرعية من الحلال والحرام جاءت لتحقيق خمسة مقاصد كبرى تُعرف بمقاصد الشريعة، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض، مشيرًا إلى أن هذه المقاصد تمثل الإطار العام لتنظيم حياة الإنسان.
وأوضح خلال حديثه ببرنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس، اليوم الأربعاء، أن تحقيق هذه المقاصد يرتبط بشكل وثيق بقدرة المجتمعات على بناء العمران مع الالتزام بقيمه، مثل العدل والصدق واحترام العمل والتفكير والتناصح، لافتًا إلى أن بعض العلماء يرون أن المقصد العام للشريعة هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها.
وأضاف أن النصوص الشرعية تؤكد هذا المعنى، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، موضحًا أن هذا الحديث يعكس الحث على الاستمرار في البناء والإعمار حتى في أصعب الظروف.
الشريعة شجعت على كل ما يحقق النفع العام
وأشار إلى أن الشريعة شجعت على كل ما يحقق النفع العام، مثل الزراعة وغرس الأشجار وحفر الأنهار، لما لها من أثر في استدامة الحياة وتحقيق الخير للإنسان وسائر المخلوقات، مؤكدًا أن ذلك لا يتعارض مع مفهوم الزهد، لأنه في حقيقته أمر قلبي لا يمنع من الأخذ بأسباب القوة والعمل.
ولفت إلى أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة"، يدل على أن كل عمل يحقق منفعة للخلق يدخل في باب الأجر والثواب.
كما أشار إلى حديث: "من أحيا أرضًا ميتة فله فيها أجر"، موضحًا أن المقصود به تعمير الأرض واستصلاحها وتحويلها من حالة الخراب إلى النفع، سواء بالزراعة أو البناء أو إقامة المؤسسات التي تخدم الإنسان.
وأكد أن مفهوم العمران في الشريعة الإسلامية يقوم على تحقيق التوازن بين الإنسان ومحيطه، ويشمل كل ما يُسهم في تحسين جودة الحياة والحفاظ على موارد الأرض لخدمة الأجيال الحالية والمستقبلية.