من قلب ظفار، يقف مهرجان ظفار الدولي للمسرح بوصفه مساحة للحوار والإبداع والاحتفاء بالمسرح، جامعًا بين التجارب العربية والدولية، ومراهنًا على أن الفن قادر على أن يصنع جسورًا تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا. وفي حوارنا مع رئيس المهرجان عمار بن عوبد غواص، نقترب من رؤيته لهذا الحدث، وحكايته مع المسرح، وما يطمح إلى أن يتركه المهرجان في ذاكرة الفنان والجمهور، وكيف يمكن للمسرح أن يظل حيًّا ومتجددًا مهما تغيرت الأزمنة.
* الدورة الثانية من مهرجان ظفار جاءت بثلاثة مسارات تنافسية، بينها مسار خاص بمسرح ظفار.. ماذا تريدون أن يضيف هذا المسار للمشهد المسرحي المحلي؟
كان من المهم بالنسبة لنا ألا يكون المهرجان مجرد نافذة تستقبل التجارب العربية والدولية، وإنما أن يكون أيضًا منصة تنطلق منها المواهب والفرق المحلية إلى آفاق أوسع. لذلك جاء مسار «مسرح ظفار» لإتاحة الفرصة لفناني ومبدعي المحافظة للتعريف بتجاربهم، وإبراز التنوع الذي تتمتع به الحركة المسرحية في ظفار، وفتح المجال أمامها للتفاعل مع التجارب القادمة من مختلف دول العالم.
* المهرجان يقدم عروضًا عربية وعالمية حاصلة على جوائز، إلى جانب عروض جديدة.. كيف توازنون بين استقطاب التجارب الكبيرة واكتشاف تجارب تستحق أن تُكتشف؟
نحن نحرص على أن يجمع المهرجان بين الخبرة والتجديد، ولذلك اعتمدنا مسار «عروض النخبة» لاستضافة تجارب مسرحية عربية وعالمية حاصلة على جوائز، إلى جانب العروض المتميزة من الدورة الأولى، بينما يفتح مسار العروض الكبرى المجال أمام تجارب من مختلف دول وقارات العالم وفق معايير فنية دقيقة تضمن الجودة والتنوع.
* كرمتم في الدورة الثانية عددًا من النجوم الكبار من أجيال وتجارب مختلفة.. كيف اخترتم قائمة المكرمين، وما الذي تعكسه هذه الاختيارات؟
قائمة المكرمين تمثل جزءًا من رؤية المهرجان في الاحتفاء بالتجارب المؤثرة في المسرح والفن العربي، ولذلك حرصنا على أن تضم أسماء لها حضور وتجربة ممتدة، إلى جانب تنوع الأجيال والدول والتجارب. التكريم بالنسبة لنا ليس مجرد احتفاء بشخصيات فنية، وإنما فرصة لتقديم هذه التجارب إلى الجمهور والمسرحيين المشاركين في المهرجان، والتأكيد على قيمة ما قدموه طوال مسيرتهم.
* برأيك، ما الأهم في المهرجانات المسرحية: حصد الجوائز، أم خلق مساحة حقيقية للتلاقي وتبادل التجارب والخبرات بين المسرحيين؟
المنافسة جزء مهم من أي مهرجان، لكن المسرح في الأساس مساحة للتلاقي. عندما يجتمع فنانون من دول وثقافات مختلفة، فإن الفائدة لا تتوقف عند مشاهدة العروض، بل تمتد إلى الحوار وتبادل الأفكار والخبرات وبناء علاقات جديدة بين المسرحيين. وهذا أحد الأهداف الأساسية التي نريد أن يحققها مهرجان ظفار.
* المسرح العماني يشهد حراكًا ملحوظًا.. برأيك، ما الخطوات التي يحتاجها اليوم للانطلاق نحو حضور عربي ودولي أوسع؟
المسرح العُماني يمتلك طاقات وتجارب تستحق الحضور، وهناك مشاركات خارجية بدأت تثبت جدارة الفنان العُماني. كما أن وجود جيل شاب إلى جانب جيل الرواد يمثل عنصر قوة، لأننا لا نتحدث عن قطيعة بين الأجيال، وإنما عن تواصل وتكامل. وأعتقد أن زيادة فرص الاحتكاك والتبادل مع التجارب العربية والدولية ستسهم في تطوير هذه التجربة وترسيخ حضورها.
* كيف يمكن للمهرجان أن ينفتح على التجارب المسرحية العالمية، وفي الوقت نفسه يحافظ على هويته وخصوصيته المحلية؟
العالمية لا تعني التخلي عن الهوية، وإنما تعني القدرة على تقديم تجربتنا المحلية في حوار مفتوح مع العالم. وهذا ما نحاول تحقيقه في ظفار؛ نستقبل تجارب من ثقافات متعددة، وفي الوقت نفسه نمنح المسرح المحلي مساحة حقيقية للحضور. بالنسبة لي، قوة أي مهرجان دولي تأتي من قدرته على الجمع بين الانفتاح على العالم والاعتزاز بخصوصيته المحلية.
* مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى المجال الفني، كيف ترى تأثيره على المسرح؟ وأين يجب أن تتوقف التكنولوجيا حتى يظل الإبداع الإنساني هو الأساس؟
الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، ولا أرى مشكلة في الاستفادة منه ولكن المهم أن يكون استخدامه واضحًا وشفافًا، وأن تكون هناك معايير تحكم هذا الاستخدام، التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة تساعد الفنان، لكنها لا ينبغي أن تُستخدم بطريقة توحي بأن الآلة هي صاحبة الإبداع وحدها أو أن يتم إخفاء دورها في العمل الفني.
* بعد الدورة الأولى، ثم هذه الدورة التي توسعت في المنافسات والمشاركة الدولية، كيف تريد أن يرى المسرحي العربي مهرجان ظفار بعد سنوات؟
نطمح إلى أن يصبح مهرجان ظفار الدولي للمسرح محطة أساسية على خريطة المهرجانات المسرحية العربية والدولية، وليس مجرد حدث يقام مرة كل عامين. نريد أن يكون مكانًا تلتقى فيه التجارب، وتُكتشف فيه المواهب، ويجد فيه المسرحيون مساحة للحوار والتجريب والتعاون.