دندراوي الهواري يكتب: حفر قناة السويس الجديدة.. عندما سبقت الرؤية المصرية انفجار صراع الممرات البحرية وتحولها إلى سلاح ردع وورقة جغرافية استراتيجية

الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م
دندراوي الهواري يكتب: حفر قناة السويس الجديدة.. عندما سبقت الرؤية المصرية انفجار صراع الممرات البحرية وتحولها إلى سلاح ردع وورقة جغرافية استراتيجية دندراوى الهوارى

مع كل أزمة تتسبب فى اهتزاز خريطة التجارة العالمية، تقفز الممرات البحرية إلى واجهة المشهد باعتبارها أكثر من مجرد طرق لعبور السفن؛ وإنها شرايين للاقتصاد العالمى، ونقاط اختناق يمكن أن تؤثر فى أسعار الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد والتضخم وحركة التجارة بين القارات؛ وما شهده العالم منذ نهاية عام 2023 من اضطرابات فى البحر الأحمر، وتحول أعداد كبيرة من السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، أعاد وضع قناة السويس فى قلب واحدة من أكثر القضايا الاستراتيجية أهمية فى الاقتصاد العالمى.

الأهمية الحقيقية للقناة تأتى عند وضعها فى قلب طبيعة المنافسة بين الممرات البحرية العالمية؛ فالسفينة لا تختار طريقها بناء على المسافة وحدها، وإنما وفقا لمعادلة مركبة تشمل زمن الرحلة والتكلفة والأمان والقدرة الاستيعابية والانتظار والغاطس والخدمات اللوجستية، ومن ثم فإن قناة السويس هى الممر الذى يحقق المعادلة المطلوبة؛ تقليل زمن العبور وتقليص فترات انتظار السفن، مع زيادة الأجزاء المزدوجة من المجرى الملاحى بما يسمح بتحسين حركة العبور فى الاتجاهين.

هنا تظهر قيمة وأهمية قناة السويس باعتبارها أقصر طريق بحرى بين آسيا وأوروبا، ووفقا لصندوق النقد الدولى، فإن ما يمر عبر قناة السويس فى الظروف الطبيعية، ما يقرب من 15 بالمئة من حجم التجارة البحرية العالمية؛ كما توضح بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن طريق شنغهاى إلى روتردام عبر قناة السويس يبلغ نحو 10 آلاف ميل بحرى ويستغرق قرابة 31 يوما، بينما يؤدى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح إلى رفع المسافة إلى نحو 13 ألف ميل وزمن الرحلة إلى قرابة 41 يوما. 

تأسيسا على ذلك، كانت فكرة تطوير وتوسعة القناة، بحفر قناة جديدة، بطول 35 كيلومترا بالإضافة إلى توسيع وتعميق تفريعات البحيرات المرة، والبلاح بطول 37 كيلومترا ليصبح الطول الإجمالى للمشروع كممر ملاحى مزدوج 72 كيلومترا، رائعة، ورؤية ثاقبة لاستشراف المستقبل.

المشروع كان يهدف إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية، أهمها تلافى المشكلات القديمة لقناة السويس من توقف قافلة الشمال، لمدة تزيد على 11 ساعة فى منطقة البحيرات المرة، مع زيادة قدرة استيعاب قناة السويس للسفن العملاقة بغاطس 65 قدما، ما يسهم فى زيادة دخل القناة مستقبلا بنسبة 259 %، وهو ما أدى إلى رفع القدرة التصريفية للقناة إلى نحو 97 سفينة معيارية يوميا، مقابل نحو 77 سفينة قبل المشروع، كما أتاح العبور المباشر لنحو 45 سفينة فى الاتجاهين. 

بجانب حفر القناة الجديدة، دُشنت المنطقة الاقتصادية للقناة، والذى يعد المحور الرئيسى للتنمية الاقتصادية والصناعية فى مصر، حيث يمتد المشروع على مساحة تتجاوز 460 كيلومترا مربعا لربط التجارة العالمية وتوطين الصناعات، ما تطلب تطوير 5 موانئ وتأسيس مطار ضخم فى السويس، لخدمة المنطقة، بالإضافة إلى تدشين القطار السريع الذى يعد شريانا لربط البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، بريا.

وفى ظل الأحداث التى تمر بها المنطقة، والصراع الدولى للسيطرة على الممرات، عاد للصورة قرار حفر قناة جديدة، لينصف القيادة السياسية التى اتخذت القرار، وتضع هؤلاء الذين ملأوا الدنيا تسفيها وتسخيفا من حفر القناة فى حجم الأقزام، وقصر النظر.

والسؤال الثقيل: ما هو موقف هؤلاء الذين عارضوا حفر القناة الآن، وهم يرون الصراع الدولى المخيف على الممرات البحرية؟ هل يخجلون من أنفسهم ومن أفكارهم السطحية، ومعارضتهم من أجل المعارضة دون أى جدارة علمية ومهنية؟

صار من فقه الضرورة إعادة النظر فى مشروع قناة السويس الجديدة بعيدا عن الجدل السياسى الذى صاحب الإعلان عنه وتنفيذه؛ فالمشروع لم يكن مجرد حفر مجرى مائى إضافى، وإنما استهدف زيادة الازدواجية فى المجرى الملاحى وتقليل زمن الانتظار والعبور ورفع القدرة الاستيعابية للقناة وتحسين قدرتها على التعامل مع نمو التجارة العالمية؛ وأن الصراع بين الممرات البحرية ليس مسألة جغرافية فقط، وإنما منافسة اقتصادية واستراتيجية على الزمن والتكلفة والقدرة على استيعاب التجارة؛ وكلما صارت الطرق البديلة أطول وأكثر تكلفة، ارتفعت أهمية وقيمة الطريق الأقصر عندما تكون الظروف الأمنية واللوجستية مواتية.

ومن هنا يمكن فهم منطق إنشاء قناة موازية؛ فى ظل ما تمر به المنطقة، بل والساحة الدولية فى العموم، من صراع للسيطرة على الممرات البحرية، بأن القناة الجديدة زادت من قدرة القناة القديمة، كممر بحرى استراتيجى، قادر على المنافسة والاستيعاب، وأن مصر تمتلك ورقة جغرافية واقتصادية ذات أهمية عالمية.
أن تمتلك ممرا بحريا، لم يعد أمرا عاديا، وإنما سلاحا استراتيجيا، لذلك توسعة القناة وتطويرها، وتدشين محور تنمية صناعية وتجارية شاملة، أمر عظيم؛ يظهر قدرة الدولة المصرية على استشراف المستقبل، وأن المنطقة الصناعية لقناة السويس، هى جوهر المشروع الوطنى العملاق، للحاق بركب التقدم والازدهار.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة