لم تعد قدرة جماعة الإخوان الإرهابية على الاستمرار في الخارج مرتبطة ببقاء تنظيمها في صورته التقليدية، بعدما فرضت التحولات الأمنية والسياسية على الجماعة البحث عن أشكال أكثر مرونة للحركة، تقوم على توزيع الأدوار بين دول وكيانات وأشخاص ومنصات، بدلًا من وضع كل أدواتها في إطار تنظيمي ظاهر يمكن تتبعه بسهولة. ومن هنا تبرز أهمية ما يُعرف بالتنظيم الدولي للجماعة باعتباره شبكة عابرة للحدود، تتداخل فيها الفروع والدوائر والواجهات والروابط المالية والإعلامية، وتسمح بإعادة توزيع الموارد والخبرات والأدوار وفقًا للبيئة التي تعمل فيها كل مجموعة.
هذه البنية لا تحتاج بالضرورة إلى أن تظهر أمام الجمهور باعتبارها «قيادة مركزية» تدير كل تفصيلة، ففاعليتها تكمن تحديدًا في قدرتها على بناء شبكة تسمح بتبادل الدعم والأفكار والخبرات، وإيجاد مساحات للحركة عندما تضيق المساحة أمام التنظيم في دولة بعينها. وتشير الأدبيات البحثية التي تناولت التنظيم إلى أن فروع الجماعة تعمل في دول متعددة وبدرجات متفاوتة من اللامركزية، بينما حافظت على روابط أيديولوجية وتنظيمية عابرة للحدود.
من التنظيم إلى المنصة.. حين يصبح الإعلام ذراعًا لإدارة المعركة
في هذه البيئة، لا تبدو المنصة الإعلامية مجرد وسيلة لنشر الأخبار أو التعليق على الأحداث، وإنما تتحول إلى أداة ضمن معركة سياسية وفكرية أوسع، فالقناة أو الموقع أو الحساب الرقمي الذي يكرر خطابًا معاديًا للدولة المصرية لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان انتمائه التنظيمي حتى يؤدي الوظيفة المطلوبة منه؛ يكفي أن يلتزم بالأجندة ذاتها، ويعيد إنتاج المفردات نفسها، ويتحرك في التوقيت نفسه، ويستثمر الأحداث بالطريقة التي تخدم الرسالة الإخوانية.
وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الشبكات العابرة للحدود: توفير البيئة التي تسمح باستمرار الرسالة حتى إذا اختفى حاملها الأول. فإذا أُغلقت منصة، يمكن نقل النشاط إلى أخرى، وإذا اختفى أحد الوجوه، يمكن تقديم وجه بديل، وإذا أصبح اسم إحدى الجهات عبئًا سياسيًا، يمكن الاستعانة بواجهة أخرى. وبذلك لا يصبح بقاء المشروع مرتبطًا ببقاء أداة واحدة، وإنما بقدرة الشبكة على إعادة إنتاج الأدوات.
واللافت أن الجماعة لم تعد بحاجة إلى وضع شعارها على كل منصة حتى تكون المنصة جزءًا من معركتها الإعلامية؛ فالأكثر تأثيرًا في هذا النموذج هو خلق مسافة ظاهرية بين التنظيم وبين الأداة، مع الحفاظ على وحدة الرسالة. وهذا يفسر أهمية الشركات والكيانات الوسيطة والأشخاص الذين يتولون إدارة المحتوى أو تمويله أو إنتاجه، لأنهم يؤدون وظيفة الفصل بين المصدر الحقيقي للخطاب وبين واجهته أمام الجمهور.
التنظيم الدولي.. شبكة لتوزيع الأدوار وليس مجرد عناوين تنظيمية*
التعامل مع التنظيم الدولي باعتباره «مكتبًا مركزيًا» يدير كل شيء بصورة مباشرة قد يؤدي إلى قراءة ناقصة لطبيعة الشبكة، فالدراسات التي تناولت هيكل الجماعة تشير إلى أن العلاقة بين فروعها الدولية ليست دائمًا ذات طابع مركزي صارم، وإنما تتفاوت مستويات التنسيق والارتباط بحسب الدولة والظروف المحلية. وفي الوقت نفسه، تكشف هذه الدراسات وجود شبكات وكيانات مرتبطة تاريخيًا وفكريًا بالجماعة في عدد من الدول الأوروبية، بما وفر لها مساحات للعمل المجتمعي والسياسي والإعلامي.
وهنا تصبح قوة التنظيم الدولي في قدرته على توزيع الوظائف أكثر من قدرته على إصدار التعليمات بصورة مباشرة؛ فهناك من يوفر المساحة، وآخر يوفر التمويل، وثالث يمتلك الخبرة الإعلامية، ورابع يتولى إنتاج المحتوى، وخامس يدير المنصات الرقمية، بينما يتولى آخرون مهمة تقديم الرسالة في صورة سياسية أو حقوقية أو إعلامية. وفي النهاية تصب هذه الأدوار المتباينة في خدمة مساحة واحدة من الحركة.
هذه الطريقة تمنح الجماعة قدرة على امتصاص الضربات؛ لأن استهداف عنصر واحد لا يعني بالضرورة سقوط المنظومة كلها. فالمنصة يمكن أن تتغير، والكيان يمكن أن يعاد تشكيله، والشخص يمكن أن يختفي من المشهد، بينما تظل الشبكة قادرة على إعادة توزيع الأدوار.
التمويل.. الوقود الذي يحول الخطاب إلى ماكينة مستمرة
لكن لا يمكن بناء منصات مؤثرة أو تشغيل شبكات إعلامية عابرة للحدود دون موارد مالية. ولذلك يمثل التمويل الحلقة التي تربط التنظيم بالمنصات بصورة غير مباشرة؛ فالمال لا يذهب بالضرورة إلى «قناة إخوانية» تحمل اسم الجماعة، وإنما يمكن أن يتحرك عبر كيانات وشركات أو واجهات أخرى، بما يسمح بتمويل عمليات الإنتاج والتشغيل والنشر والتوسع الرقمي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء الإجراءات الأمريكية التي استهدفت خلال 2026 شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان وحماس. ففي يناير، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج فرعي الجماعة في مصر والأردن على قوائم العقوبات الأمريكية، وقالت إن الإجراء استهدف حرمانهما من الموارد المستخدمة في دعم الإرهاب. وفي يوليو، أعلنت الوزارة استهداف قيادي مصري بارز في الجماعة إلى جانب أشخاص وكيانات أخرى، وقالت إن شبكات عابرة للحدود استخدمت واجهات خيرية وشبكات مالية لإخفاء وتحريك الأموال بين دول مختلفة.
ولا يعني ذلك أن كل منصة أو كيان يعمل في المجال الإعلامي يمكن نسبته تلقائيًا إلى التنظيم، لكن هذه الوقائع تكشف طبيعة أوسع للمشكلة: الشبكات العابرة للحدود قادرة على الاستفادة من تعدد الأنظمة القانونية والمالية، وعلى استخدام واجهات مختلفة لتوفير الموارد أو الخدمات أو المساحات اللازمة لاستمرار النشاط، ومن هنا يصبح تتبع المال أحد المفاتيح الأساسية لفهم كيفية انتقال الدعم من الشبكة إلى الأدوات التي تظهر أمام الجمهور.
منصة الفتنة.. صناعة المحتوى تبدأ قبل الكاميرا
الخطأ في قراءة الإعلام الإخواني هو اختزال دوره في المذيع أو الضيف أو الفيديو المنشور، فالمنتج النهائي يبدأ قبل ظهور أي شخص على الشاشة، هناك اختيار للموضوع، وتحديد للزاوية، وانتقاء للمعلومة، وصياغة للعنوان، ثم توزيع المحتوى على أكثر من منصة، وإعادة تقديمه في صور مختلفة حتى يبدو وكأنه موضوع مطروح في المجال العام من مصادر متعددة.
وهذه الآلية تسمح بتحويل الواقعة الواحدة إلى عشرات المواد، ثم إعادة ضخها على مواقع وحسابات مختلفة، بما يخلق إحساسًا بوجود موجة واسعة من التفاعل. ومع تكرار العملية، تتحول المنصة من مجرد ناقل للمحتوى إلى جزء من منظومة تصنع أجندة النقاش نفسها.
وفي هذا السياق، يصبح مفهوم «منصات الفتنة» أكثر اتساعًا من القنوات الفضائية؛ فهو يشمل كل أداة قادرة على إعادة تدوير الرسالة التحريضية، سواء كانت موقعًا إلكترونيًا أو حسابًا رقميًا أو صفحة أو قناة أو شبكة من المؤثرين. وتكمن خطورة هذا النموذج في أنه لا يحتاج إلى جمهور ضخم في نقطة واحدة، وإنما يعتمد على توزيع الرسالة على نقاط عديدة ثم إعادة تجميع تأثيرها.
حين تتراجع الجماعة.. تتمدد الشبكة
كلما تراجعت قدرة الجماعة على الظهور التنظيمي المباشر، ازدادت أهمية هذه البنية الشبكية، فالتنظيم الذي يواجه ضغوطًا في الداخل يستطيع الاعتماد على الخارج في توفير مساحات للحركة، بينما تستطيع المنصات الخارجية إعادة تقديم خطاب التنظيم إلى الداخل في صورة إعلامية لا تحمل بالضرورة اسمه أو شعاره.
وهذه المعادلة تفسر لماذا يمثل الخارج بالنسبة إلى الإخوان أكثر من مجرد ملاذ لعناصر التنظيم؛ إنه مساحة لإعادة بناء الأدوات، فهناك يتم إنتاج المحتوى، واستضافة العناصر، وتشغيل المنصات، وإدارة الحسابات، وتحريك الموارد، ثم إعادة توجيه الناتج إلى الجمهور المستهدف.
وبذلك يصبح التنظيم الدولي، في صورته الشبكية، أشبه بمنظومة تستطيع إعادة توزيع الوظائف عندما تتعرض إحدى حلقاتها للضغط. وإذا كانت الجماعة قد خسرت جزءًا كبيرًا من قدرتها على العمل بصورة علنية، فإنها تحاول تعويض ذلك بتحويل المعركة إلى معركة أدوات وواجهات، بحيث يصبح من الصعب تحديد أين ينتهي التنظيم وأين تبدأ المنصة.
الهدف واحد.. تعددت الواجهات
أخطر ما في هذه البنية ليس وجود منصات متعددة في حد ذاته، وإنما إمكانية استخدام التعدد لصناعة وهم التعددية؛ عشرات الحسابات قد تبدو كأنها أصوات مستقلة، بينما يمكن أن تتقاطع في الرسالة والمصطلحات والتوقيت والزوايا. والمنصة قد تبدو إعلامية، والكيان قد يقدم نفسه في إطار حقوقي، والشخص قد يظهر باعتباره ناشطًا مستقلًا، لكن وحدة الخطاب تصبح مؤشرًا مهمًا عند تحليل المشهد ككل.
ومن هنا فإن مواجهة هذا النوع من النشاط لا تتوقف عند إغلاق منصة أو كشف شخص، لأن المنظومة قادرة على إنتاج بديل. القضية الأعمق هي تفكيك حلقات الاتصال بين التمويل والإدارة والإنتاج والتوزيع، وفهم الطريقة التي تنتقل بها الموارد والخبرات والرسائل بين الكيانات المختلفة.
وهذا هو السبب في أن التدقيق الدولي المتزايد في الشبكات المالية والواجهات المرتبطة بجماعة الإخوان يضرب أحد أهم عناصر قوتها: القدرة على الاختباء خلف تعدد الأسماء. فكلما زادت الحاجة إلى الوسطاء والواجهات، زادت نقاط الاتصال التي يمكن تتبعها، وأصبح الفصل بين «التنظيم» و«الأداة» أكثر صعوبة.
النهاية ليست بإسكات منصة.. وإنما بإسقاط منظومة
في النهاية، تكشف تجربة جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج أن المعركة لم تعد مع قناة واحدة أو مذيع واحد أو حساب واحد، وإنما مع شبكة تحاول تحويل العمل التنظيمي إلى مجموعة من الأدوات المتفرقة التي يصعب ربطها ظاهريًا بمصدر واحد. لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضها في داخلها؛ فكلما زاد عدد الواجهات، زادت الحاجة إلى التمويل والتنسيق، وكلما زاد التنسيق، ظهرت أنماط يمكن تتبعها، وكلما تكررت الرسالة، انكشف الرابط الذي يجمع الأدوات المختلفة.
ومن هنا يصبح التنظيم الدولي أحد المفاتيح المهمة لفهم كيفية انتقال الجماعة من نموذج التنظيم الظاهر إلى نموذج الشبكة الممتدة؛ شبكة لا تعتمد على وجه واحد، ولا قناة واحدة، ولا دولة واحدة، وإنما على توزيع الأدوار بحيث يستطيع كل طرف أداء جزء من المهمة دون أن يحمل بالضرورة اسم الجماعة.
أما منصات الفتنة، فهي في النهاية ليست سوى الواجهة الأكثر ظهورًا لهذه المعادلة. خلف الشاشة توجد شبكة من الموارد والعلاقات والخبرات والأدوار، وخلف الرسالة يوجد مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه كلما تعرض أحد أذرعه للسقوط. ولذلك فإن سقوط منصة لا يعني نهاية الأدوات، كما أن اختفاء وجه لا يعني اختفاء التنظيم؛ المواجهة الحقيقية تبدأ عندما يصبح ممكنًا قراءة الخريطة كاملة، وربط المال بالمنصة، والمنصة بالشبكة، والشبكة بالمشروع الذي يقف خلفها.