تفاقمت الثورة فى البلاد الواقعة بين المنصورة ودمياط ضد الاحتلال الفرنسى الذى جاء بحملته بقيادة نابليون بونابرت فى يوليو 1798، وتعددت حوادث مهاجمة الثوار للسفن الفرنسية فى النيل، وفقا لعبد الرحمن الرافعى فى الجزء الأول من موسوعته «تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم فى مصر».
يذكر «الرافعى»، أنه كان من أسباب الثورة فى هذه البلاد «ظهور جماعة من زعماء الأهالى يحرضون الناس على مقاومة الفرنسيين، وتكرر فى كثير من رسائل وتقارير القواد الفرنسيين فى مديريتىّـ المنصورة ودمياط اسم «حسن طوبار» شيخ بلد المنزلة كزعيم للمحرضين، وخصم عنيد لا يستهان به، ومدبر لحركات المقاومة فى هذه الجهات.
يؤكد «الرافعى»، أن تقارير قواد الفرنسيين أكدت على أن «طوبار» كان زعيما لإقليم المنزلة، وأن هذا الإقليم جياشا بمتاعب كثيرة للفرنسيين، وينقل عن الجزء الرابع من كتاب «التاريخ العلمى والحربى للحملة الفرنسية» لمؤلفه «ريبو» قوله: «بحيرة المنزلة هى بحيرة كبيرة تقع بين دمياط وبيلوز القديمة «الطينة» والجهات المجاورة لهذه البحيرة، وكذلك الجزر التى يسكنها قوم أشداء ذو نخوة ولهم جد وصبر، وهم أشد بأسا وقوة من سائر المصريين، ثم هم أغنياء بما ينالون من الصيد، ولهم فى البحيرة خمسمائة أو ستمائة مركب، تجعل لهم السيادة فى البحيرة ولهؤلاء الجزائريين أربعون رئيسا منهم، وكل هؤلاء الرؤساء يتبعون حسن طوبار شيخ بلد المنزلة وهو الزعيم الأكبر لهذه الطائفة».
ويقول الجنرال «أندريوسى» أحد قواد الحملة فى تقرير للمجمع العلمى بمصر كتبه بعد ارتياده لبحيرة المنزلة: «إن لسكان هذه الشواطئ أربعين رئيسا يتبعون الشيخ حسن طوبار الذى احتكر الصيد فى البحر لقاء جعل للحكومة، وحسن طوبار من أكبر أغنياء القطر المصرى، وربما كان أغناهم، وهو من المنزلة، وفى أسرته مشيخة البلد يتوارثونها من أربعة أو خمسة أجيال، وله سلطة واسعة تقوم على مكانته فى النفوس، وثورته وعصبيته من ذوى قرباه وأتباعه، وعلى مؤازرة العرب الذين يقطعهم الأراضى ليزرعوها ويغدق رؤسائهم بالهدايا والتحف».
يؤكد «الرافعى» أن «طوبار» كان يخادع الفرنسيين عن خططه ومقاصده، فلا يأبى دفع الضرائب العادية، وفى الوقت نفسه يستعد للقتال ويرسل عياله وأمواله إلى غزة، ويجوب بنفسه البلاد الواقعة على بحر أشمون يحرض الأهالى على الثورة، ويعدد «الرافعى» وقائع المقاومة التى قادها طوبار وثورات الأهالى فى بلاد إقليم المنزلة ضد الفرنسيين، ووحشية الاحتلال ضدها، ويؤكد أن شعلة الثورة امتدت إلى دمياط وحولها من أوائل سبتمبر 1798، وكانت دمياط وقتئذ من أهم بلاد القطر المصرى اقتصاديا وحربيا، وكانت مركزا تجاريا وصناعيا كبيرا، تصدر منها متاجر البلاد وترد إليها وارداتها القادمة من سوريا وقبرص وتركيا واليونان وفرنسا، وبها كثير من الوكائل والحانات، واشتهرت بتجارة الأرز والأقمشة والمنسوجات والخشب، وكانت تزاحم الاسكندرية فى مركزها التجارى.
ويذكر «الرافعى» أنه فى ليلة 16 سبتمبر 1798 وقع هجوم اشترك فيه أهالى البلاد المجاورة لدمياط، واشترك فيه أيضا أسطول حسن طوبار الذى تحرك فى بحيرة المنزلة قاصدا شطوط دمياط، فوصل إلى «غيط النصارى» شرقى المدينة، والتقى الأهالى القادمون من القرى بالنازلين من السفن، وكانوا مسلحين بالبنادق والرماح، وساروا قاصدين دمياط، فقتلوا الحراس المرابطين فى المخافر الأمامية للمدينة، وظل القتال متواصلا ليلة 16 سبتمبر، إلى أن رتب الجنرال فيال قواته فتحول موقفه من الدفاع إلى الهجوم، وتمكن من التغلب على الثوار، وردهم على أعقابهم بعدما كبدهم خسائر جسيمة.
يضيف «الرافعى» أن معظم الثوار انسحبوا إلى شاطئ البحيرة، فركبوا السفن التى تنتظرهم، واتجهت فرقة منهم إلى قرية الشعراء فتحصنوا بها، وهذه القرية من دمياط على مرمى المدفع، فاتخذها الثوار معسكرا لهم وجاءهم المدد من بحيرة المنزلة، وفى خلال ثورة دمياط قام أهالى عزبة البرج وثاروا بالحامية الفرنسية فقتلوا من أدركوهم من رجالها، ولما علموا فى اليوم التالى أن ثورة دمياط أخمدت، وأن الفرنسيين لا بد آتون للاقتصاص منهم أخلوا البلدة بعيالهم ونسائهم، وانحدروا فى المراكب قاصدين إلى سواحل سوريا، وأنفذ الجنرال فيال حملة على تلك البلدة فوجدتها خالية من السكان فنهبتها وأحرقتها وعادت إلى دمياط.
بعد ما فعله الفرنسيون مع قرية «عزبة البرج» جاء الدور على قرية «الشعراء»، ويذكر «الرافعى» أن الجنرال فيال تشجع بالمدد الذى جاءه من المنصورة، وبحضور الجنرال «أندريوسى» الذى أوفده نابليون ليوطد سلطة الجمهورية فى تلك البلاد، فتقدم الفرنسيون فى 20 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1798 للاستيلاء على الشعراء، وكان يدافع عنها نحو ألف وخمسمائة من الثوار تحميهم بحيرة المنزلة من جانب، ونهر النيل من جانب آخر، فاقتحم الجنود القرية، واستولوا عليها عنوة، ونهبوها وأضرموا فيها النار، واستولوا على مدفعين للأهالى وعلى السفن التى كانت على مقربة من الشعراء، وخسر الثوار فى هذه المعركة نحو خمسين قتيلا، وخسر الفرنسيون نحو اثنى عشر قتيلا وثلاثين جريحا.