في أقصى جنوب الأرض، حيث تمتد القارة القطبية الجنوبية خلف آلاف الكيلومترات من المحيطات، تتشكل أزمة مناخية بطيئة لا يمكن رؤيتها بسهولة بالعين المجردة، لكنها قد تصل آثارها في النهاية إلى المدن الساحلية والموانئ والشواطئ في مختلف أنحاء العالم. وفي قلب هذه الأزمة يقف نهر ثويتس الجليدي في غرب أنتاركتيكا، الذي اكتسب لقب «نهر القيامة» بسبب الدور الذي يلعبه داخل واحدة من أكثر المناطق الجليدية حساسية على الكوكب.
ثويتس ليس مجرد كتلة ضخمة من الجليد تتحرك ببطء نحو البحر، بل يمثل أحد المفاتيح المهمة لفهم مستقبل الغطاء الجليدي لغرب أنتاركتيكا. وتبلغ مساحته نحو 192 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب مساحة بريطانيا أو ولاية فلوريدا، كما أن موقعه يجعله شديد الحساسية للتغيرات في المحيط والغلاف الجوي.
وتزداد خطورته لأن الجليد المحيط به يعمل جزئيًا كحاجز أمام تدفق الكتلة الجليدية الداخلية. ومع استمرار التراجع وفقدان هذا الدعم، يمكن أن تتغير سرعة تدفق الجليد نحو المحيط.
65 سنتيمترًا.. الرقم الذي يفسر شهرة نهر القيامة
إذا انهار ثويتس بالكامل، فإن كمية الجليد التي يخزنها يمكن أن ترفع متوسط مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 65 سنتيمترًا. لكن هذا الرقم لا يعني أن البحار سترتفع بهذا المقدار خلال سنوات قليلة أو بعد انهيار مفاجئ؛ فهو يمثل التأثير المحتمل على مدى زمني طويل، ويكشف في الوقت نفسه عن حجم المياه الهائل المحبوس داخل هذا النهر الجليدي
وتكمن المشكلة في أن ثويتس بالفعل يفقد الجليد ويتراجع، وقد تسارع تراجعه بصورة ملحوظة خلال العقود الأربعة الماضية، ووفق التعاون الدولي لأبحاث ثويتس، فإن الانهيار الكامل خلال العقود المقبلة غير مرجح، لكن التراجع مرشح للاستمرار بوتيرة أسرع خلال القرنين الحادي والعشرين والثاني والعشرين، بينما لا يمكن استبعاد انهيار أوسع للغطاء الجليدي لغرب أنتاركتيكا على المدى الطويل.
الخطر لا يأتي من المحيط وحده
وليس المحيط هو العامل الوحيد الذي يثير قلق العلماء. فالغلاف الجوي نفسه يستطيع نقل موجات استثنائية من الحرارة والرطوبة إلى القارة المتجمدة من خلال ما يعرف بـ«الأنهار الجوية»، وهي ممرات طويلة وضيقة من بخار الماء تتحرك عبر مسافات هائلة.
وقد لعب نهر جوي قوي دورًا رئيسيًا في موجة الحرارة التاريخية التي ضربت شرق أنتاركتيكا في مارس 2022، عندما سجلت أجزاء واسعة من القارة انحرافات حرارية وصلت إلى عشرات الدرجات فوق المعدلات المعتادة.
وتزداد أهمية هذه الظاهرة لأن الحرارة والرطوبة والغيوم يمكن أن تغير ميزان الطاقة فوق القارة، بينما يعمل المحيط الدافئ من الأسفل على التأثير في الأجزاء العائمة من الأنهار الجليدية.
وهكذا لا تتحرك الأزمة في اتجاه واحد؛ فهناك الغلاف الجوي من الأعلى والمحيط من الأسفل، وبينهما أنهار جليدية ضخمة تحمل في داخلها كميات هائلة من المياه.
إنذار جديد: الجليد قد يواصل خسارته حتى دون ذوبان المحيط
وتأتي أحدث الدراسات لتضيف طبقة أخرى إلى المخاوف. فقد أظهرت دراسة نُشرت في يوليو 2026 أن ثويتس يمكن أن يواصل فقدان الجليد لنحو 150 عامًا حتى في سيناريو افتراضي أزيل فيه ذوبان المحيط تمامًا، وإن كان معدل فقدان الجليد يتراجع تدريجيًا.
وتشير النتيجة إلى أن النظام الجليدي لا يستجيب فورًا لتغير عامل واحد، إذ يمكن أن تستمر آثار التغيرات السابقة في التأثير على حركة الجليد وتوازنه لفترات طويلة. وهذا يجعل التعامل مع ثويتس أكثر تعقيدًا من مجرد تبريد المياه المحيطة به.
كما أظهرت أبحاث سابقة أن المياه الدافئة القادمة من بحر أموندسن تستطيع الوصول إلى المنطقة الواقعة أسفل الجرف الجليدي العائم، بينما كشفت بعثات علمية عن قنوات عميقة تساعد المياه المحيطية على الوصول إلى مناطق حساسة قرب خط ارتكاز الجليد.
11.3 تريليون طن.. الجليد الذي فقده القطبان بالفعل
لكن ثويتس ليس القصة كلها. ففي أحدث مؤشر على حجم التحول الذي يحدث في المناطق القطبية، أظهرت دراسة واسعة اعتمدت على بيانات 27 مهمة فضائية أن جرينلاند وأنتاركتيكا فقدتا معًا نحو 11.3 تريليون طن من الجليد بين عامي 1979 و2023.
وساهم هذا الفقد بالفعل في رفع مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 3.14 سنتيمتر. والأكثر دلالة أن معدل فقدان الجليد تسارع بصورة كبيرة منذ تسعينيات القرن الماضي، بينما تشير الدراسة إلى أن نحو 84% من الخسارة نتج عن تسارع تدفق الأنهار الجليدية نحو المحيط، وليس فقط عن ذوبان الأسطح.
كما أدى هذا الارتفاع بالفعل إلى زيادة عدد الأشخاص المعرضين لخطر الفيضانات الساحلية السنوية بملايين الأشخاص، وفق نتائج الدراسة التي قدرت أن نحو 6 إلى 9 ملايين شخص إضافي أصبحوا معرضين لهذا الخطر نتيجة ارتفاع مستوى البحر المرتبط بفقدان الجليد.
الخطر الحقيقي ليس «غدًا».. بل ما يتراكم ببطء
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة للقلق: لا يقول العلماء إن ثويتس سينهار غدًا، ولا تشير أحدث النتائج إلى انهيار كامل وشيك خلال سنوات قليلة. لكن ذلك لا يعني أن الخطر بعيد أو يمكن تجاهله.
فالجليد الذي يختفي اليوم لا يعود بسهولة، والتراجع الذي يبدأ في منطقة حساسة يمكن أن يعيد تشكيل حركة الجليد لعقود أو قرون، ومع استمرار ارتفاع حرارة المحيط والغلاف الجوي، يمكن أن تتعرض أجزاء أكبر من النظام الجليدي لضغوط متزايدة.
وثويتس نفسه جزء من منظومة أكبر؛ فالغطاء الجليدي لغرب أنتاركتيكا يحتوي على كميات هائلة من الجليد، وإذا تطورت خسارة الجليد في المنطقة إلى انهيار واسع النطاق، فإن التأثير على مستوى سطح البحر سيكون أكبر بكثير من تأثير نهر جليدي واحد.
نهر القيامة يتحول إلى إنذار طويلة المدى للعالم
ولهذا يتحول «نهر القيامة» إلى إنذار طويل المدى للعالم: ما يحدث في القارة المتجمدة لا يبقى محصورًا تحت الثلوج. فكل طن من الجليد يصل إلى المحيط يضيف جزءًا من الماء إلى منظومة البحار، وكل تراجع جديد يرفع المخاطر التي تواجه المدن الساحلية والموانئ والبنية التحتية والشواطئ.
في أنتاركتيكا، قد يبدو الزمن بطيئًا، وقد يستغرق التغير سنوات أو عقودًا قبل أن يصبح واضحًا، لكن الجليد لا ينسى بسهولة ما تعرض له. وبين المحيطات الدافئة والأنهار الجوية وموجات الحرارة المتطرفة، يواصل ثويتس التراجع، بينما يراقب العلماء سؤالًا واحدًا: إلى أي مدى يمكن أن تمتد هذه الأزمة قبل أن يصبح ثمنها واضحًا على سواحل العالم؟