لم يكن فادي العمصي يتخيل أن لحظة واحدة يمكن أن تقسم حياته إلى نصفين، حياة عاشها قبل القصف، وأخرى بدأت بعده، محملة بالألم والخوف وأسئلة كثيرة عن المستقبل، في لحظة لم تمنحه وقتا ليستوعب ما يحدث، تغير كل شيء من حوله، ولم يعد فادي ذلك الرجل الذي يعرفه أطفاله، بعدما انتهى القصف بإصابته وبتر إحدى قدميه، إلى جانب معاناته من مشكلات في الأعصاب.
النجاة من الموت
نجا فادي من الموت، لكنه لم يخرج من تلك اللحظة كما دخلها، ترك القصف في جسده إصابة سترافقه طويلا، وترك في نفسه خوفا لا يفارقه، فمنذ ذلك اليوم، أصبح عليه أن يتعلم كيف يعيش بجسد مختلف، ويتعامل مع الألم، ويواجه تفاصيل الحياة اليومية التي كانت في السابق أمورا عادية، لكنها أصبحت الآن أكثر صعوبة وقسوة.
أصعب ما في حكايته ليس فقط فقدان قدمه، ولا الألم الذي يعانيه، ولا حتى حاجته إلى استكمال علاجه، الأصعب بالنسبة إليه هو التفكير في أطفاله، ففادي أب، وأطفاله بالنسبة إليه ليسوا مجرد أفراد من أسرته، بل السبب الذي يجعله يتمسك بالحياة في كل مرة يشعر فيها بأن الألم أكبر من قدرته على الاحتمال، يتخيلهم وهم ينتظرون عودته، يبحثون عنه، ويتمنون أن يروا والدهم قادرا على الوقوف إلى جانبهم من جديد.
فادي العمصي
طفل ينتظر أباه
طفل ينتظر أباه، وأب يحاول أن يبقى حيا من أجل أطفاله، وبعد الإصابة، بدأت معركة أخرى لا يعرف فادي متى تنتهي، معركة الوصول إلى العلاج، فحالته تحتاج إلى متابعة ورعاية طبية، لكنه يواجه صعوبة كبيرة في الحصول على ما يحتاج إليه داخل غزة، في ظل الظروف الصحية والإنسانية القاسية التي يعيشها القطاع.
أصبح الخروج من غزة لاستكمال علاجه بالنسبة إليه أكثر من مجرد سفر، فهو يرى فيه فرصة لاستعادة شيء من حياته التي تغيرت بعد الإصابة، وفرصة للحصول على الرعاية التي يحتاج إليها، وربما فرصة لأن يتمكن من مواجهة ما تبقى من آثار القصف.
البحث عن علاج
فادي لا يتحدث عن أحلام كبيرة، لا يطلب حياة مترفة، ولا يبحث عن رفاهية، كل ما يريده هو أن يحصل على فرصة للعلاج، ويتمكن من الخروج من غزة، ويجد الأطباء والرعاية التي تساعده على التعامل مع إصابته ومشكلاته الصحية.
وفي الوقت نفسه، يحمل فادي هما آخر لا يقل قسوة، أطفاله الذين يحتاجون إليه، والذين أصبح مستقبلهم مرتبطا بقدرته على البقاء والصمود، حيث يقول في مناشدته: "ساعدوني على الخروج من غزة لاستكمال علاجي، وساعدوا أطفالي الذين لا يملكون بعد الله إلا أهل الخير".
خلف هذه الكلمات أب يحاول أن يبدو قويا، رغم أن داخله ممتلئ بالخوف، يخشى أن يطول انتظاره للعلاج، وتتفاقم حالته، ويصبح أكثر عجزا عن القيام بما اعتاد القيام به من أجل أسرته، كما يخشى أن يكبر أطفاله وهم يتذكرون أباهم باعتباره الرجل الذي أصابته الحرب، بدلا من أن يتذكروا وجوده بينهم، واحتضانه لهم، وطمأنته التي كانوا يجدونها في قربه.
لم يختر فادي أن يفقد قدمه، ولم يختر أن تصبح حياته معلقة بين الإصابة والحاجة إلى العلاج، لكنه اليوم يحاول أن يتعامل مع واقع فرض عليه، ويجد لنفسه ولأطفاله طريقا إلى النجاة، وربما لا يستطيع أن يعيد الزمن إلى الوراء، ولا أن يمحو لحظة القصف من ذاكرته، لكنه ما زال يملك شيئا واحدا، الأمل.
أمل في أن يسمع أحد صوته، وتصل مناشدته إلى من يستطيع مساعدته، ويحصل على فرصة للخروج واستكمال علاجه، قبل أن تصبح إصابته أكثر تعقيدا، وقبل أن تزداد معاناته ومعاناة أسرته.
فادي لا يطلب أن تعود حياته كما كانت تماما، فهو يعرف أن ما حدث ترك أثرا لن يمحى بسهولة، لكنه يريد أن يمنح نفسه فرصة ليبدأ من جديد، ويتعلم كيف يعيش بإصابته، ويكون قريبا من أطفاله، ويمنحهم شعورا بأن والدهم ما زال موجودا من أجلهم.
فقد فادي قدمه تحت القصف، لكنه يخشى أن يفقد شيئا أكبر إذا طال الانتظار، قدرته على أن يكون أبا حاضرا في حياة أطفاله، ولهذا يرفع صوته اليوم، لا بحثا عن الشفقة، وإنما طلبا للمساعدة.