حين نتحدث عن العلاقات المصرية السعودية، فإن السياسة والاقتصاد يأتيان عادة في مقدمة الصورة، لكن هناك مساحة أخرى ربما كانت أكثر هدوءًا، وأبعد عن صخب الأخبار اليومية، لكنها ظلت حاضرة بقوة على امتداد عقود، وهي الثقافة.
فالكتاب الذي انتقل من القاهرة إلى الرياض، والشاعر الذي وجد في القاهرة مساحة للقاء والتفاعل، والمثقف السعودي الذي كانت له صلات بالمشهد الثقافي المصري، والفنان المصري الذي ترك حضوره في وجدان الجمهور السعودي، كلها تفاصيل صنعت بمرور الوقت علاقة ثقافية لم تكن مجرد اتفاقيات وبروتوكولات، وإنما علاقة إنسانية ومعرفية نشأت من التقارب بين شعبين تجمعهما روابط كثيرة.
ولعل ما يميز هذه العلاقة أن الثقافة لم تكن في حاجة إلى أن تبدأ من نقطة الصفر في كل مرحلة، فهناك رصيد طويل من التواصل سبق المؤسسات والاتفاقيات، ثم جاءت المؤسسات الثقافية لاحقا لتمنح هذا التواصل أطارا أكثر تنظيما واتساعا.
لفترات طويلة كانت القاهرة واحدة من أهم المحطات التي يقصدها المثقفون والأدباء والدارسون من مختلف أنحاء العالم العربي، ولم تكن المملكة العربية السعودية بعيدة عن هذا المشهد.
وتشير مصادر سعودية رسمية مثل هيئة النشر والأدب والترجمة بالسعودية، إلى أن العلاقات الثقافية السعودية المصرية لها جذور تاريخية، وأن التواصل المبكر بين البلدين شمل مجالات الأدب والإعلام والموروث الثقافي، وهو ما يؤكد أن العلاقة لم تكن وليدة السنوات الأخيرة، وإنما تشكلت عبر حركة مستمرة من التواصل المعرفي والثقافي.
وفي هذا السياق، لم يكن حضور الثقافة السعودية في القاهرة مجرد مشاركة عابرة في مناسبة، بل ارتبط بالكتاب والنشر والندوات والصالونات الثقافية، بينما ظل المثقف المصري حاضرا في المشهد السعودي من خلال المؤلفات والندوات والفعاليات الأدبية والفكرية.
الكتاب أحد أقدم جسور التواصل
ربما كان الكتاب هو أكثر الوسائل التي حافظت على استمرارية هذا التواصل، فمعرض القاهرة الدولي للكتاب، على سبيل المثال، لم يكن مجرد سوق للكتب، وإنما تحول على مدار السنوات إلى مساحة يلتقي فيها المثقفون والناشرون والقراء من مختلف أنحاء العالم العربي، وكان الحضور السعودي جزءا ثابتا من هذا المشهد، بما يحمله من إصدارات وندوات وفعاليات تعرّف الجمهور المصري بجوانب مختلفة من الحياة الثقافية في المملكة.
وفى دورات المعرض، يشهد البرنامج الثقافي السعودي فعاليات تناولت بصورة مباشرة العلاقات الثقافية بين البلدين، من بينها ندوة عن "مصر والسعودية في الذاكرة الثقافية"، وأخرى حول الأدب السعودي بأقلام نقاد مصريين، بما يعكس طبيعة العلاقة التي لم تكتف بعرض الكتب، وإنما فتحت بابا للنقاش حول الأدب السعودي داخل الوسط الثقافي المصري.
وفي السنوات الأخيرة، استمر هذا الحضور بصورة واضحة، ففي معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، شاركت جهات ومؤسسات سعودية متعددة، من بينها مكتبة الملك فهد الوطنية ومركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري وهيئة الأدب والنشر والترجمة، إلى جانب مؤسسات أخرى، فيما قدم الجناح السعودي برامج وإصدارات ومبادرات مرتبطة بالكتاب والترجمة والتواصل الحضاري.
من الكتاب إلى الترجمة
ومع اتساع حركة النشر في البلدين، لم تعد العلاقة الثقافية محصورة في انتقال الكتاب من بلد إلى آخر، وإنما أصبحت الترجمة أحد مساراتها المهمة.
فالمشهد الثقافي السعودي الجديد يشهد اهتماما متزايدا بصناعة النشر والترجمة، وهو ما يفتح مساحة أكبر أمام الأدب السعودي للوصول إلى القارئ العربي، وفي مقدمه القارئ المصري، كما يتيح في المقابل للأدب والإبداع المصريين الوصول إلى الجمهور السعودي من خلال قنوات نشر وفعاليات جديدة.
وقالت هيئة الأدب والنشر والترجمة بالسعودية خلال دورة معرض القاهرة الدولي للكتاب الماضية 2026، أن الهيئة تسعى من خلال المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى رفع مستوى الوعي بالموروث الثقافي السعودي، وإبراز عمقه المعرفي بوصفه مكوّنًا أصيلًا من هوية المملكة الثقافية وتنوعها، إلى جانب التعريف بالإنتاج الفكري والأدبي المحلي وما يشهده من تطور وحراك متجدد.
وأوضح أن الهيئة تعمل من خلال هذه المشاركة على التعريف ببرامجها ومبادراتها في مجالات الأدب والنشر والترجمة، ودعم حضور دور النشر والأدباء السعوديين في المحافل الدولية، وإبراز أثرهم عالميًا، بما يعكس تنوع المشهد الثقافي في المملكة وثراء منجزه الإبداعي.
وأشار إلى أن المعرض يشكل منصة مهمة للتواصل والتبادل المعرفي بين الناشرين والمثقفين من مختلف دول العالم، بما يسهم في توسيع آفاق التعاون الثقافي، وتعزيز حضور المملكة على الساحة الأدبية الإقليمية والدولية.
وتعكس مشاركة المملكة في معرض القاهرة الدولي للكتاب تكامل المشهد الثقافي الوطني، حيث تضم عشر جهات حكومية، تقودها هيئة الأدب والنشر والترجمة، وبمشاركة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، والملحقية الثقافية السعودية في جمهورية مصر العربية، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ومكتبة الملك فهد الوطنية، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والمرصد العربي للترجمة، والمختبر السعودي للنقد، وجمعية النشر.
كما تشمل مشاركة المملكة برنامجًا ثقافيًا مصاحبًا، تنظمه هيئة الأدب والنشر والترجمة، ويجمع نخبة من الأدباء والمثقفين السعوديين، من خلال ندوات أدبية وثقافية وأمسيات شعرية، تحتفي بالحراك الثقافي السعودي المعاصر، وتبرز فاعلية حضوره وتأثيره في المشهد الثقافي العربي، بما يسهم في إثراء الحوار الثقافي وتوسيع آفاق التفاعل مع جمهور المعرض
وتأتي هذه المشاركة في سياق حرص المملكة على تعزيز حضورها الثقافي في كبرى معارض الكتاب العربية والدولية، ودعم صناعة النشر، وتوسيع جسور التعاون الثقافي والمعرفي مع مختلف دول العالم.
الفن ذاكرة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة
لكن العلاقات الثقافية المصرية السعودية لا يمكن اختزالها في الكتاب وحده، فالفن المصري، بما له من حضور تاريخي واسع في العالم العربي، كان واحدا من أبرز عناصر الحضور الثقافي المصري في السعودية، من السينما والمسرح إلى الموسيقى والغناء.
وفي المقابل، شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة حركة ثقافية وفنية واسعة، دفعت إلى ظهور فرص جديدة للتعاون مع المؤسسات والفنانين المصريين، في وقت أصبحت فيه السعودية تستضيف عددا متزايدا من الفعاليات الفنية والثقافية الكبرى.
وهنا تغيرت طبيعة العلاقة نفسها، فلم يعد الأمر متعلقا بحضور فنان مصري في مناسبة سعودية أو مشاركة فنان سعودي في فعالية مصرية، وإنما أصبح التعاون أكثر اتساعا، وبدأ يأخذ شكل مشروعات وبرامج وشراكات بين المؤسسات.
وهذا ما ظهر بوضوح في اللقاءات الرسمية التي بحثت تطوير التعاون الثقافي والفني بين البلدين، حيث جرى التأكيد على أهمية الثقافة والفنون باعتبارهما أحد روافد التواصل الحضاري والإبداع العربي المشترك.
ومن هنا تبدو الحكاية أكبر من مجرد تعاون بين وزارتين أو مؤسستين، إنها علاقة بين ذاكرة شعبين، تتغير أدواتها مع الزمن، لكن يبقى فيها الكتاب حاضرا، والشعر حاضرا، والفن حاضرا، والأهم أن تبقى مساحة اللقاء مفتوحة.