لم يعد الترند على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد انعكاس لما يشغل الناس، فخلف بعض الموضوعات التي تظهر فجأة في صدارة المشهد، تعمل خوارزميات تراقب التفاعل وتعيد ترتيب المحتوى وفقًا لما يجذب المستخدمين ويحقق أكبر قدر من المشاهدات والتعليقات والمشاركات. وهنا تظهر مشكلة أكثر خطورة: ماذا لو كان هذا التفاعل نفسه غير حقيقي؟
أصبحت معركة التأثير على السوشيال ميديا لا تعتمد فقط على نشر معلومة صحيحة أو خاطئة، وإنما تعتمد أيضًا على القدرة على دفع الخوارزمية إلى اعتبار محتوى معين «مهمًا»، ثم تقديمه إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين. ومع تكرار المشاهدة والتعليق والمشاركة، قد يبدو الموضوع وكأنه قضية رأي عام، رغم أن بدايته كانت محدودة أو مصطنعة.
التفاعل الوهمي يصنع شعورًا زائفًا بالأغلبية
يمكن للحسابات الوهمية والروبوتات وشبكات التفاعل المنظم أن تساهم في رفع منشور أو هاشتاج خلال فترة قصيرة، خصوصًا عندما تتزامن مع حسابات حقيقية تعيد نشر المحتوى دون التحقق من مصدره.
المشكلة هنا أن المستخدم العادي يرى آلاف التعليقات والمشاركات، فيفترض تلقائيًا أن «الجميع يتحدث عن الأمر»، وقد يتعامل معه باعتباره حقيقة أو اتجاهًا عامًا. وهكذا تتحول الأرقام من مجرد مؤشرات على التفاعل إلى أداة للتأثير في الوعي.
والأخطر أن الخوارزمية لا تعرف بالضرورة الفرق بين التفاعل الناتج عن اهتمام حقيقي والتفاعل الذي جرى تنظيمه بهدف صناعة الانتشار، فهي في الأساس تقيس سلوك المستخدمين وتحاول توقع المحتوى الذي سيُبقيهم على المنصة وقتًا أطول.
من يصنع الترند.. المستخدم أم الخوارزمية؟
في الواقع، أصبح الطرفان جزءًا من المعادلة، لكن الخوارزمية تمتلك قدرة كبيرة على تضخيم موضوعات معينة. فقد يبدأ منشور محدود الانتشار، ثم يحقق معدل تفاعل مرتفعًا خلال وقت قصير، فتمنحه المنصة مساحة أكبر، ويشاهده مستخدمون جدد، فيزداد التفاعل، ثم يُعاد دفعه إلى مزيد من المستخدمين.
هذه الدائرة قد تصنع «ترندًا»، حتى قبل أن تتأكد الأغلبية من صحة المعلومات المتداولة.
وهنا لا تكمن المشكلة في الخوارزميات وحدها، وإنما في غياب الوعي بكيفية عملها، وفي تعامل بعض المستخدمين مع عدد المشاهدات والإعجابات باعتباره دليلًا على صحة المعلومة.
الحل يبدأ من فهم اللعبة
تحتاج الدولة إلى دعم جهود رصد حملات التلاعب الرقمي، خاصة عندما ترتبط المعلومات المضللة بقضايا تمس الأمن المجتمعي أو الاقتصاد أو الصحة أو الاستقرار العام، مع وجود قنوات واضحة وسريعة للتواصل مع منصات التواصل والإبلاغ عن الحسابات والشبكات التي تمارس التلاعب المنظم.
ويحتاج الإعلام إلى عدم التعامل مع الترند باعتباره خبرًا في حد ذاته، وإنما البحث أولًا عن مصدره وحجم انتشاره الحقيقي، وتوضيح ما إذا كان الحديث يدور حول قضية واسعة بالفعل أم مجرد موجة تفاعل مصطنعة.
أما منصات التواصل، فعليها زيادة الشفافية بشأن آليات التوصية، وتشديد إجراءات مواجهة الحسابات الآلية وشبكات التفاعل الوهمي، وإتاحة أدوات أكثر وضوحًا للمستخدمين لفهم سبب انتشار محتوى معين أمامهم.
ويبقى المواطن هو خط الدفاع الأول؛ فلا يجب أن يتحول زر «مشاركة» إلى وسيلة لصناعة ترند لا نعرف من بدأه ولماذا انتشر.
في النهاية، ليس كل ما يتصدر الشاشة رأيًا عامًا، وليس كل رقم كبير دليلًا على الحقيقة. ففي عصر الخوارزميات، قد لا تكون المعركة حول من يملك المعلومة فقط، وإنما حول من يملك القدرة على دفعها إلى مقدمة المشهد.