أصبح فيلم "الأوديسة" للمخرج كريستوفر نولان ثانى فيلم هذا العام، والعاشر فى تاريخ شباك التذاكر الكورى، الذى يستقطب أكثر من 10 ملايين مشاهد، ولم يتوقف الزخم الكبير الذى حققه الفيلم عند دور العرض، بل امتد إلى المكتبات، ليعيد إحياء الاهتمام بواحدة من أقدم الملاحم الأدبية فى التاريخ.
ووفقا لمركز كيوبو للكتاب، أحد أكبر سلاسل المكتبات فى كوريا، حققت الكتب المرتبطة بملحمة "الأوديسة" مبيعات بلغت نحو 31 ضعف ما حققته خلال الشهر نفسه من العام الماضى، كما ارتفعت مبيعات الكتب التى تحمل كلمة "الأوديسة" فى عناوينها بنسبة 940.9% مقارنة بالشهر السابق، وبنسبة 2984.8% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضى، بينما زادت مبيعات الكتب التى تتناول الأساطير اليونانية بنسبة 84.3% شهريا و33.5% سنويا، بحسب koreaherald.

لماذا تلقى الأوديسة صدىً لدى الكوريين؟
من كتب الأطفال إلى القراء البالغين
ظهر هذا التحول أيضا فى نوعية الكتب التى يتجه إليها القراء، ففى أغسطس الماضى، كانت الكتب العشرة الأكثر مبيعا من دار كيوبو والمرتبطة بملحمة "الأوديسة" جميعها من كتب الأطفال التى تتناول الأساطير اليونانية والرومانية، أما فى الشهر الماضى، فقد تصدرت ترجمات الملحمة والكتب التمهيدية الموجهة للبالغين قائمة الكتب الأكثر مبيعا، فى تحول واضح من القراءة الموجهة للأطفال إلى الاهتمام بالعمل الأصلى بين الكبار.
وقال مسؤول فى مركز كيوبو للكتاب: "أدى عرض الفيلم إلى زيادة ملحوظة فى محاولات رواد السينما قراءة أعمال هوميروس الأصلية بأنفسهم، ويبدو أن الاهتمام الذى كان محصورا إلى حد كبير فى كتب الأساطير الموجهة للأطفال يتوسع ليشمل القراءة الجادة للأعمال الكلاسيكية بين القراء البالغين".
الأساطير اليونانية وجيل الألفية
لا تمثل الكلاسيكيات الغربية والأساطير اليونانية محورا أساسيا فى المناهج الدراسية الكورية، إلا أن "الأوديسة" ظلت حاضرة بشكل مألوف فى الثقافة الشعبية الكورية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى سلسلة القصص المصورة الشهيرة الموجهة للأطفال، "الأساطير اليونانية والرومانية فى القصص المصورة".
ونشرت دار غانا للنشر فى نوفمبر 2000 سلسلة القصص المصورة التعليمية المكونة من 20 مجلدا، والتى رسمتها هونغ إيون يونغ، وقدمت لأجيال من الأطفال الكوريين الآلهة والأبطال والوحوش الواردة فى الأساطير اليونانية، وبلغت مبيعاتها أكثر من 1.2 مليون نسخة بحلول عام 2022، وأصبحت هذه الكتب، التى نفدت طبعاتها حاليا، مقتنيات مرغوبة، حيث يقال أن نسخ الطبعة الأولى منها تباع بأكثر من مليون وون فى سوق الكتب المستعملة.
وربما ساعدت هذه الألفة السابقة فيلم نولان على الوصول سريعا إلى جمهور من الشباب الكوريين، وقال كيم هيون سيك، ناقد الثقافة الشعبية: "لقد خلقت القصص المصورة عن الأساطير اليونانية والرومانية بالفعل قاعدة اهتمام قوية، مما جعل القصة مألوفة ويمكن الوصول إليها عبر الأجيال"، وأشار كيم أيضا إلى أهمية الفيلم فى العصر الحديث، موضحا أن تركيزه على الحرب والتوبة يثير تساؤلات مهمة حول العالم اليوم.
وأضاف: "إن رحلة أوديسيوس لإعادة اكتشاف هويته، إلى جانب قصة شخص ينتظره لسنوات، تدعو الجمهور أيضا إلى إعادة النظر فى القيم الدائمة للإيمان والثقة".
لماذا لا تزال الأوديسة حاضرة؟
يشير الارتفاع الكبير فى الطلب على الكتب إلى أن الجمهور يبحث عن معنى أعمق فى عمل أدبى صمد لما يقرب من 3 آلاف عام، ولم يعد الاهتمام به مرتبطا فقط بالوحوش والآلهة والمغامرات التى تتضمنها الحكاية، ومن بين الترجمات الكورية العديدة لملحمة "الأوديسة"، حظيت أحدث ترجمة باهتمام خاص، إذ صدرت ترجمة كاملة جديدة بقلم كيم هيون، الأستاذ فى معهد الدراسات الإنسانية بجامعة سيول الوطنية، فى 4 أغسطس، وباعت أكثر من 50 ألف نسخة خلال أقل من شهر.
وأصبح كيم أحد أبرز الباحثين فى الأدب الكلاسيكى الغربى، فيما ساهم فيلم نولان فى تحويل الأدب الكلاسيكى إلى موضوع للنقاش الثقافى، وبالنسبة إلى كيم، تكمن القوة المستمرة للعمل الكلاسيكى فى الأسئلة التى يتركها وراءه، وقال: "فى عصر الذكاء الاصطناعى، لا تكمن الأهمية فى الإجابات بل فى القدرة على طرح الأسئلة، فالأعمال الكلاسيكية تساعدنا على تنمية القدرة على طرح الأسئلة بدلا من مجرد إعطائنا الإجابات".
ولهذا، فإن "الأوديسة" ليست مجرد حكاية عن الوحوش والآلهة والمغامرات الاستثنائية، بل تطرح أسئلة جوهرية حول الإنسان ومكانه والطريق الذى يفترض أن يسلكه، من بينها: من أنا؟ أين أنا؟ وإلى أين يفترض بى أن أذهب؟ وتطرح الملحمة أسئلة بسيطة لكنها ممتدة فى معناها: ما هو الوطن؟ وبعد عودتى بعد 20 عاما، هل ما زلت الشخص نفسه؟
ويرى كيم أن كل إنسان يسير فى طريق العودة إلى موطنه الأصلى، وأن "الأوديسة" تمثل رحلة لاستعادة هوية مفقودة، وفى الوقت نفسه بناء هوية جديدة، وأضاف أن نولان أيضا "استخلص أسئلة من العمل الأصلى حول ما تحتاجه أوقاتنا وقدم إجاباته الخاصة من خلال الفيلم".
ويبقى السؤال: هل لدى أنا أيضا إيثاكا أعود إليها؟ ففى اللحظة التى يشعر فيها الإنسان بذلك، تصبح "الأوديسة" قصته الخاصة، لأن الجميع متورطون فى أمور ربما لم يختاروها، لكن عليهم إكمالها قبل أن يتمكنوا أخيرا من العودة إلى المكان الذى ينتمى إليهم.