ربما كانت قيمة التنظيم الدولي في العقود الماضية مرهونة، في جزء كبير منها، بحجم العضوية وثقل الأعضاء، فكلما زاد عدد الدول المنضمة إليه، واتسع نفوذها، كان ذلك من شأنه إضافة المزيد من القوة والتماسك إلى التنظيم. إلا أن ثمة تحولات كبيرة ضربت هذا المشهد التقليدي خلال السنوات الماضية، حيث بات اتساع العضوية في بعض الأحيان عبئا أكثر منه ميزة، في ضوء ما قد يمثله تمدد التنظيم من تهديد مباشر لخصومه، بما يفتح الباب أمام المزيد من الصراعات والمواجهات.
وفي المقابل، لم يعد التشابه بين الدول الأعضاء في مواقعها وقدراتها وأدوارها يمثل بالضرورة مصدر قوة، إذ قد يمنح التنظيم قدرة أكبر على التماسك وتنسيق المواقف، لكنه يظل عاجزا عن أداء وظائف لا يمتلك أي من أعضائه أدواتها، وهنا ربما لم يعد التساؤل مقتصرا على ماهية ما يقدمه التنظيم إلى أعضائه، وإنما يمتد إلى ما يمكن أن يقدمه كل عضو إلى التنظيم لخدمة العمل الجمعي.
والواقع أن نموذج "بريكس" يعد الأبرز فيما يتعلق بالتركيبة الجديدة للتنظيمات الدولية، حيث لا تبدو قيمة التوسع في العضوية مرهونة بمجرد إضافة دول جديدة إلى التجمع، بقدر ما ترتبط بما يمكن أن تضيفه كل دولة إلى قدرته على الحركة، وما تستطيع القيام به من وظائف تصب في خدمة العمل الجمعي. وهنا يبرز ما يمكن تسميته بـ"التكامل الوظيفي"، فالعبرة ليست فقط فيما تمتلكه الدول من أصول، سواء كانت موقعا جغرافيا أو إمكانات عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو سلاسل إمداد وتكنولوجيا، وإنما في الكيفية التي يمكن بها توظيف هذه الأصول لخدمة التنظيم وتعزيز قدرته على تحقيق أهدافه.
إلا أن التكامل الوظيفي لا يعني في جوهره توظيف ما تمتلكه الدولة من أصول لصالح التنظيم، بقدر ما يقوم على علاقة تبادلية، تتحول فيها قدرات الدولة إلى إضافة للعمل الجمعي، بينما يمنحها التنظيم في المقابل مساحة أوسع لتشغيل هذه القدرات وتعظيم العائد منها، فكلما ازدادت حاجة الأعضاء إلى الوظيفة التي تستطيع دولة بعينها القيام بها، ارتفعت قيمتها داخل التنظيم، وتحولت العضوية من مجرد مساحة للحصول على المزايا التي يقدمها إلى أداة لتعظيم قيمة ما تمتلكه الدولة بالفعل.
ومن هذا المنظور، تبدو عضوية مصر في "بريكس" نموذجا مهما لفكرة التكامل الوظيفي، ليس فقط بالنظر إلى ما تمتلكه مصر من مقومات اقتصادية وسياسية وجغرافية، وإنما لقدرتها على تحويل هذه المقومات إلى وظائف تتقاطع مع احتياجات دول التجمع، في الوقت الذي تتيح فيه العضوية للقاهرة توسيع نطاق الاستفادة من أصولها، عبر شبكة أكبر من الشراكات والمصالح المتبادلة.
فالموقع الجغرافي، على سبيل المثال، يمثل أحد الأصول التي يمكن لمصر تحويلها إلى وظيفة داخل التجمع، في ظل وقوعها على أحد أهم مسارات التجارة بين الاقتصادات الآسيوية والأسواق الأوروبية والأفريقية، إلا أن العائد المصري لا يتوقف هنا عند خدمة حركة التجارة بين دول "بريكس"، وإنما في توظيف هذه الحركة نفسها لجذب المزيد من الاستثمارات المرتبطة بالنقل واللوجستيات والتصنيع والتصدير، بما يحول الموقع من مجرد ممر للتجارة إلى مركز للنشاط الاقتصادي المرتبط بها، لتتحقق بذلك المعادلة التبادلية، حيث يستفيد التجمع من الموقع المصري، بينما تستخدم مصر الثقل الاقتصادي لدوله لتعظيم العائد من موقعها.
ولا يقتصر الأمر على الموقع الجغرافي، إذ تمثل شبكة العلاقات المصرية الممتدة عبر دوائر دولية وإقليمية مختلفة أصلا آخر يمكن تحويله إلى وظيفة داخل التجمع، فالعضوية في "بريكس" لا تأتي على حساب العلاقة مع القوى الغربية أو دوائر الحركة العربية والأفريقية والمتوسطية، وإنما تضيف إليها دائرة جديدة، وهو ما يمنح التجمع بدوره عضوا قادرا على الحركة خارج حدوده السياسية والاقتصادية المباشرة، بينما تمنح العضوية مصر مساحة أكبر لتنويع دوائر حركتها وتوسيع شبكة مصالحها دون الارتباط بمسار دولي واحد.
وهنا ربما لا تكمن أهمية الدور المصري داخل "بريكس" في وظيفة بعينها، وإنما في قدرته على الجمع بين وظائف متعددة، بما يسمح لمصالح أطراف مختلفة بالتقاطع داخل المجال المصري دون اشتراط التطابق بينها، فكلما اتسعت قدرة مصر على تقديم وظائف يحتاج إليها أعضاء التجمع، ازدادت المصالح المرتبطة باستمرار هذه الوظائف داخل التنظيم، بينما تتيح شبكة العلاقات المصرية الممتدة خارجه مساحة أخرى لربط مصالح أعضائه بدوائر وشبكات دولية وإقليمية مختلفة، لتتحول القاهرة من مجرد عضو داخل التنظيم إلى مركز تتقاطع عنده مصالح تتحرك داخل التجمع وخارجه.
ولا يعني تقاطع المصالح بالضرورة تراجع المنافسة بين القوى المختلفة أو اختفاء التناقضات بينها، وإنما قد يخلق مساحة تسمح باستمرار التعاون رغم وجودها، حيث تصبح الاستفادة من الوظائف التي تقدمها دولة بعينها مصلحة مشتركة بين أطراف قد تتباين مواقفها في ملفات أخرى، ليصبح "التكامل الوظيفي" أحد الأدوات التي يمكن من خلالها تعزيز ما أسميته في المقال السابق بـ"التعايش التنافسي"، ليس عبر إنهاء المنافسة، وإنما من خلال بناء مساحات من المصالح يصعب على الأطراف المتنافسة تجاوزها دون تحمل كلفة مباشرة.
وبالنسبة لمصر، فإن نجاعة الدور الذي يمكن أن تقوم به داخل "بريكس" لا تتوقف عند تعزيز مكانتها داخل التجمع، وإنما تمتد إلى قدرتها على توسيع مساحة المصالح الدولية المرتبطة بها، فكلما تعددت الوظائف التي تستطيع القيام بها، وتنوعت الأطراف المستفيدة منها، أصبحت المحافظة على استقرار المجال الذي تعمل من خلاله هذه الوظائف مصلحة موزعة بين عدد أكبر من القوى، وهو ما يمنح القاهرة مساحة أوسع للحركة بين أطراف قد تتنافس فيما بينها دون أن تضطر إلى الانحياز الكامل إلى أي منها.
ولعل أحد أهم نقاط القوة التي يمكن أن يقدمها نموذج "التكامل الوظيفي" لتجمع "بريكس" تتجلى في اختلاف مواقع أعضائه وشبكات علاقاتهم، وهو اختلاف لا يمثل بالضرورة مصدرا للانقسام، خاصة وأن التنافس يبقى أحد سمات العلاقة بين بعض دول التنظيم نفسه، وبالتالي، فإن نجاح "بريكس" في استيعاب هذا التنافس داخل إطاره الجمعي قد يجعله أكثر قدرة على التعاطي مع المنافسين خارجه، بما يسمح بانتقال فكرة "التعايش التنافسي" من مستوى الدولة إلى مستوى التنظيم، حيث تستطيع كل دولة توظيف ما تمتلكه من أصول وعلاقات لخدمة العمل الجمعي دون أن تضطر في المقابل إلى التخلي عن دوائر حركتها الأخرى، وفي هذه الحالة، لا يصبح التنوع داخل التنظيم عقبة أمام تماسكه، وإنما أحد مصادر قدرته على الوصول إلى مساحات لا يستطيع أي من أعضائه الوصول إليها منفردا بالكفاءة نفسها.
وهنا يمكننا القول بأن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي الحالية في قمة "بريكس" تكتسب أهميتها من كونها تأتي في مرحلة لم يعد فيها الرهان المصري مقتصرا على الاستفادة من المزايا التي توفرها العضوية، وإنما يمتد إلى بناء دور داخل التجمع يعظم قيمة ما تمتلكه الدولة من أصول ودوائر حركة بالفعل، فالموقع الجغرافي وشبكة العلاقات والقدرة على الحركة بين دوائر دولية وإقليمية مختلفة لا تمثل في ذاتها وظائف، وإنما تتحول إلى ذلك عندما تصبح جزءا من شبكة مصالح يحتاج إليها الآخرون ويصبح استمرارها ذا قيمة بالنسبة إليهم.