عصام خليل

مصر في بريكس.. من مقعد المشاركة إلى مساحة التأثير

الأحد، 13 سبتمبر 2026 03:57 م


لم تكن كلمة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي أمام قمة بريكس الثامنة عشرة مجرد مداخلة في قمة اقتصادية كبرى، ولا استعراضًا لموقف مصري من تجمع دولي صاعد؛ وإنما كانت، في تقديري، قراءة مصرية هادئة وعميقة لعالم يتغير، ولخريطة دولية يعاد فيها توزيع الأدوار ومصادر القوة والنفوذ.

فالعالم الذي نتعامل معه اليوم لم يعد يفصل بين الاقتصاد والأمن، ولا بين الجغرافيا والسياسة، ولا بين حركة التجارة واستقرار الدول. اضطراب واحد في الملاحة يمكن أن ينعكس على أسعار الطاقة والغذاء، وأزمة جيوسياسية في منطقة ما قد تصل تداعياتها إلى موازنات دول في قارات أخرى. وفي هذا العالم، لا تستطيع الدولة أن تحمي مصالحها الوطنية وهي تنظر إلى ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة والغذاء والتمويل وسلاسل الإمداد كلٌ بمعزل عن الآخر.

من هنا يمكن فهم الحضور المصري في بريكس.

مصر لا تدخل بريكس بحثًا عن عضوية جديدة، وإنما عن مساحة جديدة للفعل.

وهذه نقطة جوهرية في فهم السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة. القاهرة لا تتعامل مع التحولات الدولية بمنطق الانتقال من معسكر إلى معسكر، ولا ترى في تعدد مراكز القوة دعوة إلى إلغاء علاقاتها القائمة، وإنما تسعى إلى توسيع دوائر الحركة، وتنويع الشراكات، وتعظيم القدرة على حماية المصالح الوطنية في نظام دولي لم يعد أحادي المسار.

إنها ليست مسألة اختيار بين الشرق والغرب، بقدر ما هي رفض لفكرة أن تكون الدولة مضطرة أصلًا إلى هذا الاختيار.

والقوة في العلاقات الدولية لا تقاس فقط بعدد التحالفات، وإنما بقدرة الدولة على إدارة مصالحها وسط تعدد القوى، وبامتلاكها من الأوراق ما يمنحها مساحة أوسع للحركة والتفاوض والتأثير.

وهنا تأتي خصوصية مصر.

فمصر ليست مجرد اقتصاد ينضم إلى تجمع اقتصادي؛ إنها دولة أفريقية وعربية ومتوسطية، تقع عند واحدة من أهم نقاط الاتصال بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتمتلك قناة السويس، وشبكة من الموانئ والمناطق اللوجستية، وترتبط بشبكة واسعة من العلاقات والمصالح مع مختلف مراكز القوة الاقتصادية والسياسية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستحصل مصر عليه من بريكس؟

بل: ماذا تستطيع مصر أن تضيفه إلى بريكس؟

فالموقع الجغرافي لا يصبح قوة اقتصادية إلا عندما يتحول إلى موانئ وخدمات لوجستية وصناعة وتخزين ونقل وإعادة تصدير، والجغرافيا وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى قيمة مضافة. وهذه هي الرؤية التي تتجاوز النظر إلى قناة السويس باعتبارها ممرًا ملاحيًا فقط، إلى اعتبارها جزءًا من منظومة أوسع للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي والاقتصادي.

ولذلك جاءت إشارة الرئيس إلى تطوير مركز للحبوب واللوجستيات ذات دلالة بالغة؛ لأنها تعكس تصورًا يتعامل مع الموقع المصري باعتباره منصة متكاملة يمكن أن تخدم مصر وشركاءها، لا مجرد ميزة جغرافية ثابتة.

والأمر ذاته ينطبق على التمويل.

فالدول النامية لا تعاني فقط من محدودية الموارد، وإنما تواجه تكلفة مرتفعة للتمويل وضغوطًا متزايدة على موازناتها، بما يحد من قدرتها على الاستثمار والتنمية. ومن ثم فإن الحديث عن إصلاح هيكل النظام المالي العالمي، وتطوير أدوات تمويل أكثر ابتكارًا وتيسيرًا، وتعزيز دور بنك التنمية الجديد، ليس حديثًا نظريًا، بل يرتبط مباشرة بقدرة الاقتصادات النامية على بناء مستقبلها دون أن تتحول أعباء التمويل إلى قيد دائم على النمو.

وتكتسب الإشارة إلى استراتيجية بنك التنمية الجديد للفترة من 2027 إلى 2031 أهمية خاصة؛ لأنها تعكس طموحًا يتجاوز المطالبة بإصلاح المؤسسات القائمة إلى الدفع نحو أدوات تمويل أكثر ارتباطًا باحتياجات التنمية الفعلية.

لكن الاقتصاد لا يعيش بالتمويل وحده.

الأمن الغذائي، والأمن المائي، وأمن الطاقة، أصبحت ثلاثية متشابكة، تتأثر بالحروب والتغيرات المناخية واضطراب التجارة وسلاسل الإمداد. ولذلك كان طبيعيًا أن تحضر هذه الملفات في رؤية الرئيس؛ لأن بناء اقتصاد قادر على الصمود لم يعد رفاهية، بل أصبح جزءًا من مفهوم الأمن القومي للدولة الحديثة.

وهنا أيضًا يظهر اختلاف النظرة المصرية.

الاقتصاد القوي ليس فقط الاقتصاد الذي ينمو في الظروف الطبيعية، وإنما الاقتصاد القادر على الاستمرار عندما تتغير الظروف من حوله.

وينطبق ذلك كذلك على التحول الأخضر.

مصر ليست ضد التحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات، لكنها تطرح السؤال العادل: كيف يمكن تحقيق هذا التحول دون أن تتحول تكلفته إلى عبء إضافي على الدول النامية، ودون تجاهل اختلاف القدرات وتباين المسؤوليات واحتياجات التنمية؟

فالتحول الأخضر لا ينبغي أن يصبح بابًا جديدًا لإعادة إنتاج فجوة التنمية بين الدول المتقدمة والنامية، وإنما يجب أن يكون فرصة لشراكات عادلة في التمويل والتكنولوجيا ونقل الخبرات.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لبريكس لن تتحدد بحجم اقتصادات دوله أو عدد أعضائه فقط، وإنما بقدرته على تحويل هذا الثقل إلى استثمارات، وتكنولوجيا، وتمويل، وأسواق، ومشروعات مشتركة.

فالقوة الاقتصادية لا تصبح تأثيرًا إلا عندما تتحول المصالح المشتركة إلى أدوات عملية.

وفي هذا السياق، تكتسب تطلعات مصر لتولي رئاسة تجمع بريكس مستقبلًا أهمية تتجاوز البعد البروتوكولي؛ لأن الرئاسة تعني الانتقال من المشاركة في الأجندة إلى مساحة أوسع في صياغتها، ومن طرح الرؤى إلى محاولة تحويلها إلى مبادرات ومشروعات وتوافقات قابلة للتنفيذ.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي.

عضوية بريكس يجب أن تتحول إلى نتائج، والرئاسة المرتقبة إلى أجندة، والشراكات السياسية إلى مشروعات اقتصادية.

وفي المقابل، فإن بريكس نفسه أمام اختبار أكبر: هل يستطيع هذا التجمع أن يحول تعدد مراكز القوة الاقتصادية والديموغرافية والجغرافية داخله إلى بدائل عملية وعادلة في التمويل والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا؟

لا ينبغي أن نبالغ في تصوير بريكس باعتباره نظامًا دوليًا بديلًا مكتمل الأركان؛ فالدول الأعضاء متعددة المصالح والرؤى، وتعدد مراكز القوة لا يعني تلقائيًا انتهاء مركزية النظام القائم، لكن المؤكد أن بريكس يمثل أحد أهم التعبيرات عن التحول الجاري في بنية الاقتصاد العالمي، وعن رغبة قوى صاعدة في توسيع مساحة تأثيرها وإعادة طرح أسئلة قديمة بصياغات جديدة حول العدالة في التمويل والتجارة والتنمية وتوزيع القوة داخل المؤسسات الدولية.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تأتي أهمية بريكس بالنسبة لمصر.

فالقاهرة لا تبحث عن بديل لعلاقاتها الدولية، وإنما عن بدائل أوسع للحركة.

ولا تسعى إلى الانضمام لمحور في مواجهة محور، وإنما إلى امتلاك خيارات أكثر لحماية مصالحها وتعظيم قدرتها على التأثير.

ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن قراءتها في كلمة الرئيس السيسي: مصر لا تريد أن تكون مجرد متلقٍ لتحولات النظام الدولي، وإنما تريد أن تكون طرفًا فاعلًا في صياغة بعض ملامحه.

وفي النهاية، ليست القضية أين تجلس مصر داخل بريكس، وإنما ماذا ستفعل من هذا المقعد؟

فالدول لا تصنع مكانتها بمجرد اتساع دوائر عضويتها، وإنما بقدرتها على تحويل العضوية إلى مصالح، والمصالح إلى شراكات، والشراكات إلى قدرة، والقدرة إلى تأثير.

وهذه هي المعادلة المصرية التي تتشكل بوضوح: أن تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى قدرة، والقدرة إلى شراكات، والشراكات إلى تأثير.

إنها ليست رحلة بحث عن مقعد جديد في النظام الدولي، وإنما محاولة لبناء مساحة أوسع لمصر داخله.

مصر لا تبحث عن مكان في عالم يتغير.. مصر تعمل لكي يكون لها دور في تشكيل هذا التغيير.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة