لم تعد معركة الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منافسة بين خبر وآخر أو رأي ورأي مختلف، بل أصبحت معركة حقيقية على وعي الجمهور وقدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
ففي الوقت الذي تستطيع فيه حسابات مجهولة أن تصنع حالة من الجدل خلال دقائق، وأن تعيد نشر المعلومة نفسها عشرات أو مئات المرات، يستطيع الجمهور الواعي أن يوقف هذه الدائرة بضغطة واحدة أيضًا.. إنها ضغطة «عدم المشاركة».
وهنا تكمن المعادلة الأهم: تستطيع اللجان الإلكترونية صناعة الضجيج، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الحقيقة، كما لا تستطيع إجبار الجمهور على تصديق ما تنشره إذا امتلك أدوات التحقق والتفكير النقدي.
صورة قديمة تتحول إلى خبر جديد
ما حدث مؤخرًا في واقعة حادث طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي يقدم نموذجًا واضحًا لخطورة إعادة تدوير المحتوى القديم.
ففي 4 سبتمبر 2026، انتشرت منشورات تزعم وقوع حادث تصادم مروع، مدعومة بصور ومقاطع فيديو بدت، للوهلة الأولى، وكأنها توثق واقعة جديدة. لكن الجهات الرسمية نفت وقوع الحادث، وأوضحت أن الصور المتداولة قديمة وسبق تداولها في سنوات سابقة.
الأخطر أن الادعاء لم يبقَ داخل دائرة منشورات مجهولة، بل وصل إلى مواقع إخبارية قامت بنشره قبل التحقق، وهو ما منح القصة المضللة قدرًا أكبر من المصداقية والانتشار قبل صدور النفي الرسمي.
وهنا يظهر الدرس الأهم: المشكلة ليست فقط في الشخص الذي صنع المعلومة الكاذبة، وإنما في كل حلقة ساعدت على انتقالها من حساب مجهول إلى جمهور حقيقي.
اللجان تراهن على التكرار
تعتمد حملات التضليل في كثير من الأحيان على فكرة بسيطة: إذا رأى المستخدم المعلومة نفسها مرات عديدة ومن حسابات مختلفة، فقد يبدأ في الاعتقاد بأنها صحيحة.
وهنا يجري استغلال طبيعة منصات التواصل التي تكافئ المحتوى المثير والقابل للتفاعل.
لكن تكرار المعلومة لا يحولها إلى حقيقة. وكثرة التعليقات لا تعني أن الرأي يمثل الأغلبية، وعدد المشاركات لا يثبت صحة الخبر، والانتشار الكبير لا يمنح الصورة تاريخًا جديدًا.
لذلك، يجب أن يتغير السؤال من: «كم شخصًا نشر الخبر؟» إلى: «من أين جاء الخبر؟ ومن يؤكده؟».
الحل.. مسؤولية مشتركة
مواجهة التضليل لا يمكن أن تقع على عاتق المواطن وحده، كما لا يمكن أن تعتمد فقط على الدولة أو وسائل الإعلام أو شركات التكنولوجيا. فنحن أمام مشكلة تحتاج إلى منظومة متكاملة.
فعلى الدولة تطوير آليات سريعة لرصد المعلومات المضللة والرد عليها، خصوصًا في الأزمات والأحداث التي تمس حياة المواطنين أو الأمن أو الصحة أو الاقتصاد. ولا يكفي إصدار بيان طويل بعد ساعات، بل يجب تقديم رد سريع وواضح يحدد ما حدث وما لم يحدث، ويكشف حقيقة الصور ومقاطع الفيديو المتداولة.
كما توجد حاجة إلى قنوات اتصال أكثر سرعة وتنظيمًا بين الجهات المختصة ومنصات التواصل، للتعامل مع حملات التضليل الواسعة وفق أدلة ومعايير واضحة، دون الخلط بين المعلومات الكاذبة والآراء المختلفة.
أما وسائل الإعلام، فعليها أن تتذكر أن منشورًا على «فيسبوك» ليس مصدرًا خبريًا في حد ذاته. ويجب على غرف الأخبار التحقق من مصدر المعلومة، وإجراء البحث العكسي عن الصور، وفحص تاريخ مقاطع الفيديو، والرجوع إلى أكثر من مصدر مستقل قبل النشر.
وإذا وقع الخطأ، فلا يكفي حذف الخبر، بل يجب نشر تصحيح واضح؛ لأن حذف المعلومة لا يمحو أثرها لدى آلاف الأشخاص الذين قرأوها أو شاركوها.
المواطن هو الحلقة الأهم
تقع مسؤولية كبيرة أيضًا على منصات التواصل الاجتماعي لتطوير أدوات أكثر دقة لاكتشاف الحسابات الوهمية والنشاط المنسق والتفاعل المصطنع، وألا تصبح المشاهدات والإثارة المعيار الوحيد لانتشار المحتوى.
لكن يبقى المواطن الحلقة الأهم.
فحتى أقوى لجنة إلكترونية لا تستطيع تحقيق هدفها إذا رفض المستخدم أن يكون أداة لنشر معلومة غير موثوقة.
ولهذا يمكن تحويل خطوات بسيطة إلى قاعدة ذهبية:
توقف – تحقق – قارن – ثم شارك.
توقف قبل إعادة نشر الخبر، وتحقق من المصدر، وقارن المعلومة بمصادر أخرى موثوقة، وافحص تاريخ الصورة أو الفيديو، ثم قرر ما إذا كان نشر المحتوى مفيدًا فعلًا أم أنك تساهم فقط في زيادة انتشاره.
الوعي هو خط الدفاع الأول
الحل الحقيقي على المدى الطويل لا يتمثل في نفي كل شائعة بعد انتشارها، بل في بناء «مناعة رقمية» لدى المجتمع، تبدأ من المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام.
فلا يكفي أن نقول للمواطن: «لا تصدق الشائعات»، بل يجب أن نعلمه كيف يكتشفها بنفسه.
في النهاية، لا يمكن منع كل حساب وهمي من الظهور، ولا حذف كل معلومة كاذبة قبل أن يراها أحد، لكن يمكن تقليل تأثيرها عندما تجد أمامها جمهورًا يسأل عن المصدر ويبحث عن الحقيقة.
فاللجان تستطيع أن تصنع آلاف الأصوات الوهمية، وقد تصنع الخوارزميات «ترندًا» وضجيجًا، لكن المواطن الواعي يستطيع أن يرفض منحها صوته الحقيقي.
فالوعي الجماهيري ليس مجرد وسيلة لمواجهة التضليل.. بل هو خط الدفاع الأول عن الحقيقة.