كانت تعد على أصابع يدها كأنها تتعلم العد، وفي براءة وتلقائية رفعت يدها بالعد للسماء وتقول لربها متمتمة: "كانوا ثلاثة وعشرين عامًا وستة أشهر وعشرة أيام، هم كل عمري، فيا رب تقبلهم مني كعملٍ صالحٍ فهم كل ثروتي حتى ألقاك..".
هكذا هي مع صباح كل يوم، ومع بزوغ فجر يومها تنظر من نافذتها وترسل بنظراتها ناحية ناصية الشارع، لا تعلم هل هي تنتظره قادمًا، غير متأكدة من خبره الذي جاءها في مثل ذاك الموعد. وما بين أنها تودع ضي عينها الذي راح لطريقه يشقه مبكرًا مسرعًا ناحية الخلود، هي بين التمني والوداع تروح وتجيء ممسكة بفؤادها الذي ظل فارغًا وقد فارقه قلبها إلى ميعاد تنظر إليه، وربما تقابل حبيبها الوليد، ذي الوجه الباسم والبصيرة السباقة إلى منتهاه قبل أن يبدأ.
وعندما تشرع الشمس في أن تملأ ناصية الشارع، وينشغل الناس بأعمالهم، ويذهب التلاميذ إلى مدارسهم، تسمع وليدها يهمس لها: "... يا أمي أنا مع كل هؤلاء، وفي قلوبهم، لأنهم كانوا في قلبي عندما ذهبت".. تسمع هذا الهمس، وتشم أنفاسه التي تقترب من شحمة أذنها، فتجد يدها تتحسس ملامحه على صورته المعلقة في رقبتها، فتضغط عليه براحة يد الأم الحانية، وهي تردد ما كان يضحكها منه: "أنتِ حبيبتي الوحيدة يا أمي، وأنتِ الصورة الوحيدة اللي بسرح فيها".. ويضحك وتضحك راضية!!
تحكي السيدة دينا، والدة الشهيد ملازم أول عبد الله محمد الحمامي: ".. ولدي استشهد في يوم ١٣ / ٧ / ٢٠٢١ بسبب وأثناء العمل"، وكأنها تبدأ حكيها عن وليدها منذ لحظة إيمانها بخلوده، وتعود في تسلسل الحكي من البداية: ".. ولد الشهيد البطل بمحافظة بورسعيد بتاريخ ٣ يناير ١٩٩٩، وهو الابن الذكر الوحيد لأبويه مع بنتين هو أكبرهما. سافر إلى السعودية في مهده مع أسرته، وتلقى الشهيد تعليمه الأولي بمدينة الرياض العاصمة السعودية حتى الشهادة الإعدادية، وكان دائمًا من الأوائل على أقرانه من جميع الجنسيات العربية. ثم عاد للوطن الأم مصر مع أسرته، والتحق بالصف الأول الثانوي بمدرسة بورسعيد الثانوية العسكرية، وهي نفس المدرسة التي تخرج فيها كل أبناء أسرته بدءًا من جده ووالده وأعمامه وأخواله، والتي تعرّف فيها على الحياة العسكرية، والانضباط. وربما تلك المدرسة هي صاحبة الفضل في زرع محبته للحياة العسكرية وقيمها ومبادئها".
"وتخرج في المدرسة العسكرية وأهّله تفوقه ومجموعه للالتحاق بكلية الهندسة بأكاديمية الشروق، والتي درس بها النصف الأول بالسنة الإعدادية، حتى ظهرت نتيجة قبوله في كلية الشرطة فلم يتردد لحظة وسلم نفسه لحلم حياته، وهو الالتحاق بكلية الشرطة. وكان ذاك التوقيت بعد يوم واحد من امتحانه الأول من اختبارات النصف الأول من العام بالكلية المدنية، حيث كان يرى في نفسه الرغبة والقدرة على الاشتراك مع حماة أمن الوطن والمواطن وتحقيق العدل، رغم أنه وحيد أبويه وبالتالي سيكون إعفاؤه من الخدمة الإلزامية أمرًا واقعًا، ولكن كانت لديه الرغبة في خدمة بلاده وأهله في هذا المجال. وتخرج في كلية الشرطة دفعة ٢٠٢٠ بحصوله على ليسانس الحقوق باللغة الإنجليزية وبكالوريوس العلوم الشرطية".
"وأهّله تفوقه الدراسي في أثناء الدراسة بالكلية على تنصيبه وهو في الصف الرابع ليكون صف ضابط على فرقة من طلبة الكتيبة الأولى مستجدين خريجي ٢٠٢٣، والذين ما زالوا يتذكرونه بالخير على فترة قيادته لهم في بداية حياتهم العسكرية. وحصل البطل على العديد من الفرق والدورات؛ فالتحق الشهيد بالدورة التدريبية للعمليات الخاصة بقوات أمن الإسماعيلية لمدة شهر لطلبة الكتيبة الثانية، ثم التحق بالتدريب العملي بالأمن العام لمدة شهر بقسم شرطة الزهور ببورسعيد لطلبة الكتيبة الثالثة، ثم التحق بالدورة التدريبية لمدة شهر بالإدارة العامة للمرور لطلبة الكتيبة الرابعة".
"وحصل في أثناء دراسته على فرقة الصاعقة رقم ١٣ من مدرسة الصاعقة، واجتاز فرقة اللغة الإنجليزية للضباط خريجي القانون من معهد تدريب ضباط الشرطة، واجتاز فرقة الضباط الملحقين حديثًا بمراكز وأقسام الشرطة بتقدير جيد جدًا من معهد تدريب ضباط الشرطة. وبجانب اجتياز الفرق الدورية للعمليات الخاصة المقامة دوريًا بمعسكرات قوات الأمن لمديرية أمن بورسعيد في أثناء الخدمة ببورسعيد، تلقى الشهيد تدريبه العملي بمديرية أمن بورسعيد والإدارة العامة للمرور بالقاهرة وبقسم شرطة الزهور ببورسعيد وبمعسكر قوات الأمن بالإسماعيلية ومعسكر قوات الأمن ببورسعيد. وعمل الشهيد بقسم شرطة الشرق لمديرية أمن بورسعيد، ثم التحق بإدارة مرور بورسعيد حتى تاريخ استشهاده في أثناء عمله بها".
"تمتع الشهيد البطل بعلاقات طيبة بكل مكان عمل به، ويشهد له الزملاء بحسن التعاون والأخلاق الحميدة، وترك أثرًا طيبًا في نفس كل من تعامل معه رغم فترة عمله القصيرة. وتمتع الشهيد بحب كل أسرته وجيرانه في سكنه ببورسعيد، الذين يتذكرونه دائمًا أنه الخلوق الذي يحترم الكبير ويساعد الجميع وصاحب الابتسامة في وجه الكل. وظهر ذلك جليًا في جنازة المغفور له التي شهدت أعدادًا غفيرة من جميع أنحاء الجمهورية وليس من محافظته بورسعيد فقط. وتمت الصلاة عليه صلاة الغائب من جانب طلبة كلية الشرطة في أثناء جنازته العسكرية ببورسعيد. وأنشأ له زملاؤه جروبًا على مواقع التواصل للدعاء له ولأعمال الخير، وانضم له ما يقارب ٢٩ ألف عضو، ومنهم من أدى فريضة العمرة لروحه الطاهرة. وكان الشهيد في حياته قد أدى فريضة الحج مع أسرته واعتمر أكثر من مرة، وكان حافظًا لأجزاء من القرآن الكريم...".
"وقدم لله تعالى صدقة جارية زملاء وأصدقاء الشهيد من مدنيين وعسكريين من قبيل أعمال خير على روحه الطاهرة، منها بئر كبير بإحدى قرى سيدي براني بمرسى مطروح، بجانب أعمال عديدة، منها توريد أجهزة مبردات مياه سقيا على روحه الطاهرة في عدة أقسام وإدارات مرور ومراكز شباب ببورسعيد وغيرها من المحافظات بمصر كلها. وكان ذلك من توصيات سابقة من الشهيد لأصحابه وأحبابه، فكانوا يتفقون فيما بينهم على الاشتراك في أعمال البر والخير لله على روح من يرتقي منهم شهيدًا. وفي هذا السياق يذكر أصدقاء الشهيد من مدنيين وعسكريين، وكذا من أسرة الشهيد، أنه من بداية التحاقه بالشرطة كان يشعر بالشهادة، وكان دائمًا يؤكد لوالده وأصحابه أنه سيكون شهيدًا، وكان دائم المزاح في ذلك مع المقربين له، وأوصى كلًا منهم بوضع صورته بعد استشهاده في عدة أماكن ببورسعيد، وهو ما نفذه فعلًا أصدقاء الشهيد، وفي نفس الأماكن التي حددها سابقًا في مزاحه معهم".
"وعن واقعة استشهاده، وكانت في يوم ١٣ / ٧ / ٢٠٢١ وقبل السابعة صباحًا، ترك الشهيد سيارته الخاصة بمقر إدارة مرور بورسعيد واستلم الموتوسيكل الخاص بالإدارة، وتلقى على الجهاز تعليمات بالتوجه لتأمين المقار والعربات التي تحمل اختبارات الثانوية العامة. وفي أثناء قيامه بالمهام الموكلة له، صدمه ميني باص وسائقه لا يحمل رخصة قيادة ومخالفًا التعليمات بعدم دخول الباصات إلى داخل أحياء المدينة، مما تسبب في دهس الشهيد بين عجلات الباص والجزيرة الوسطى وتسبب في كسر ونزيف بالمخ. وسالت دماؤه الطاهرة على الأسفلت في مكان خدمته وقبل أن يتوجه المواطنون لعملهم، وفاضت روحه الطاهرة في مكان عمله. وشيع الشهيد لمدافن أسرته ببورسعيد في جنازة عسكرية يملؤها حزن بلد كامل على الضابط الشاب الخلوق. وشهد مراسم الدفن محافظ بورسعيد وقيادات الأمن بها وعدد كبير جدًا من أبناء المحافظة الذين يذكرون له تعامله الراقي مع المواطنين كبيرهم وصغيرهم. وفي اليوم التالي للجنازة، زار المحافظ إدارة مرور بورسعيد لتعزية زملاء الفقيد وأثنى على عمله وأنه مثال للضابط، وقرر تسمية إحدى وحدات مرور بورسعيد باسم الضابط الشهيد ملازم أول عبد الله محمد الحمامي".
وتختتم حكاية وليدها الشهيد، السيدة البطلة دينا من سيدات بورسعيد الباسلة، بآيات من القرآن الكريم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ صدق الله العظيم. رحم الله شهيد الواجب الوطني ابني وضنايا.
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)