فى صباح 11 سبتمبر 2001، كانت الولايات المتحدة تواجه عدوا من نوع لم تختبره من قبل: تنظيما إرهابيا عابرا للحدود، لا يملك دولة أو جيشا تقليديا، لكنه استطاع استخدام طائرات مدنية كسلاح لشن هجوم غير مسبوق داخل الأراضى الأمريكية.
وبعد 25 عاما، تبدو صورة التهديد مختلفة بصورة جذرية؛ فلم تعد واشنطن تنظر إلى الإرهاب باعتباره الخطر الوحيد أو حتى الخطر الأبرز على أمنها القومى، بينما أصبحت ترى إيران بمثابة تهديد مركب يجمع بين قوة الدولة التقليدية والقدرات الصاروخية وربما النووية، وشبكة من الجماعات المسلحة التى تدعمها فى عدة دول.
اقرأ أيضا..

وما بدأ فى حقبة ما بعد أحداث 11 سبتمبر بمطاردة تنظيم القاعدة وصل إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع دولة مثل إيران تتهمها واشنطن برعاية الإرهاب.
من شبكة مركزية إلى «ذئاب منفردة»
فى العقد الأول بعد الهجمات، كانت الأولوية الأمريكية واضحة: تفكيك القيادة المركزية لتنظيم القاعدة، وبالفعل، نجحت عملية عسكرية واستخباراتية طويلة فى قتل أسامة بن لادن عام 2011. لكن هذا النجاح لم يُنهِ الظاهرة، بل غيّر شكلها، إذ تحوّل التنظيم إلى مجموعة فروع إقليمية شبه مستقلة فى اليمن والصومال والساحل الأفريقى، بينما برزت موجة موازية من «الذئاب المنفردة» غير المرتبطين تنظيميا بأى جهة، لكنهم يستلهمون أفكاره لتنفيذ حوادث إرهابية متفرقة.

وفى هذا السياق، يرى مركز مكافحة الإرهاب فى الأكاديمية العسكرية الأمريكية أن القاعدة لم تعد التنظيم الهرمى الذى عرفه العالم فى 11 سبتمبر، وإنما تحولت إلى شبكة من الفروع المنتشرة فى أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، وبينما تراجعت قدرة القيادة المركزية للتنظيم، اكتسبت بعض فروعه قوة جديدة، خاصة فى منطقة الساحل والصومال.
لذا يحذر خبراء الإرهاب من الخلط بين إضعاف تنظيم بعينه وإنهاء الظاهرة الإرهابية، ويقول بروس هوفمان، خبير مكافحة الإرهاب فى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، إن الولايات المتحدة لم تتعرض لهجوم إرهابى كارثى آخر منذ 11 سبتمبر، لكن اعتبار ذلك دليلا على أن منظومة الأمن الأمريكية أصبحت معصومة من الخطأ سيكون خطأ فى حد ذاته.
كما خلص هوفمان وفراح باندث، فى تحليل لمجلس العلاقات الخارجية فى سبتمبر 2025، إلى أن الولايات المتحدة نجحت عسكريا فى إضعاف القاعدة وداعش، لكنها لم تطور استراتيجية مستدامة لمواجهة الجاذبية الأيديولوجية لهذه التنظيمات وقدرتها على تجنيد أنصار جدد. والأكثر دلالة أن عدد الجماعات السلفية التى تصنفها الولايات المتحدة كمنظمات إرهابية أصبح أكثر من خمسة أضعاف ما كان عليه فى 11 سبتمبر 2001.
من القاعدة إلى إيران.. تغير طبيعة الخصم
وتأتى مواجهة الولايات المتحدة مع إيران فى 2026 لتوضح كيف اختلف مفهوم الإرهاب فى السياسة الأمريكية، أو بالأحرى كيف أعيد تشكيل مفهوم التهديد الأمنى الأوسع.
فإيران، التى وصفها الرئيس دونالد ترامب الأسبوع الماضى بأنها الدولة الأولى الراعية للإرهاب، ليست تنظيما إرهابيا مثل القاعدة، وإنما دولة ذات مؤسسات وجيش وقوات صاروخية وبرنامج نووى وشبكة من الجماعات المسلحة الحليفة فى المنطقة. ولذلك فإن الحرب الأمريكية مع إيران لا يمكن وصفها ببساطة بأنها امتداد مباشر للحرب على الإرهاب.
إلا أن الولايات المتحدة تنظر إلى الحرس الثورى الإيرانى وشبكة الوكلاء المرتبطين به باعتبارهم جزءا من التهديد الأمنى الأوسع.
ويقول دانيال بايمان، مدير برنامج الحرب والتهديدات غير النظامية والإرهاب فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الولايات المتحدة لطالما وصفت إيران بأنها «الدولة الراعية الرئيسية للإرهاب»، مشيرا إلى استخدام طهران الحرس الثورى وجماعات مثل حزب الله وحماس والحوثيين كأدوات نفوذ وعمليات غير مباشرة.
وبذلك، تغير مفهوم «العدو» بالنسبة لأمريكا، فلم يعد مجرد خلية سرية تخطط لهجوم فى مكان ما، بل دولة تستطيع الرد بالصواريخ والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية، وتهديد الملاحة الدولية، وتحريك جماعات مسلحة حليفة فى عدة ساحات.
«الإرهاب» لم يعد التهديد الأول للأمريكيين
من ناحية أخرى، تزامن هذا التحول فى طبيعة الخصم الخارجى بالنسبة لواشنطن مع تحول داخل الولايات المتحدة نفسها.
فبحسب استطلاع حديث أجرته رويترز وإبسوس فى سبتمبر 2026، يرى 33% من الأمريكيين أن الإرهاب الداخلى هو أكبر تهديد لأمن المواطنين، مقابل 20% فقط يرون أن الإرهاب القادم من الخارج هو الخطر الأكبر، وفى المقابل، أشار 42% إلى أعمال العنف العشوائية، مثل حوادث إطلاق النار الجماعى، باعتبارها الخطر الأكبر.
