تطرح منظمة العمل العربية خلال أعمال الدورة الـ52 لمؤتمر العمل العربي، والمقرر انعقادها بالقاهرة خلال الفترة من 13 إلى 20 سبتمبر الجاري، مشروع خطتها للدورة المالية (2027-2028)، والتي تأتي كإطار تنفيذي متكامل للاستجابة للمتغيرات العالمية المتسارعة، لا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي والتغيرات المناخية، وتتضمن الخطة تنفيذ 166 نشاطا فنيا وقوميا، تم تقسيمها بالتساوي على مدار عامين (83 نشاطا لكل عام)، بهدف تعزيز الصمود الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية في الدول الأعضاء.
وتستند الخطة، التي استعرضها المدير العام للمنظمة السيد فايز علي المطيري أمام الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، إلى رؤية استشرافية تهدف إلى تحويل التحديات التقنية الحالية إلى فرص تشغيل حقيقية، مع ضمان "أنسنة التكنولوجيا" والحفاظ على كرامة العامل العربي في ظل موجة الأتمتة والتحول الرقمي الشامل.
تطوير البنية التشريعية والرقابية لأسواق العمل
يركز هذا المحور على تطوير البنية التشريعية والرقابية لأسواق العمل، حيث وضعت المنظمة تفاصيل إجرائية لتحديث التشريعات الوطنية لتشمل "أنماط العمل الجديدة" مثل العمل عبر المنصات الرقمية والعمل عن بعد، وتتضمن الأنشطة التفصيلية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في منظومات تفتيش العمل، وتطوير أدوات "الإنذار المبكر" لمواقع العمل للتنبؤ بالمخاطر المهنية قبل وقوعها، والحد من "الإجهاد الرقمي" الذي بدأ يظهر كأحد تبعات الاعتماد المكثف على التكنولوجيا.
وعلى صعيد الحماية الاجتماعية، تستهدف الخطة دراسة الضمانات القانونية لتحصيل اشتراكات التأمينات الاجتماعية من "الاقتصاد غير المنظم"، وتوسيع مظلة التأمين لتشمل العمالة غير المنتظمة عبر آليات رقمية مرنة، كما تواصل "لجنة شؤون عمل المرأة العربية" نشاطها في دورتيها (25 و26) لتعزيز ريادة الأعمال النسائية الرقمية ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة في الوظائف المستقبلية، مع وضع سياسات حازمة للحد من عمالة الأطفال من خلال تفعيل المسؤولية المجتمعية لمؤسسات القطاع الخاص.
خارطة طريق لتقليص الفجوة المهارية
تضع الخطة في هذا المحور خارطة طريق لتقليص الفجوة المهارية، حيث سيتم إعداد "التقرير العربي العاشر حول التشغيل والبطالة" ليكون مرجعا إحصائيا لصناع القرار، ومن أبرز التفاصيل الفنية في هذا الجانب، العمل على تحديث "التصنيف العربي المعياري للمهن 2008" ليتوافق مع المسميات والمهام الوظيفية الجديدة الناشئة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر.
كما تتضمن الأنشطة تطوير مناهج التعليم التقني والمهني (VET) لمواكبة التحول الرقمي، ودراسة أثر التغيرات المناخية على هجرة العمالة وتنقل الكوادر بين الدول العربية، وتهدف ورش العمل المتخصصة إلى تدريب المشاركين على استخدام "الخوارزميات" ونماذج الذكاء الاصطناعي لمطابقة الباحثين عن عمل بفرص التوظيف المتاحة، لضمان كفاءة أعلى في توزيع الموارد البشرية.
يستهدف هذا المحور استكمال التحول الرقمي المؤسسي للمنظمة، حيث سيتم تنفيذ مشروع ضخم لرقمنة أرشيف المنظمة ومضابط مؤتمرات العمل العربي بالكامل منذ تأسيسها عام 1965، وبناء نظام بحث إلكتروني ذكي يتيح للباحثين الوصول الفوري للبيانات، كما ستطلق المنظمة حملة إعلامية تحت شعار "أنسنة التكنولوجيا" لنشر ثقافة السلامة والصحة المهنية في العصر الرقمي، وتتضمن الخطة أيضا ترجمة الدراسات العربية المتميزة إلى اللغات العالمية (الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية) لتعزيز الحضور العربي في المحافل العمالية الدولية، واستمرارية إصدار "مجلة العمل العربية" كمنصة علمية رصينة.
على الصعيد الدولي، تركز الخطة على تنسيق المواقف العربية داخل منظمة العمل الدولية (ILO) وبناء شراكات فنية مع المنظمات الأممية لدعم أطراف الإنتاج. وتواصل المنظمة التزامها برصد الانتهاكات الإسرائيلية ضد العمال وأصحاب الأعمال في فلسطين والجولان السوري المحتل وجنوب لبنان من خلال تقارير سنوية تعرض عالميا. وإداريا، تضمن الخطة عقد اجتماعات لجان الخبراء القانونيين لمتابعة التزام الدول بالاتفاقيات، واجتماعات لجنة الحريات النقابية لضمان صون الحقوق العمالية، مع تفعيل هيئة الرقابة المالية والإدارية لضمان أعلى معايير الشفافية والحوكمة.
تعتمد المنظمة في تنفيذ هذه الأنشطة ال 166 على أذرعها الفنية المتخصصة الموزعة في المنطقة؛ حيث يتولى "المعهد العربي للثقافة العمالية" في الجزائر ملفات التوعية، ويقود "المركز العربي لتنمية الموارد البشرية" في ليبيا عمليات تخطيط القوى العاملة، بينما يضطلع "المركز العربي للتأمينات الاجتماعية" في السودان بتطوير نظم الضمان، ويشرف "المعهد العربي للصحة والسلامة المهنية" في سوريا على معايير بيئة العمل.
بهذه الخطة، تؤكد منظمة العمل العربية أنها لا تكتفي بمراقبة التطور التكنولوجي، بل تسعى لقيادة عملية الانتقال نحو مستقبل عمل عربي يوازن بين الكفاءة الرقمية والعدالة الاجتماعية، مؤسسة لنهضة اقتصادية شاملة تستوعب أجيال المستقبل.