تحولت منصة إنستجرام في عصرنا إلى مسرح مفتوح يتبارى فيه الجميع لعرض مشاهد السعادة، لكنها سعادة مطبوخة بعناية تحت أضواء الفلاتر ومصممة خصيصا لمنح المتابعين انطباعا زائفاً بالكمال.
نرى الشاشات تمتلئ بابتسامات عريضة ولحظات فرح يبدو أنها بلغت منتهاها، لكنك لو دققت النظر قليلا خلف تلك الكادر المضبوط لاكتشفت تصنعاً يجهد الأرواح، وجلوساً طويلاً لتعديل الإضاءة والظلال، وكأن الإنسان لم يعد يعيش اللحظة، بل صار يستعبد من أجل إخراجها للمشاهدين.
لقد أصبحت الابتسامة واجباً بصرياً، والسعادة طقساً مكلفاً يتطلب مجهوداً شاقاً لتبدو عفوية وهي في أصلها أبعد ما تكون عن العفوية.
على العكس تماماً، كانت صور زمان تنبض بالحياة دون أن تحتاج إلى تنميق أو تحسين، كانت الألبومات القديمة تضم وجوهاً حقيقية، وضحكات تصدر من الأعماق لتظهر العيون مغمضة من شدة الفرح، دون القلق من زاوية التصوير أو جودة الإضاءة.
لم يكن أحد ينشغل بما سيقوله الآخرون، بل كان المصور يقتنص اللحظة كما هي، ببركتها وصدقها، لتبقى الصورة وثيقة إنسانية دافئة تحمل بين طياتها رائحة المكان وصدق المشاعر.
كانت الصور أقل دقة من الناحية التقنية، لكنها كانت أشد عمقاً وتأثيراً في النفس، لأنها سجلت الحياة الواقعية دون زيف أو إخراج.
إن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم يكمن في الغاية من التوثيق، قديماً، كنا نلتقط الصور لنحفظ الذكرى لأنفسنا كي نعود إليها عندما يحن الفؤاد، أما اليوم، فقد أصبحنا نلتقطها ونعدلها لنعرضها على الآخرين بحثاً عن إعجاب لحظي وزائف.
لقد استبدلنا العفوية بالاستعراض، وبعنا الهدوء النفسي بتفاعل وهمي، ليصبح السؤال المطروح دائماً، هل نعيش الفرح فعلاً، أم أننا نكتفي بتمثيله أمام الكاميرا؟