هيثم الحاج على

ربع قرن على أحداث 11 سبتمبر هل تعيد أمريكا إنتاج عزلتها؟

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 05:33 م


في عام 2002 قدمت "نيكول كيدمان" واحدا من أبرز أفلام الرعب والغموض في تاريخ السينما العالمية، عن قصة تجسد أحداثا تدور في إنجلترا بعيد الحرب العالمية الثانية، حول أم تعيش برفقة طفليها اللذين يعانيان من مرض فرط الحساسية للضوء، وتضع الأم نظاما صارما وعاما من الظلام لحماية ابنيها، وتستقبل ثلاثة من الخدم يتواكب قدومهم مع أحداث غريبة ومرعبة، خاصة عندما تبدأ الابنة في الإحساس بوجود أشخاص غير مرئيين، ويخيل للمشاهد على مدار الأحداث أن هناك أشباحا تسكن المنزل وتثير رعب العائلة، غير أن المفاجأة الكبرى والحبكة الصادمة تنكشف في النهاية: الأم والطفلان هم الأشباح الحقيقيون الذين ماتوا دون أن يدركوا ذلك، بينما السكان الجدد هم الأحياء الذين حاولوا العيش في المنزل.

خرج هذا الفيلم إلى النور في أعقاب أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، ليكون بمثابة معالجة سينمائية وإجابة غير مباشرة عن السؤال العريض الذي طرحه الشارع والسياسيون في أمريكا وقتها: لماذا يكرهوننا؟

منذ نشأة الولايات المتحدة والسياسة الأمريكية تكرس لفكرة "المركزية المفردة"؛ حيث لا ترى أمريكا إلا نفسها مركزا للعالم، وتعتبر أن كل ما هو خارج حدودها هم الآخرون، وهم بمثابة عالم هامشي لا يستحق الفهم أو الاكتفاء بالمعرفة عنه، وقد جعلت هذه العقيدة من أمريكا مجتمعا يعاني من فرط الحساسية لنور الحقيقة والمعرفة، تماما كالطفلين في الفيلم اللذين لا يحتملان الضوء؛ فاستعاضت عن العالم بظلام العزلة الذاتية والصورة الذهنية النمطية التي صنعتها لنفسها كمجتمع مثالي.

جاءت ضربة 11 سبتمبر لتصدم هذه العزلة الاستثنائية، وتكشف أن "الآخرين" المقيمين خارج الحدود ليسوا مجرد أطياف، بل هم العالم الأصلي الذي يعاني من آثار الهيمنة الأمريكية، وهنا يطرح المعنى السينمائي سؤاله الجوهري: من هم "الآخرون" بحق؟ هل هم شعوب العالم والدول الأخرى كما توهمت واشنطن، أم أن الأمريكان هم الذين عزلتهم سياستهم وأوهام قوتهم فصاروا هم "الآخرين" العالقين في عزلة دائمة عن الواقع والتاريخ؟

لقد كان الفيلم صرخة تحذيرية لتنبيه الوعي الأمريكي بأن استمرار إنكار وجود الآخرين وحقهم في الحياة سيعزل أمريكا تدريجيا لتتحول إلى مجرد شبح هامشي يمر عبر التاريخ، لكن هذه الصرخة سرعان ما ذهبت إلى النسيان؛ فالسياسة الأمريكية لم تتعلم الدرس، وظلت تعيد إنتاج عزلتها الفكرية والتاريخية، خاصة في ردها المباشر على تلك الأحداث.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، مع إحياء ذكرى 11 سبتمبر: هل تكرر أمريكا في عهد ترامب الخطأ التاريخي نفسه؟ إن شعارات الانغلاق والانسحاب ورفع جدران الحماية السياسية والاقتصادية ("أمريكا أولا") ترسخ لعزلة أمريكية جديدة وأكثر خطورة، والغريب أن هذه العزلة تفرض اليوم في زمن انفتاح قنوات الاتصال وتدفق الحقائق على الشاشات والمناصات بصورة موسعة، مما يجعل الإصرار على عمى الألوان والتعامي عن حقائق العالم ليس مجرد خيار سياسي خاطئ، لكنه في المقام الأول حركة سير نوم جديدة ونحو مصير مجهول.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة