علا رضوان

«ريد فلاج».. بضاعة قديمة مستهلكة تحت شعار عصري

الخميس، 10 سبتمبر 2026 09:39 م


لا تكمن مشكلة فيلم «ريد فلاج» في أنه يقدم حكاية خفيفة عن الغيرة وسوء الفهم بين زوجين، ولا في اختياره الكوميديا مدخلًا إلى عالم العلاقات العاطفية المعاصرة؛ فالفن لا يُطالب دائمًا بأن يحمل أطروحة كبرى أو أن يتحول إلى درس اجتماعي ثقيل. المشكلة أن الفيلم يتخذ من مفهوم بالغ الحضور في ثقافة العلاقات الحديثة عنوانًا له، ثم يفرغه من معناه، ويستبدل بما كان يمكن أن يكون مساءلة ساخرة ومستفزة للعلاقات المؤذية تصوراتٍ قديمة ومسيئة للمرأة، لا ترى النساء إلا من خلال علاقتهن بالرجل، ولا تمنحهن وجودًا مستقلًا خارج جاذبيته المزعومة.

يرتبط تعبير «ريد فلاج» في الاستعمال الشائع بالعلامة التحذيرية التي تكشف مبكرًا خللًا في سلوك شخص أو طبيعة علاقة. كان المتوقع، إذن، أن يرصد الفيلم العلامات التي تهدد العلاقة الزوجية، وأن يختبر قدرة شخصيتين على مواجهة ماضيهما وأكاذيبهما ومخاوفهما. لكنه يختار الطريق الأسهل والأكثر تقليدية، فيصنع عالمًا يبدو فيه الرجل مركز الكون، بينما تتحرك النساء حوله كأن لكل واحدة منهن حياة معلقة عند اللحظة التي عرفته فيها. قد تتزوج المرأة، أو تنفصل عنه، أو تدّعي أنها تجاوزته، أو تعود لتأديبه والانتقام منه، لكن السيناريو لا يتصور أنها خرجت فعلًا من مجال تأثيره. حتى غضبها منه يصبح شكلًا آخر من أشكال الارتباط به.

وقد انعكس هذا الخلل الفكري والدرامي مباشرة على مساحات الحركة المتاحة لكادر الممثلين. يقع أحمد حاتم في فخ النمطية التي كررتها بعض أعماله، حيث يكتفي بالاعتماد على الحضور الهادئ المعتاد دون إظهار أي عمق نفسي، أو سحر استثنائي، أو جرح إنساني يبرر حالة الشغف والتعلق الهستيري من النساء حوله. بينما تجد جميلة عوض نفسها محاصرة بنص لا يمنحها دوافع حقيقية أو مساحة للتعبير عن صدمة واعية، فتتحول ردود أفعالها إلى انفعالات شكلية تحكمها حاجة المؤلف إلى التصعيد، لا المنطق الإنساني، رغم محاولاتها الفردية لإضفاء طابع رقيق على شخصية الزوجة.

أما بقية الأدوار النسائية والمساندة التي ضمت نسرين أمين وانتصار وشريف منير، فقد تم اختزال حضورها في نماذج مسطحة تحركها افتراضات مكبلة بغياب الصراع المكتمل؛ إذ ظهرت الشخصيات كأدوات سردية صُممت فقط لإرباك الزوج أو دفعه إلى الاعتراف، ليحرم النص أصحابها من تقديم طاقتهم المعتادة لصالح مواقف مفتعلة. ووسط هذا الاضطراب المكتظ، تبرز ميمي جمال باعتبارها الحضور الأكثر صدقًا وخفة؛ إذ تستخرج البهجة بتلقائية ودون افتعال، معتمدة على وعيها الفطري بالإيقاع والتوقيت والتعبيرات العفوية التي أضفت حيوية حقيقية على المشاهد.

أما الحبكة التي تحمل كل ذلك، فلا تحتاج إلى تفكيك معقد حتى تظهر هشاشتها. تقوم الأزمة على افتراضات يصعب قبولها، وعلى سوء فهم يستطيع حوار مباشر أن ينهيه، وعلى شخصيات تتصرف بالطريقة التي يحتاجها المؤلف، لا بالطريقة التي تفرضها دوافعها. لا توجد قوة حقيقية تضغط على البطل، ولا خسارة محتملة تشعرنا بأن حياته على وشك الانهيار، ولا سر يغير فهم الزوجة له جذريًا. والكوميديا لا تعفي السيناريو من المنطق؛ على العكس، تحتاج الكوميديا إلى هندسة دقيقة، لأن المفارقة لا تعمل إلا إذا فهم المشاهد ما تريده الشخصيات وما الذي يمنعها من الوصول إليه. أما حين تكون العقبة مصنوعة بالكامل من امتناع الشخصيات عن قول جملة واضحة، فإن الضحك لا ينشأ من تعقد الموقف، بل من إطالة عمر خدعة مكشوفة.

يبدو «ريد فلاج» في كثير من مشاهده كأنه المسودة الأولى لمشروع فيلم، لا الفيلم بعد اكتمال كتابته. توجد فكرة أولية، وعنوان قابل للتسويق، وعدد من المواقف التي ربما بدت طريفة عند طرحها شفهيًا، لكن لا توجد عملية تطوير حقيقية اختبرت منطق العلاقات، أو أعادت بناء الشخصيات، أو حذفت الزائد، أو رفعت ثمن الفشل. كأن أحدًا لم يتوقف أثناء التحضير ليسأل: ما الذي تريده الزوجة بعيدًا عن زوجها؟ لماذا لا تستطيع هؤلاء النساء تجاوز هذا الرجل؟ ماذا سيتغير إذا حذفنا واحدة أو أكثر من العلاقات السابقة؟ ما الذي يخسره البطل حقًا؟ وهل تكشف النهاية تحولًا حدث بالفعل أم تعلن تحولًا لم يصنعه المسار؟

السؤال الذي يفرض نفسه هو: ألم يكن بين صناع الفيلم رجل رشيد يتساءل عما يصنعونه؟ ليس المقصود اعتراضًا أخلاقيًا على تقديم شخصية نسائية ضعيفة أو متعلقة برجل، فضعف الشخصية قد يكون مادة درامية ثرية، والتعلق المرضي قد ينتج عملًا موجعًا وعميقًا. الاعتراض أن الفيلم يكرر النموذج ذاته بلا وعي نقدي، ويقدمه في غلاف مرح يجعله يبدو طبيعيًا: الرجل يخطئ ويتلاعب ويراوغ، والنساء يواصلن الدوران حوله، ثم يُكافأ الجميع بنهاية تطلب التصالح مع ما شاهدناه.

لطالما عانت صورة المرأة في جانب من السينما التجارية من اختزالها في علاقتها بالرجل: أم تنتظره، وزوجة تراقبه، وحبيبة تسعى إليه، وامرأة سابقة تعجز عن نسيانه. لا يعني ذلك أن كل فيلم مطالب بتقديم بيان نسوي، لكنه مطالب، على الأقل، بأن يرى شخصياته بوصفها بشرًا لهم حيوات داخلية. المرأة لا تصبح شخصية لمجرد أن لها اسمًا ومهنة وبعض الجمل، بل عندما تمتلك إرادة تؤثر في الأحداث، واحتياجًا لا يُختزل في البطل، وقدرة على اتخاذ قرار يغير مصيرها.

يرفع «ريد فلاج» راية تحذير كبيرة، لكن ليس ضد العلاقات السامة كما يوحي عنوانه. الراية الحقيقية يحركها الفيلم من دون قصد، محذرًا من سينما لا تزال تتخيل أن الرجل هو الشمس، وأن النساء، مهما تعددت قصصهن وأعمارهن وتجاربهن، مجرد كواكب لا تستطيع الفكاك من جاذبيته. والأسوأ أن هذا الرجل لا يملك في البناء الدرامي ما يبرر كل هذا الدوران حوله؛ فهو مركز للكون فقط لأن السيناريو قرر ذلك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة