شهود المجزرة بالفرشاة.. الفنانة التشكيلية فاطمة أبو عودة في حوار "اليوم السابع": صنعت فرشاتي الأولى من خصلة شعري وألواني من مواد طبيعية كعصارة الفلفل الأحمر والكركم.. لوحاتي تحت ركام البيت والذاكرة ما زالت حية

الجمعة، 02 أكتوبر 2026 12:00 م
شهود المجزرة بالفرشاة.. الفنانة التشكيلية فاطمة أبو عودة في حوار "اليوم السابع": صنعت فرشاتي الأولى من خصلة شعري وألواني من مواد طبيعية كعصارة الفلفل الأحمر والكركم.. لوحاتي تحت ركام البيت والذاكرة ما زالت حية الفنانة الفلسطينية فاطمة أبو عودة

حوار / أحمد عرفة

 

<< كنت أرسم بسرعة لأن الموت يطاردني من مكان إلى آخر

<< الحرب قد تترك لوحتي خلفي وأحتفظ بها في هاتفي كي لا تموت الشهادة

<< أول شهرين من الحرب كنت أرسم إسكتشات عن الأحداث وكنت أتركها في المكان وأهرب أنا وعائلتي

<< رحل البيت والمرسم وبقيت اللوحة تحمل ما تبقى من الذاكرة

<< الفن أصبح بالنسبة لي أرشيفا بصريا.. وأرسم تفاصيل حياة حاولت الحرب قتلها

<< أكثر ما يؤلمني رحيل صديقتي الفنانة هبة زقوت.. وكنا نجهز لإقامة معرض ثنائي لكن رحلت  معها جميع الإسكتشات واللوحات

<< أصعب لحظة خلال الحرب عندما قصف الاحتلال خيمتنا ونحن نيام وأصيب زوجي واحترق

<< الفلسطيني في غزة ليس رقما في خبر عاجل بل إنسان لديه بيت وذاكرة

 

لم تعد اللوحة بالنسبة إليها مساحة هادئة للبحث عن الجمال، ولا صار المرسم شرطا لممارسة الفن، كانت هناك خيمة، وجدار، وقطعة كرتون، وبقايا حديد، وقليل من القهوة والكركم والفحم، وحين غابت الفرشاة، صنعت واحدة من خصلة من شعرها، كأن الإنسان حين تُنتزع منه الأشياء واحدة تلو الأخرى، يبدأ في البحث داخل نفسه عن آخر شيء يمكنه أن يتمسك به.

هذه الفنانة لم ترسم الحرب من خلف نافذة آمنة، رسمتها وهي تعيشها، رسمت النزوح الذي عاشته مع أطفالها، والبيوت التي تحولت إلى ركام، والطوابير، والخيام، والأمهات، والأطفال، والخوف، والجوع، والبحث عن مكان آمن لا يبدو أنه موجود، فقدت أعمالا كانت بالنسبة إليها أشبه بأبنائها، وفقدت مرسما كان يحمل جزءا من روحها، كما فقدت صديقة فنانة كان يفترض أن تشاركها معرضا لم يكتب له أن يرى النور

رغم كل ذلك، كانت تعود إلى الرسم، ربما لأن بعض الألم لا يجد طريقه إلى الخارج إلا عبر لوحة، وربما لأن الفنانة، وهي توثق ما تراه، كانت تحاول في الوقت نفسه أن تنقذ الوجوه والتفاصيل والذكريات من مصير آخر، أن يمحوها النسيان.

خلال حوارنا منع الفنانة التشكيلية الفلسطينية فاطمة أبو عودة، لا نتحدث عن الفن بوصفه ترفا في زمن الحرب، بل عن الفن حين يصبح ضرورة إنسانية، عن امرأة تحاول أن ترسم بينما ينهار المكان من حولها، ولوحة تحمل ذاكرة بيت، ولون صار له معنى آخر بعد الحرب، وفنانة تؤمن بأن الكاميرا قد توثق اللحظة، لكن اللوحة تستطيع أن تحمل ما كان يسكن خلفها، حيث الخوف، والانتظار، والفقد، والحنين، والرغبة في الحياة.

بين الركام واللوحة، والذاكرة والواقع، تروي لنا فنانة من غزة حكاية إنسان يحاول أن يقول للعالم، بكل ما تبقى لديه من ألوان، قد نخسر البيت، والمرسم، واللوحات، لكننا لن نسمح بأن يُمحى الإنسان من الحكاية، وإلى نص الحوار ..

الفنانة فاطمة أبو عودة
الفنانة فاطمة أبو عودة

كيف غيرت الحرب الإسرائيلية في غزة نظرتك إلى الفن ؟

قبل الحرب كان الفن بالنسبة لي مساحة للتعبير والجمال والبحث، أما اليوم فأصبح وسيلة للبقاء والشهادة وحفظ الذاكرة، أصبحت عينى كأنها  كاميرا تلتقط الأحداث وتحولها إلى لوحة تختلط بها المشاعر الصادقة والحقيقية أشعر أن مسؤوليتي كفنانة أحفظ ما يحاول الموت والدمار محوه، أصبحت اللوحة بالنسبة لي وثيقة إنسانية تحمل صوت الناس الذين ربما لن يستطيعوا أن يرووا قصصهم.

هل استطعتِ مواصلة الرسم خلال الحرب أم فرضت الظروف توقفا قسريا لمسيرتك الفنية؟

لم أتوقف عن مواصلة رسم اللوحات رغم فقدان المنزل والمرسم، ونقص المواد، وانشغالي بتأمين أبسط احتياجات الحياة، فهذا جعل ممارسة الفن مهمة شديدة الصعوبة، ومع ذلك صنعت فرشاتي الأولى من خصلة من شعري وصنعت ألواني من مواد طبيعية مثل عصارة الفلفل الأحمر والكركم  والقهوة وأيضا اليودو الفحم.

أين كنتِ ترسمين لوحاتك خلال الحرب؟

جميع الأسطح في الحرب أصبحت تصلح للرسم على جدران الخيمة أو على قطعة حديد مهترئة أو على كرتون أو ورق.

كيف كنتِ ترسمين لوحاتك في ظل العدوان الإسرائيلي؟

كنت أحرص على أن أكون سريعة في إنجاز اللوحة لأن الأحداث من حولي متسارعة ولا تسمح لي بالتباطؤ أو التراخي ،لأنني أشعر أن الموت يطاردني من مكان إلى آخر، فكنت الأسرع في رسم اللوحة والتقط لها صورة واحتفظ بها في الموبايل، وربما أتركها وأهرب أو أحملها معي حسب إشارة الإخلاء التي كانت تبلغ السكان بين الحين والآخر أو أن  أحملها معي لتكون شاهد على الحرب.

إحدى لوحات الفنانة الفلسطينية فاطمة أبو عودة
إحدى لوحات الفنانة الفلسطينية فاطمة أبو عودة

ما أول لوحة رسمتها بعد اندلاع الحرب وما القصة التي كانت تحملها؟

أول شهرين من الحرب كنت أرسم إسكتشات عن الأحداث، ولكنني كنت أتركها في المكان نفسه وأهرب أنا وعائلتي لأن القذائف كانت تلاحقنا في كل مرة، ولكن لوحتي الأولى اسمها "النزوح إلى رفح"، تتحدث عن قصة نزوحي أنا وأطفالي إلى رفح، حيث أقمنا الخيمة هناك بعد أجبرنا الاحتلال على مغادرة غزة، لم اجد الألوان حينها في شهر ديسمبر من عام 2023، لقد شاركت لوحتي هذه في معارض عديدة خارج الوطن، واتخذتها شركة Other Press للطباعة والنشر في نيويورك واجهة لكتالوج الشركة لعام 2025، وتم نشر قصة هذه اللوحة التي تتحدث عن مقارنة أحداث عاشتها جدتي مريم عام النكبة 1948ونفس الأحداث أعيشها أنا عام 2023.

كيف انعكست مشاهد الدمار والنزوح وفقد الأحبة في أعمالك الفنية؟

كل شيء دخل إلى لوحاتي، الخيام، الطوابير، البيوت المهدمة، الأطفال، الأمهات، الجوع، الخوف، والبحث عن مكان آمن لا وجود له، أصبحت أعمالي أكثر مباشرة وألما، ألواني حزينة وبرائحة الموت وأصبحت الذاكرة الشخصية جزءا من الذاكرة الجماعية.

هل فقدتِ لوحات أو مرسمك أو أدواتك الفنية خلال الحرب؟

نعم، فقدت منزلي ومرسمي وأعمالا وأدوات فنية كثيرة، فقدت أشياء لم تكن بالنسبة لي مجرد مقتنيات، كانت سنوات من حياتي وذاكرتي.

كيف تعاملتِ مع تلك الخسارة؟

في البداية شعرت أن جزءا مني دُفن تحت الركام، لكنني أدركت لاحقا أن الفنان يمكن أن يفقد أدواته ومكانه، لكنه لا يفقد قدرته على خلق الفن، وبدأت أبحث عن بدائل من البيئة المحيطة بي.

إلى أي مدى أصبح الفن بالنسبة لك وسيلة لتوثيق ما يعيشه الفلسطينيون في غزة؟

أصبح الفن بالنسبة لي أرشيفا بصريا، أرسم تفاصيل الحياة التي حاولت الحرب أن تقتلها، أم تحمل هيكل عظمي لأبنها، لقد تعرفت عليه من ملابسه، طفله يتطاير جسدها وهي تحمل وعاء الطعام حين كانت تقف على طابور التكية، كلاب تهاجم الخيام، وأطفال يبحثون عن رغيف خبز، هذه التفاصيل يجب أن تبقى في الذاكرة.

لوحة عن نزوح الفلسطينيين
لوحة عن نزوح الفلسطينيين

ما أكثر مشهد من الحرب بقي عالقا في ذاكرتك وتحول إلى عمل فني؟

الواقع نفسه أصبح أكثر قسوة من أي لوحة يمكن أن أرسمها ولكن اللوحة الحقيقية والواقعية التي لن أنساها، عندما كانت قطرات الدم تسيل من المصابين والجرحى، حيث تتسارع تلك القطرات لترسم لوحة على بلاط المستشفى تمثل لعنة على كل من تخلى عن الإنسانية .

كيف كانت لحظة نزوحك من منزلك في غزة ؟

لم أكن أريد مغادرة منزلي، ولكن تساقطت علينا القذائف والصواريخ وقنابل الفسفور، تركت البيت والذكريات الجميلة كانت لحظة صعبة جدا.

ما أكثر ما تتذكرينه من تلك الأيام الأولى؟

تشوش الذاكرة واختلاط بين الشهقات ورعشات جسد خائف وفي الخلف والأمام أشخاص يتطايرون أو يسقطون، وأهوال أظنها لا تكون إلا يوم القيامة وأفكار متسارعة حول أين المكان الآمن.

ماذا يعني للفنان أن يفقد منزله ومكانه الخاص الذي كان يحتضن أدواته ولوحاته وذكرياته؟

المرسم بالنسبة للفنان ليس غرفة فقط، هو جزء من هويته، فيه أفكاره وذكرياته وأدواته وأعماله، عندما فقدت مرسمي شعرت أنني فقدت جزءا من عالمي، لكنني تعلمت أن أرسم في أي مكان وفي أي وقت وتحت الصدمات النفسية، لا انتظر المزاج المعتدل ولا المرسم الهادئ ولا الفراشي الفارهة، بل تكفيني خصلة من شعري وقليل من القهوة لإنتاج لوحات تتحدث عن الإبادة الجماعية التي لم تر البشرية أبشع منها على وجه الأرض.

لوحة فنية لفاطمة أبو عودة في غزة
لوحة فنية لفاطمة أبو عودة في غزة

هل تعرض منزلك أو مرسمك للدمار خلال الحرب؟

نعم، تعرض منزلي ومرسمي للدمار الكامل  وكانت الخسارة قاسية جدا نفسيا وفنيا وماليا.

كيف أثرت هذه الخسارة عليك نفسيا وفنيا؟

فقدان المكان جعلني أشعر بالاقتلاع، لكن أصبحت أكثر دقة وأكثر قدرة على التحمل، حيث تغير أسلوبي في إنتاج الفن ليولد فن جديد يمثل ملحمة بصرية جديدة، وفي الوقت نفسه أصبح الركام وجدران الخيام مادة بصرية صادقة بعيدة عن التشويش أو التزوير.

ما أبرز المقتنيات الفنية أو الشخصية التي فقدتها وتشعرين أن فقدانها كان مؤلمًا بشكل خاص؟

مؤلم جدا، إنها غصة في القلب، فقدان جميع المنحوتات والمعلقات واللوحات وأيضا الإسكتشات مؤلم للغاية، إنه إرث كبير، كنت قد أنجزت معرض عام 2021 وسميته "تراتيل الروح" لم تنج منه أي لوحة جميعها باتت حتى الآن تحت ركام البيت، وتمثال بطول 120سم نحتت عليه الحارات القديمة ولوحة الانتظار، كم هي غالية على قلبي وكأنها أعز أبنائي.

هل كانت هناك لوحات أو أعمال لم تكتمل أو ذكريات مرتبطة بها فقدتها بسبب الحرب؟

نعم، كانت هناك أعمال ومشاريع لم تكتمل، إن أكثر ما يؤلمني رحيل صديقتي الفنانة التشكيلية هبة زقوت لقد كنا نجهز لإقامة معرض ثنائي في الثامن من مارس، ولكن رحلت هبة شهيدة ورحلت   الإسكتشات واللوحات جميعها، وبعض الأعمال لم تمنح فرصة لتأخذ شكلها النهائي، أحيانا أتذكر فكرة لوحة أو عملا كنت أعمل عليه وأشعر أنه ما زال يعيش بداخلي، وربما سيظهر يوما في عمل جديد ولقد أصبح حقيقة وقمت بتنفيذه .

لوحة فنية لفاطمة أبو عودة
لوحة فنية لفاطمة أبو عودة

كيف استطعتِ الحفاظ على هويتك كفنانة وسط ظروف النزوح والبحث عن أبسط مقومات الحياة؟

حافظت عليها بالتمسك بالفعل نفسه، أن أظل أرسم وأفكر وأخلق حتى لو بأبسط الإمكانيات، عندما لا أملك الألوان أبحث عن بدائل، استخدمت الفحم، القهوة، التوابل، الكركم، عصارات النباتات والحبر وغيرها من المواد المتاحة، حتى أنني صنعت فرشا من خصلة من شعري، كنت أقول لنفسي "إذا كانت الحرب تحاول أن تسلبني كل شيء، فلن أسمح لها أن تسلبني قدرتي على التعبير".

خلال النزوح.. هل وجدتِ مساحة أو أدوات تمكنك من ممارسة الرسم أم توقفتِ عن الفن لفترة؟

كانت هناك فترات توقفت فيها قسرا عن الرسم، لأن الأولوية كانت للبقاء، لكنني كنت أعود كلما سنحت الفرصة، لم تكن لدي دائما لوحة أو فرشاة أو ألوان، لذلك أصبحت أستخدم أي شيء متاح، الفن بالنسبة لي لم يعد مرتبطا بوجود مرسم كامل.

ما أصعب لحظة إنسانية عشتِها خلال الحرب وما زالت حاضرة في ذاكرتك؟

عندما تم قصف خيمتنا ونحن نيام وأصيب زوجي واحترق وسقط أجزاء من لحمه على الأرض، ورائحة شواء اللحم تفوح وتهز كياني، وأيضا الشعور المستمر بأن الحياة يمكن أن تنتهي في أي لحظة، والإنسان عاجز عن حماية من يحب، كذلك رؤية الأطفال يعيشون الخوف والجوع والنزوح تركت داخلي أثرا لا أعتقد أنه سيزول، هناك ألم لا يمكن وصفه بالكلمات، لذلك ألجأ أحيانا إلى اللوحة.

كيف تصفين شعور الفنان عندما يرى المكان الذي كان مصدر إلهامه يتحول إلى ركام؟

شعور يشبه أن ترى جزءا من روحك مدفونا أمام عينيك، المكان بالنسبة للفنان ليس جدرانا فقط، هو ذاكرة وألوان وروائح وأصوات وتفاصيل يومية، عندما يتحول إلى ركام، يصبح الفنان نفسه جزءا من هذا الركام، ثم يبدأ بمحاولة إعادة بناء المكان من خلال الذاكرة.

لوحة فنية للفنانة التشكيلية فاطمة أبو عودة
لوحة فنية للفنانة التشكيلية فاطمة أبو عودة

هل ترين أن اللوحة أصبحت الآن وسيلة لاستعادة ما فقدته من مكان وذكريات؟

لا يوجد وقت لرسم واستعادة ما فقدته من مكان، وذكريات أن الواقع الذي أعيشه لم يعطيني فرصة للرجوع، الذاكرة أن الإبادة الجماعية ما زالت مستمرة، والأحداث متسارعة كيف أترك الحدث الآني وانتقل إلى الذكريات الماضية .

كثير من لوحات الفنانين في غزة أصبحت شهادة بصرية على الحرب.. هل تستطيع اللوحة نقل ما تعجز عنه الكاميرا؟

نعم.. الكاميرا توثق اللحظة كما هي، بينما اللوحة تستطيع أن تحمل الإحساس الموجود خلف اللحظة، تستطيع أن تنقل الخوف، والانتظار، والحنين، والذاكرة، أحيانا قد تنظر إلى لوحة ولا ترى فقط ما حدث، بل تشعر بما كان يشعر به الإنسان الذي عاشه.

ما الرسالة التي تحرصين على إيصالها للعالم من خلال ألوانك ولوحاتك؟

رسالتي أن الفلسطيني في غزة ليس رقما في خبر عاجل، هو إنسان لديه بيت وذاكرة وأحلام وأطفال وفن وحياة، أريد أن يرى العالم إنسانيتنا، ويفهم أن غزة ليست مجرد صورة للدمار، بل شعب يحاول أن يحافظ على حياته وكرامته وذاكرته رغم كل شيء.

كيف أثرت الحرب على الحالة النفسية للفنان؟

الفن كان بالنسبة لي مساحة للتنفيس ومحاولة النجاة.

لوحة فنية للفنانة فاطمة أبو عودة
لوحة فنية للفنانة فاطمة أبو عودة

هل كانت اللوحة مساحة للعلاج أم زادت من الألم؟

أحيانا أشعر أنني أخرج جزءا من الألم عندما أرسمه، لكن في أحيان أخرى أعود إلى الجرح نفسه أثناء الرسم، لذلك هو علاج وألم في الوقت نفسه، لكنه على الأقل يمنحني طريقة لأقول ما لا أستطيع قوله بالكلام.

هل تغيرت الألوان التي تستخدمينها بعد الحرب؟

نعم، تغيرت علاقتي بالألوان.

هل أصبحت تميل إلى رمزية مختلفة؟

أصبحت الألوان أكثر ارتباطا بالرمز والمعنى، الأسود لم يعد مجرد لون، بل أصبح يحمل الركام والرماد والفقد، الأحمر أصبح يحمل الدم والحياة في الوقت نفسه، وحتى الألوان الطبيعية التي أستخدمها أصبحت جزءا من قصة الحرب، خاصة في ظل نقص المواد الفنية.

كيف ترين دور الفن التشكيلي في الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية للأجيال القادمة؟

الفن يستطيع أن يكون ذاكرة حية، قد تختفي المباني، وتضيع الصور، لكن اللوحة تستطيع أن تحمل قصة المكان والإنسان، أريد أن يأتي طفل فلسطيني بعد سنوات ويرى عملا فنيا فيعرف كيف عاش أجداده، ماذا فقدوا، وكيف تمسكوا بالحياة.

هل وجدتِ دعما من مؤسسات ثقافية أو فنانين خارج غزة خلال الحرب؟

نعم.. كان هناك تضامن من فنانين ومؤسسات ومبادرات ثقافية خارج غزة، هذا التضامن كان مهما للغاية، ليس فقط ماديا، وإنما إنسانيا، حيث أنشأنا بينالي غزة لتعرض لوحاتنا في كثير من دول العالم، وأيضا حمل مجموعة من فناني العالم لوحاتنا وقصصنا في المظاهرات للتضامن معنا، حينها أشعر أن صوت غزة وصل إلى كل العالم .

ما أصعب التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي في غزة اليوم؟

أكبر التحديات هي نقص المواد والأدوات الفنية، وغياب المساحات الآمنة للعمل، إلى جانب الظروف الإنسانية القاسية، الفنان هنا لا يفكر فقط في الألوان واللوحات، يفكر أولا في الطعام والماء والأمان والمأوى، ومع ذلك هناك إصرار كبير على الاستمرار.

هل تعملين حاليا على مشروع فني يوثق الحرب أو يحكي قصص المدنيين؟

نعم.. أعمل باستمرار على أعمال ومشاريع مرتبطة بتجربة الحرب والنزوح والذاكرة، أحاول أن أوثق ليس فقط مشاهد الدمار، بل حياة المدنيين وتفاصيلهم الصغيرة، لأنني أؤمن أن التاريخ لا يُكتب فقط من خلال الأحداث الكبيرة، وإنما من خلال قصص الناس أيضا.

ما الذي تريدين أن يشعر به من يقف أمام إحدى لوحاتك لأول مرة؟

أريده أن يتوقف قليلا، لا أن يمر أمام اللوحة مرورا سريعا، أريده أن يشعر بأن هناك إنسانا خلف هذه الصورة، ويرى الألم والكرامة معا، وإذا خرج من أمام اللوحة وهو يحمل سؤالا أو إحساسا تجاه غزة، فأعتقد أن اللوحة نجحت في إيصال رسالتها.

كيف تصفين المرأة الفلسطينية في أعمالك الفنية بعد كل ما شهدته من فقد ونزوح وصمود؟

المرأة الفلسطينية في أعمالي ليست فقط ضحية للحرب، هي أم، وفنانة، ومربية، وحارسة للذاكرة، وتحاول أن تحمي أبناءها وتحافظ على ما تبقى من الحياة، أراها قوية رغم تعبها، ومكسورة أحيانا لكنها لا تستسلم، هي صورة من صور الصمود الحقيقي.

ما الرسالة التي توجهينها إلى الفنانين حول العالم للتضامن مع فناني غزة؟

أقول لهم: لا تسمحوا بأن تختفي قصصنا، تضامنوا معنا من خلال الفن، والمعارض، والكلمة، وتوثيق أعمال الفنانين الفلسطينيين، لا نريد شفقة، نريد أن يُسمع صوتنا وأن تُحفظ أعمالنا وذاكرتنا، وجودكم إلى جانبنا يؤكد أن الفن يستطيع أن يتجاوز الحدود عندما تعجز السياسة عن ذلك.

هل تؤمنين بأن الفن يمكن أن يكون شكلا من أشكال المقاومة الثقافية وحفظ الذاكرة؟

بكل تأكيد، الفن مقاومة لأنه يقول "نحن ما زلنا هنا"، عندما أرسم بيتا دُمر، أو طفلا يحلم، أو امرأة تتمسك بالحياة، فأنا أحافظ على وجود هذه القصة، الفن لا يوقف الصاروخ، لكنه يستطيع أن يمنع محو الإنسان من الذاكرة.

بعد كل ما عشته خلال الحرب.. ما الحلم الذي ما زلتِ تتمسكين به كفنانة وإنسانة من غزة؟

حلمي أن أعيش يوما في مكان آمن، وأعود إلى مرسمي، وأجد مساحة أستطيع فيها أن أعمل دون خوف، أحلم أن أرى غزة تُبنى من جديد، ويكبر أطفالها وهم يعرفون الحياة لا الحرب فقط، وأحلم أن أستعيد فني بكل حريتي، وتصل لوحاتي إلى العالم حاملة رسالة بسيطة "نحن شعب يريد الحياة ويستحقها".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة