<< القدس تسكن قصائدي.. وفلسطين حاضرة في كل رواياتي
<< "كان لي" حكاية الإنسان.. و"عبق الأرض" محاولة لحفظ ذاكرة القدس وتفاصيلها
<< القدس بالنسبة لي أم قبل أن تكون مدينة
<< حرب غزة لم تقطع مسار كتابتي بل جعلته أكثر عمقا وألما وصدقا
<< قسوة الواقع لا تقتل رغبتنا في الكتابة بل تشحذها
<< أكتب للإنسان لا أكتب لجنسية بعينها ولا لعرق أو دين محدد
<< الشعر والرواية وجهان لفعل واحد هو الكتابة وكل منهما يكمل الآخر
<< الرواية الفلسطينية ليست خيالا منقطعا عن الواقع بل تنبثق من حياة حقيقية وتجربة إنسانية معيشة
<< الأمل عندنا ليس شعورا عابرا بل جزء من قدرتنا على الاستمرار
<< الفلسطيني قد يتعب ويتألم ويمر بأصعب الظروف لكنه لا يفقد الأمل
في القدس، حيث تتجاور الحكاية مع الذاكرة، ويصبح المكان نصا مفتوحا على التاريخ والهوية والإنسان، تتشكل تجربة الشاعرة والروائية المقدسية أفنان جولاني، التي جعلت من مدينتها الأولى وطنا للنص، ومن الكتابة مساحة لحفظ تفاصيلها ومقاومة النسيان.
في تجربتها الأدبية، لا تظهر القدس بوصفها خلفية للأحداث فحسب، بل تحضر باعتبارها شخصية حية تتنفس في القصيدة والرواية، بأزقتها القديمة، ومقدساتها، وبيوتها، وذاكرة أهلها، وتفاصيل الحياة اليومية التي لا يعرف أسرارها إلا من عاشها، ومن هذا المكان وُلدت أعمال جولاني، من قصيدتها الأولى "امرأة مقدسية" إلى رواياتها ودواوينها التي حملت فلسطين والإنسان والذاكرة في صلب خطابها الأدبي.
تكتب جولاني عن القدس لأنها ابنة المكان، وتكتب عن فلسطين لأنها ترى في الأدب مسؤولية تجاه الأرض والإنسان والذاكرة، وفي رؤيتها، لا تنفصل الكتابة عن المقاومة، ولا يمكن فصل القضية الفلسطينية عن بعدها الإنساني، فالكلمة، بالنسبة إليها، وسيلة لتوثيق ما يهدده النسيان، وحفظ ما تحاول التحولات السياسية والاجتماعية طمسه، ونقل تفاصيل الحياة الفلسطينية إلى قارئ يتجاوز حدود المكان.
وفي هذا الحوار، تتحدث أفنان جولاني عن علاقتها بالقدس، وعن حضور المدينة في تجربتها الشعرية والروائية، وكيف تحولت تفاصيل الحياة المقدسية إلى مادة للإبداع والتوثيق. كما تتناول مسؤولية الكاتب الفلسطيني في حفظ الذاكرة، ودور المرأة الفلسطينية في المشهد الثقافي، وأثر الحرب الأخيرة في مشروعها الأدبي، ورؤيتها للشعر والرواية والترجمة والنقد.
وتكشف كذلك عن أعمالها الأقرب إلى قلبها، وعن روايتي "عبق الأرض" و"كان لي"، وديوان "رفيق الروح"، وعن مشروعها الأدبي الجديد الذي تستعد لتقديمه للقارئ، بينما تعود في حديثها مرارا إلى السؤال الأكبر الذي يرافق تجربتها: كيف يمكن للأدب أن يحفظ الإنسان حين تحاول الحروب أن تسلبه المكان والذاكرة والحكاية؟
من القدس التي تصفها بأنها "الأم والوطن والقصيدة الأولى"، إلى فلسطين التي تراها قضية إنسانية قبل أن تكون قضية سياسية، تفتح أفنان جولاني في هذا الحوار أبواب تجربتها، لتتحدث عن مدينة لا تكتب عنها من بعيد، بل تكتبها من الداخل، مدينة تقول إنها لم تكن موضوعا في كتابتها فحسب، وإنما كانت سببا في تشكل هويتها الإبداعية، وإلى نص الحوار:

الشاعرة الفلسطينية أفنان جولاني
كيف تصفين علاقتك بمدينة القدس؟
القدس بالنسبة إلي أم قبل أن تكون مدينة، فيها وُلدت، وفيها ترعرعت ونشأت، وفيها امتدت جذور أهلي وأجدادي منذ القدم. هي عندي بمنزلة الأمّ التي تحتضن أبناءها، ولذلك فإن علاقتي بها ليست علاقة انتماء عابر، بل علاقة كيان بكيان، والقدس من أجمل مدن العالم؛ تزهو بمقدساتها وكنائسها ومساجدها، وبأسوار بلدتها القديمة وأزقتها وبيوتها العتيقة، وبشجر الزيتون الذي يظلل تلالها، وبعمارتها القديمة وأبوابها التاريخية ومناخها من أعذب مناخات الدنيا، معتدل صيفا وشتاء، وتربتها خصبة تصلح لكل زرع وغرس.
ما الذي تمنحه لك القدس يوميا كشاعرة وروائية؟
ما تمنحه لي كشاعرة وروائية، فهو الإلهام في أصفى صوره، فقد تغنيت بجمالها ومناظرها الخلابة، كما تغنى بها قبلي كبار الشعراء، وقيلت فيها أعذب الأغاني وأرقّ الأبيات وأخصب الروايات، وكل ما كتبته من نصوص إنما استوحيته من الحياة اليومية في القدس، ومن تاريخها وعراقتها، ومن ذلك النمط الخاص جدا في العيش الذي يعرفه المقدسي وحده، ولا يعرفه كثيرون حتى من أبناء فلسطين في مدنها الأخرى. من هنا كانت قصيدتي الأولى "امرأة مقدسية"، وكانت روايتي الأولى "عبق الأرض"، وكلتاهما وُلدتا من رحم هذه المدينة.
إلى أي مدى انعكس المكان المقدسي في قصائدك ورواياتك؟
المكان المقدسي هو الأثر الأعمق في تجربتي الشعرية والروائية على الإطلاق، فأنا أكتب لفلسطين كلها، لغزة ويافا وحيفا ونابلس والجليل وطولكرم، أكتب للبحر والشمس والعصافير، للأرض والتراب، للشهيد والشجر والأم الثكلى والسجين والطفل والحجر، غير أنني، بوصفي مقدسية تعيش داخل أسوار القدس، أمنح مدينتي الحصة الأكبر من قصائدي ورواياتي، وهذا ما يلتمسه القارئ ذاته، فثمة فضول عميق لدى الناس لمعرفة القدس عن قرب، كيف يحيا المقدسي يومه، وما مقدساتها وأزقتها وبيوتها وضواحيها وقراها وبساتينها وحدائقها، وما عاداتها وتقاليدها الموروثة، فتعبيري عن القدس، بوصفها عاصمة فلسطين، يختلف بالضرورة في عمقه وتفاصيله عن تعبيري عن سائر مدن الوطن.

أفنان جولانى
هل ترين أن الكتابة بالنسبة لك فعل مقاومة أم وسيلة لحفظ الذاكرة الفلسطينية؟
هي الاثنان معا، ولا انفصال بينهما في تجربتي، فالكلمة عندي مقاومة بذاتها، وحفظ الذاكرة والتراث واجب نحمله نحن الفلسطينيين قبل أن يكون خيارا، فحين أكتب، أقاوم النسيان الذي يراد فرضه على قضيتنا، وأقاوم محاولات طمس الرواية الفلسطينية وتزييفها، وأقاوم بالكلمة ما لا أملك مقاومته بغيرها، والقلم في يد الكاتب الفلسطيني سلاح لا يقل أثرا عن غيره من أدوات الصمود، لأنه يوثق ما يُراد إخفاؤه، ويخلد ما يُراد محوه، وفي الوقت ذاته، الكتابة عندي أمانة لحفظ الذاكرة، فكل قصيدة أكتبها، وكل صفحة أخطها، هي محاولة لتثبيت تفصيل من تفاصيل حياتنا قبل أن يبتلعه الزمن أو يُعاد تدوينه على غير حقيقته، فنحن أمام مسؤولية مزدوجة: أن نقاوم بالكلمة، وأن نحفظ بها في آن واحد تاريخنا وهويتنا وحكاية أرضنا، جيلا بعد جيل.
كيف تؤثر الحياة اليومية في القدس على الحالة الإبداعية للكاتب؟
الكاتب في القدس يعيش في فضاء مقيد إلى حد بعيد، فمنذ سنوات أربع تقريبا، ضاقت المساحة المتاحة لإقامة الندوات والمؤتمرات الثقافية والأدبية، بفعل ضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية فرضتها ظروف الحرب، فلم يعد المجال متاحا كما كان في الماضي، غير أن هذا الواقع اليومي القاسي، على قسوته، هو بذاته وقود للإبداع، فالكاتب المقدسي يكتب بمصداقية عما يعيشه يوميا من ضغوط، فتتحول تفاصيل حياته اليومية إلى قصص وروايات حية، ما يعيشه المقدسي في قلب مدينته، وعلى الحواجز حين يتنقل بين المدن الفلسطينية، وعلى المعابر والجسور حين يسافر.
ما القضية التي تشعرين أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي في الأدب الفلسطيني؟
الأدب الفلسطيني، في عمومه، محط اهتمام عالمي واسع، لا على صعيد الوطن العربي وحده، ذلك أن الفلسطيني يكتب كل ما يمر به ويوثقه، حتى حين يعجز الإعلام أو الشاشة عن نقل الصورة الحقيقية، فالفلسطيني يكتب حتى وهو خلف قضبان السجن، ويصل صوته إلى العالم عبر القصيدة والقصة والرواية، حتى إن الحجر ذاته يتحول في يده إلى نص يحرك المشاعر، وقضيتنا، بجوهرها، قضية إنسانية بحتة، ولذلك تستقطب اهتمام الأدباء في كل مكان: يُصغى للقصيدة الفلسطينية، ويُقبل على ترجمة الأدب الفلسطيني إلى لغات عدة، وتُقام الحوارات مع أدبائه، ويحضر الكاتب الفلسطيني في المؤتمرات والمهرجانات والمحافل الدولية.

الكاتبة والشاعرة المقدسية أفنان جولانى
كيف توازنين بين كتابة الشعر والرواية؟
الشعر والرواية، في نهاية المطاف، وجهان لفعل واحد هو الكتابة، والكاتب الحق قادر على التنقل بين الأجناس الأدبية متى امتلك الموهبة والرؤية.
أيهما يمنحك مساحة أكبر للتعبير؟
يمنحني الشعر مساحة رحبة للتعبير عبر الصورة الجمالية والتشبيه والإيحاء، فأعبر من خلاله عن المشاعر الجياشة، فرحا كانت أم حزنا، حبا أم ألما، وأتغنى بالمشهد كما أراه وأحسه، أما الرواية فتقتضي فكرة واضحة وحبكة محكمة وسردا وبناء للشخصيات والأحداث، والرواية الفلسطينية في تجربتي ليست خيالا منقطعا عن الواقع، بل تنبثق من حياة حقيقية وتجربة إنسانية معيشة، لذلك أجد في الرواية مساحة واسعة للتعبير عن الواقع بكل صدقه وتفاصيله، بينما يمنحني الشعر مساحة أرحب في استخدام الصورة واللغة الجمالية، ولا أفصل بين الجنسين؛ فكل منهما يكمل الآخر، وإن كان لكل منهما أدواته الخاصة، وفي النهاية أنا أكتب للوطن، أكتب لفلسطين ومدنها، أكتب للقدس الحبيبة، أكتب أدب المقاومة، وأشعر أن قلمي في ذاته فعل مقاومة، وأن الكتابة شكل من أشكالها.
هل تختلف اللغة التي تكتبين بها القصيدة عن اللغة التي تبنين بها الرواية؟
الفكرة في جوهرها واحدة، والنبرة واحدة، والمعنى الذي أسعى إليه واحد، غير أن أدوات التعبير تتباين، ففي القصيدة تتسع مساحة التعبير الجمالي، أستخدم الصورة والتشبيه والإيحاء والتصور الشعري، بينما تحتاج الرواية إلى لغة تخدم السرد والحكاية والشخصيات والأحداث، لكنني، في نهاية الأمر، أكتب للوطن، أكتب لفلسطين ومدنها، أكتب للقدس التي أحب، فتبقى الفكرة الأساسية واحدة: الدفاع عن الإنسان والوطن والذاكرة، وأؤمن بأن الكتابة نوع من أنواع المقاومة، وقلمي وسيلتي في التعبير عن انتمائي ودفاعي عن وطني، فقد تختلف الكلمات والأساليب بين القصيدة والرواية، لكن المعنى والرسالة والغاية تبقى واحدة.
ما أكثر عمل أدبي تشعرين أنه يمثل تجربتك الشخصية؟
أشعر أن جميع أعمالي تمثل جانبا من تجربتي وشخصيتي، ففي كل عمل أعبر عن الإنسان الفلسطيني، وعن الأرض والوطن والحب والذاكرة، كتبت عن القدس وحبي لفلسطين، وعائلتي وأبي وأبنائي وزوجي، وكتبت عن الحب والسلام والاحترام والتقدير، وكل هذه الموضوعات قريبة من وجداني، غير أنني لا أعني أن كل قصيدة تروي سيرتي حرفيا، بل هي تعبير عن أفكار ومشاعر أؤمن بها، ويمكن أن يشعر بها كل إنسان يحمل قيمه وكرامته، فأنا ضد الهمجية واللاإنسانية والعنف والحروب، وأدافع في كتابتي عن قيم الحب والسلام والكرامة الإنسانية، ولذلك أقول دائما: أفنان تكتب للإنسان، لا أكتب لجنسية بعينها ولا لعرق أو دين محدد، بل أكتب للإنسان، لأنه القيمة الأولى التي ينبغي أن نذود عنها.

رواية قلب من لؤلؤ
كيف ترين دور المرأة الفلسطينية في المشهد الثقافي اليوم؟
أصبحت المرأة الفلسطينية حاضرة بقوة في المشهد الثقافي، ولم يعد دورها محصورا في إطار واحد، فهي حاضرة في الساحة الأدبية والعلمية والسياسية، ولها حضور متنام على المستويين العربي والدولي، وللمرأة الفلسطينية مكانة عظيمة في مجتمعها، فقد كانت ولا تزال شريكة أساسية في صون الهوية والتراث والذاكرة الفلسطينية، تحملت وصبرت وثابرت في أقسى الظروف، تحملت فقدان ابنها الشهيد، وأسر زوجها أو ابنها أو أبيها، وكانت الأم التي ترعى أبناءها وتربيهم، وفي الآن ذاته ترعى أبناء وطنها وتحفظ تماسك مجتمعها، أما المرأة المثقفة والمتعلمة، فقد نهضت بعلمها وثقافتها، وقدمت صوتها بقوة وحرية في المؤتمرات العلمية والأدبية والمحافل العربية والدولية، وأرى أنها تستحق هذه المكانة، لأنها تؤدي دورها بإخلاص وصدق وأخلاق ورقي، فتعكس أمام العالم حقيقتها: امرأة قوية مثقفة صابرة، قادرة على تحويل الألم إلى طاقة عطاء وإبداع.
هل استطاع الأدب الفلسطيني أن يوصل الرواية الفلسطينية إلى العالم كما يجب؟
نعم، استطاع الأدب الفلسطيني، عبر الرواية والقصيدة والقصة، أن يصل إلى العالم، ويفتح أمام الرواية الفلسطينية أبوابا واسعة، والدليل على ذلك أن الإقبال على هذا الأدب وترجمته إلى لغات مختلفة يتزايد باطراد، وأصبحنا نطالب بالمزيد من الروايات الفلسطينية وترجمتها وإيصالها إلى القارئ العالمي، وأنا شخصيا ترجمت روايتي "كان لي" إلى اللغتين الإنجليزية والتركية، كما تُرجمت لي قصائد عدة إلى الإنجليزية والفرنسية واليونانية، وباتت أعمالي حاضرة في مكتبات عالمية أمام قراء في أنحاء مختلفة من العالم، وهذا دليل واضح على أن الأدب الفلسطيني تجاوز الحدود، وأن الرواية الفلسطينية لم تعد حبيسة المكان، بل باتت تحمل صوت الإنسان الفلسطيني وحكايته إلى القارئ في كل مكان.
هل تجدين أن الترجمة أصبحت ضرورة لوصول الأدب الفلسطيني إلى الجمهور العالمي؟
نعم، الترجمة ضرورة حقيقية اليوم، فهي تفتح أمام الأدب الفلسطيني أبوابا نحو القارئ العالمي، وكلما تُرجمت أعمالنا إلى لغات أكثر، اتسعت دائرة من يقرأ أدبنا ويتعرف إلى فلسطين من خلال صوت أبنائها، فالترجمة لا تنقل الكلمات وحدها، بل تنقل التجربة والذاكرة والحكاية الفلسطينية إلى ثقافات مختلفة، وقد أصبح الأدب الفلسطيني حاضرا في مكتبات عالمية عديدة، منها مكتبة الكونجرس الأمريكي، ومكتبات وطنية في أوروبا ودول الشرق الأوسط، بل وفي مكتبات تابعة للجهة التي تحتل أرضنا، وهذا الحضور شاهد على أن الرواية والقصيدة الفلسطينيتين عبرتا الحدود، وبلغتا القارئ في أماكن بعيدة عن فلسطين.
من هم الكتاب أو الشعراء الذين تركوا أثرا في تجربتك الأدبية؟
تأثرت منذ الصغر بعدد كبير من الأدباء والشعراء الذين شكلوا وجداني الأدبي والإنساني، وفي مقدمتهم الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي أراه رمزا من رموز الشعر الفلسطيني، وكذلك سميح القاسم وتوفيق زياد وفدوى طوقان وإبراهيم طوقان، وسواهم من الأدباء الفلسطينيين الذين شكلوا جزءا مهما من ذاكرتنا الأدبية، كما تأثرت بأسماء عربية كبيرة، منها نزار قباني ونجيب محفوظ وميخائيل نعيمة ونازك الملائكة وحنا مينه وأحلام مستغانمي وإحسان عبد القدوس وطه حسين ومي زيادة وجبران خليل جبران، وعلى المستوى العالمي، ترك فيودور دوستويفسكي وألكسندر بوشكين أثرا واضحا في تجربتي، وهذه الأسماء، مجتمعة، صنعت جزءا من ذائقتي الأدبية ووسعت رؤيتي للكتابة، فرأيت الأدب مساحة رحبة للإنسان والفكر والجمال، لا مجرد كلمات تُرصف على الورق.
هل تؤمنين بأن الرواية أصبحت أكثر قدرة من الشعر على توثيق التحولات الفلسطينية؟
نعم، أؤمن بأن الرواية أضحت أقدر على توثيق التحوّلات الفلسطينية، فهي تقوم على السرد، والسرد يمنح الكاتب مساحة أوسع للكشف عن خفايا المشهد وتفاصيل التحولات التي يمر بها المجتمع، ففي الرواية أستطيع أن أقدم الواقع بدقة أكبر، وأن أتابع الأحداث والشخصيات وتطوراتها، وأن أوثق ما يصعب توثيقه في قصيدة، أما الشعر فيتجه في جوهره نحو المشاعر والوجدان، ويقدم التجربة عبر الصورة الجمالية والتكثيف والإيحاء، ولئن أمكن أن نروي قصة داخل قصيدة، فمن الصعب أن نوثق من خلالها، بالدقة ذاتها، جميع التحولات السياسية والاجتماعية والإنسانية التي يمر بها الفلسطيني، والتحولات الفلسطينية متسارعة متتالية لا تنتظر، فتحتاج متابعة مستمرة وتوثيقا سريعا، وهنا تمنحني الرواية مساحة أرحب لتسجيل هذه التحولات وحفظ تفاصيلها.
كيف تتعاملين مع النقد الأدبي؟
النقد الأدبي أمر طبيعي في حياة كل أديب، وأتعامل معه بإيجابية، سواء أكان إشادة أم ملاحظة سلبية.
هل غير مسار كتاباتك يوما؟
آخذ من النقد ما يطور تجربتي، فإن وجدت ملاحظة تخص أسلوبي أو طريقة السرد أو البناء الأدبي، أعمل عليها وأسعى إلى تطوير أدواتي، وأعتقد أن الأديب لا ينبغي أن يتوقف عن التطور، فكلما قرأ أكثر وكتب أكثر وتعرض للنقد، ازدادت قدرته على مراجعة تجربته وتجديدها، أما فيما يخص موضوعات الأدب الفلسطيني تحديدا، فلا أرى مساحة كبيرة لنقد الموضوع ذاته، فنحن نكتب واقعا نعيشه ونوثقه، لا نخترعه ولا نتخيله، وقد يتناول النقد طريقة الكتابة أو السرد أو البناء، وهذا أمر طبيعي ومفيد، أما التجربة الفلسطينية فيعرف تفاصيلها من الداخل أصحابها وحدهم، وأنا، في كل الأحوال، أحترم النقاد، وأرى أن النقد البناء وسيلة مهمة لتطوير الكاتب وتجديد أدواته.
إلى أي مدى أثرت الأحداث الأخيرة في فلسطين على مشروعك الأدبي؟
أثرت الأحداث الأخيرة في مشروعي الأدبي تأثيرا عميقا، ودفعتني إلى الكتابة عن المشهد الفلسطيني بعمق أكبر، حيث شعرت أن ما نعيشه كفلسطينيين لا يصل دائما إلى العالم بصورته الحقيقية، فكانت هذه الأحداث حافزا لأن أوثق ما نراه ونعيشه بأعيننا، لا كما يُنقل إلينا عبر الشاشات، وأن أكتب بجرأة وصدق أكبر، وبدأت الأحداث في غزة، التي استحقت بحق كل ما نالته من اهتمام أمام هول المأساة الإنسانية التي عاشتها، فكتب عنها الأدباء الفلسطينيون جميعا، غير أنني شعرت في الوقت ذاته بضرورة الكتابة عن بقية المدن الفلسطينية، وعن معاناة إنسانها التي لا تصل صورتها كاملة إلى العالم، ومن هنا أصبحت الكتابة وسيلتي لتوسيع المشهد، ولإظهار فلسطين بكل مدنها وتفاصيلها، لا في صورة واحدة مختزلة.
هل تغيرت موضوعات كتاباتك بعد الحرب أم أنها عمّقت ما كنتِ تكتبينه من قبل؟
لم تتغير موضوعاتي تغيرا جذريا، بقدر ما تعمقت، أصبحت أتناول قضايا الحرب وأثرها في الإنسان بعمق أكبر الهجرة، والذل والإهانة، والعنصرية التي ازدادت حضورا وقسوة، ومشاهد إنسانية مؤلمة قد تعجز الصحافة نفسها عن توثيقها كما ينبغي، جعلتني الحرب أكتب بألم أشد ووجع أعمق، وبالتصاق أكثر بالتفاصيل الإنسانية، وهي في جوهرها امتداد لما كنت أكتبه عن القدس والمدن الفلسطينية، لكنها دفعتني إلى طبقات أعمق من المأساة، فثمة فرق بين أن تكتب يوميا عن واقع تعيشه، وتعيش حربا تعيد تشكيل كل شيء من حولك اللغة، والذاكرة، والمشاعر، وحتى طريقة النظر إلى الإنسان والحياة، ولذلك أقول إن حرب غزة لم تقطع مسار كتابتي، بل جعلته أكثر عمقا وألما وصدقا.
كيف يعيش الكاتب الفلسطيني التناقض بين الرغبة في الكتابة وقسوة الواقع اليومي؟
قسوة الواقع لا تقتل رغبتنا في الكتابة، بل تشحذها، وتدفعنا إلى التوثيق أكثر، نكتب لأننا نريد أن نعبر عن الإهانة التي يتعرض لها الإنسان الفلسطيني، وعن الألم والغضب، وعن ذلك التمرد الذي يولد في قلب كل فلسطيني حين يشعر أن كرامته تُنتهك، ونحن شعب يقاوم كل يوم، نقاوم بالقلم والكلمة والعلم والعمل والدراسة والتمسك بالحياة، الصغير يقاوم، والكبير يقاوم، والمرأة تقاوم، وكبار السن يقاومون، وكل ما نفعله في حياتنا اليومية هو ضرب من ضروب المقاومة والصمود، والضغوط التي يعيشها الفلسطيني يوميا هائلة، ولعله يصعب على من لم يعش هذه التجربة أن يدرك حجمها، ومع ذلك، يبقى شعبنا شعبا مكافحا، متمسكا بثقافته وحضارته وعلمه، استطاع أن يخرج من تحت الأنقاض، ومن الموت، ومن برك الدم، ومن الزنازين والسجون، ليواصل الحياة، فنحن لا نكتب المأساة من بعيد، نحن نعيشها، ونكتب القسوة لأننا نعرفها، ونكتب الواقع لأننا جزء منه.

رواية حب ودموع
ما الرسائل التي تحرصين على إيصالها من خلال أعمالك إلى القارئ العربي؟
رسالتي الأولى هي الإنسان، أؤمن بأنه لا فرق بين إنسان وآخر بسبب جنسيته أو عرقه أو دينه أو معتقده أو مذهبه، وأن للإنسان كرامة وحقوقا وكيانا وذاتا يجب أن تُحترم، ومن هنا أرى أن القضية الفلسطينية قضية إنسانية بامتياز، فحين أكتب عن فلسطين، لا أكتب عن قضية سياسية مجردة، بل عن الإنسان وحقه في الحياة والكرامة والأمان والحرية، وأحرص على أن تصل إلى القارئ العربي والأجنبي رسائل تتصل بمحبة الإنسان، وحب الخير، والسلام، والاحترام، واحترام اختلاف الثقافات، وعلى ضرورة الحفاظ على حضارتنا العربية وثقافتنا، والعودة إلى الكتاب والقراءة؛ فالحضارة لا تُبنى إلا بمجتمع واع مثقف، وكلما ازداد وعيا وثقافة، استطاعت حضارتنا أن تنهض وتستمر، وأتمنى أن نُعلم الأجيال القادمة أن الاختلاف لا يلغي الإنسانية، واحترام الآخر لا ينتقص من هويتنا، والمحبة والسلام والقراءة والعلم أسسٌ يُبنى عليها مستقبل أكثر إنسانية.
صدر لكِ عدد من الروايات والدواوين الشعرية.. أيها الأقرب إلى قلبك ؟
كل عمل من أعمالي قريب إلى قلبي، لأنني كتبته بحب، وأودعت فيه شيئا مما أشعر به وأريد التعبير عنه، غير أن الولادة الأولى تظل الأجمل والأقرب إلى قلب الكاتب، ولذلك تبقى رواية "كان لي" الأقرب إلى قلبي، لأنها كانت ابنتي البِكر وأول إنتاج روائي لي، وكذلك ديواني الأول "رفيق الروح" له مكانة خاصة عندي، فالعمل الأول يحمل رهبة التجربة الأولى، وفرحة الاكتشاف الأولى، ولحظة خروج ما كان كامنا في داخل الكاتب إلى العالم للمرة الأولى.

رواية رفيق الروح
رواية "عبق الأرض" لاقت اهتماما واسعا.. ما الرسالة التي أردتِ إيصالها من خلالها؟
تتحدث "عبق الأرض" عن القدس، وعن قضية الهجرة التي تمسّ كل فلسطيني بطريقة أو بأخرى، فهناك من يفكر في الهجرة، وهناك من يتمسّك بالبقاء، واليوم، في ظل الضغوط الكبيرة التي يعيشها الفلسطينيون، لا سيما بعد أحداث غزة الأخيرة، أصبحنا نسمع من الجيل الجديد من يفكر في الهجرة بحثا عن حياة أكثر أمانا واستقرارا، وفي الوقت نفسه يبقى متمسكا بوطنه، غير أنني أؤمن بأننا كشعب فلسطيني لا ينبغي أن نتخلى عن أرضنا، ولا أن نترك ذرة من ترابها، قد تدفع الضغوط الإنسان لحظة انفعال أو يأس إلى التفكير في الرحيل، لكن رسالتي كانت دوما أن نبقى ونصمد ونتحمل الضيق حتى يأتي الفرج، وأن نحافظ على أرضنا وتراثنا في ظل محاولات سرقته وطمس ملامحه.
وأردت في هذه الرواية أن أقدم القدس من الداخل، كما لا يعرفها العالم، فوصفت أزقتها وأبواب بيوتها، وبيوتها القديمة في البلدة القديمة، ورائحة الكعك المقدسي، ودرجات باب العمود، وأصوات الباعة، وتجوال الأطفال في أزقتها، ودكاكينها ومحلاتها، وطقوس أهلها في رمضان وسائر أيام السنة، وتكاتفهم ومعرفة بعضهم بعضا، وحفاظهم على بيوتهم التي يعود بعضها إلى مئات السنين، فهذه التفاصيل الصغيرة والكبيرة هي التي تصنع روح المدينة، ولا يعرف العالم القدس حقا ما لم تُرو له، كما حاولت أن أوثق معاناة الإنسان المقدسي، وهو من أكثر الفلسطينيين معاناة وإن كان جانب كبير من معاناته لا يصل إلى العالم، معاناة اقتصادية واجتماعية وإنسانية يومية، وحصار وقيود تلازم تفاصيل حياته داخل مدينته، فكانت "عبق الأرض" محاولة لحفظ ذاكرة القدس وتفاصيلها، ولتخليد الإنسان المقدسي الذي يعيش فيها ويتمسك بها رغم كل شيء.

رواية عبق الأرض
كيف ولدت فكرة رواية "كان لي"؟
ولدت فكرة "كان لي" من قضية الهجرة أيضا، وهي قضية شغلتني في أكثر من عمل، حيث تروي الرواية قصة فتاة فلسطينية عاشت في لبنان، وهاجرت مع والدها بعد وفاة والدتها، وكانت الهجرة هي الفكرة الأولى التي انطلقت منها الرواية.
ما أبرز القضايا التي تناقشها تلك الرواية؟
القضية الأهم التي أردت طرحها هي قضية الإنسان، وألا تكون الديانة أو الهوية حاجزا بين إنسان وإنسان، ففي الرواية عائلتان، مسيحية ومسلمة، والعائلة اللبنانية المسيحية هي التي احتضنت العائلة الفلسطينية المسلمة، ومن خلال هذه العلاقة أردت أن أقول للعالم بوضوح: لا فرق بين إنسان وإنسان، والإنسان يستطيع أن يحب أخاه الإنسان ويحميه ويحتضنه بصرف النظر عن دينه أو معتقده، كما أردت أن أوضح كذلك أن المحبة والرحمة والسلام ليست حكرا على دين دون آخر، فالمسيحية دين محبة، والإسلام دين محبة ورحمة وسلام، وفي النهاية نحن جميعا بشر خُلقنا على الخير والمحبة والمعروف، وما الشر إلا من صناعة الإنسان واختياراته، لا من فطرته، ولهذا كانت "كان لي" بالنسبة إلي أكثر من حكاية هجرة؛ كانت محاولة للحديث عن الإنسان وقدرته على احتضان أخيه رغم الاختلاف، وعن أن ما يجمعنا كإنسانية أكبر بكثير مما يفرّقنا.

رواية كان لى
في ديوان "رفيق الروح" يطغى الحضور الإنساني والوطني.. ما الذي ألهمك كتابة هذه النصوص؟
كما أسلفت، أنا أكتب للإنسان، وحكاية وطني في جوهرها حكاية إنسانية بحتة، فالقضية الإنسانية جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية، وحين أكتب عن فلسطين، فإنما أكتب قبل كل شيء عن الإنسان الفلسطيني، أكتب عنه بكل حب، وأحاول أن أشرح للعالم كيف يمكن للإنسان أن يُهان ويُقهر، وكيف يولد هذا القهر في داخله تمردا وثورة تدفعانه إلى الدفاع عن أرضه ووطنه وكرامته، وأؤمن بأن الإنسان حر، وله الحق في أن يعيش بكرامة وأمان وأن يفعل الخير، ولا يملك أحد الحق في أن يؤذي إنسانا آخر، فللإنسان حقوق وكرامة وعزة لا يجوز لأحد أن يسلبها منه، وأبسط ما أستطيع أن أقدمه لوطني هو أن أكتب له، فكتبت عن الشهيد، والأسير، والأم الفلسطينية سواء أفقدت أبناءها أم كانت امرأة صابرة تحمل أعباء أسرتها، وكتبت عن الطفل والحجر والمسن، وعن سماء فلسطين وأرضها وترابها، أما عنوان "رفيق الروح"، فاخترته لأن فلسطين رفيقة روحي، ورفيقة روح كل فلسطيني، لا نكتب لفلسطين بوصفها وطنا فحسب، فهي عندنا الحبيبة والأم والأب والأبناء والعائلة، ونحن جميعا لها، وكل ما فينا يكتب لها.
قصائدك مثل "امرأة مقدسية" و"فلسطينية" تحمل بعدا وطنيا واضحا.. هل ترين أن الشاعر الفلسطيني يحمل مسؤولية توثيق الواقع؟
بالتأكيد، أرى أن الشاعر الفلسطيني يحمل مسؤولية جسيمة تجاه أرضه ووطنه، حيث من أهم مهامه أن يوثّق تجربته ويحفظ ذاكرة شعبه بالكلمة، وأكن كل التقدير والامتنان لجميع الشعراء العرب الذين كتبوا عن فلسطين وقدموا لها أعمالا وملحمات شعرية عظيمة، وهذا موقف نعتز به، غير أن ثمة فرقا بين أن يكتب الأديب العربي عن فلسطين، وبين أن يكتب الأديب الفلسطيني من داخل التجربة ذاتها، فالأديب الفلسطيني يتذوّق الوجع كل يوم، ويراه بعينيه ويعيشه بكل جوارحه، حيث يندر أن تجد بيتا فلسطينيا لم يمسسه هذا الألم، أسير، أو شهيد، أو مهجر، أو أسرة عاشت الفقد أو الاعتقال أو النزوح، من هنا تختلف طريقة التعبير ودقة الوصف وعمق التفاصيل، لأن الكاتب الفلسطيني يكتب من تجربة عاشها لا من مشهد رآه من بعيد، وأؤمن أن تجربتي كفلسطينية مقدسية تمنح كتابتي خصوصية، فحين أكتب عن القدس، لا أصف مكانا أعرفه فحسب، بل أصف مكانا عشت فيه وولدت فيه ونشأت بين تفاصيله، ففي "امرأة مقدسية" تحدثت عن القدس وخصوصيتها، وفي "فلسطينية" اتسعت الدائرة لتشمل مدن فلسطين كلها، فتغنيت بجمالها وبالمرأة الفلسطينية والأرض الفلسطينية.
ما المشروع الأدبي الذي تعملين عليه حاليا؟
أعمل حاليا على ديوان شعري جديد، آمل أن يصدر في شهر يناير بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، كما أعمل على رواية جديدة تختلف اختلافا كبيرا عن "عبق الأرض" و"كان لي"، فهي من نوع مختلف، وأعمق في تناولها للواقع، وتحتاج دقة كبيرة في كتابة تفاصيلها، لأنها مستندة كليا إلى أحداث واقعية وقعت في مدينة القدس، ولذلك أشعر تجاهها بمسؤولية كبيرة.
ما الذي يميز تلك الأعمال عن أعمالك السابقة؟
ولا أريد أن أكشف الكثير عن تفاصيلها الآن، إذ أوثر أن تحتفظ برونقها ومفاجآتها إلى أن تخرج إلى القارئ.
ماذا تقول أفنان جولاني للقراء العرب عن القدس كما تراها هي لا كما تُنقل في الأخبار؟
ماذا أقول عن حبيبتي القدس؟ هي، كما غنت فيروز، زهرة المدائن، لكنني أجد وصفها بالكلمات وحدها أمرا شديد الصعوبة، فهي بالنسبة إليّ ليست مدينة فحسب، بل نور الحياة، لا أرى النور كما أراه حين أكون فيها؛ هي عندي النور والحياة والذاكرة والحب، وأتمنى لكل مواطن عربي أن يزور القدس يومًا، فمن يدخلها ويرى جمالها وتاريخها ومقدساتها وعراقتها، سيكتشف مدينة مختلفة تماما عما تنقله الأخبار، مدينة تشد الإنسان بتاريخها وعمارتها القديمة التي ما زالت تحكي عن حضارات متعاقبة، وتروي تاريخًا عميقًا في كل حجر وباب وزقاق، أراها أمي وابنتي وصديقتي، أراها حياتي وحبيبتي، أراها نبضي وقصيدتي وشعري، نحيا في القدس، وبدونها نشعر أننا نفقد جزءا من حياتنا، فهي الأرض التي تستحق أن نعيش من أجلها، وكما قال محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وأنا أؤمن أن القدس وفلسطين تستحقان الحياة.
ماذا يعني أن تكوني كاتبة تعيش في القدس بكل ما تحمله من تحديات يومية؟
يعني أن أحمل مسؤولية مضاعفة تجاه كل ما أراه وأعيشه، علي أن أوثق كل ما تمر به المدينة، حزنها وفرحها، ضغطها وأملها، تراثها وعاداتها، وتفاصيل حياة أهلها، أكتب عن صباح القدس ومسائها، عن طعامها ومطاعمها ودكاكينها، عن أهلها وأصدقائها وأحبتها، كما أكتب عن الضغوط والقيود والحواجز التي غدت جزءا من تفاصيل حياتنا اليومية، والحياة في القدس ليست سهلة، والمقدسي يعيش تحت ضغوط كثيرة تحد من حريته وتجعله يشعر أحيانا أنه محاصر ومكبوت، ولهذا أشعر أن مهمتي ككاتبة ألا أدع هذه التفاصيل تضيع، وأن أُبقي حياة المقدسي حاضرة في الأدب، بكل ما فيها من ألم وفرح، ومن قسوة وجمال.
هل هناك موقف شخصي في القدس تحول لاحقا إلى قصيدة أو رواية؟
بالتأكيد، فمعظم ما كتبته يرتبط بتجارب ومشاهد حقيقية عشتها أو عايشتها في القدس، فرواية "عبق الأرض"، على سبيل المثال، تقوم على مشهد وتجربة حقيقية وقعت في المدينة، وكذلك "كان لي" تنطلق من مشهد حقيقي فيها امتدت أحداثه لاحقا إلى لبنان، وكذلك معظم قصائدي المنشورة في دواويني تنبثق من مشاهد وتجارب حقيقية، فأنا لا أكتب عن القدس من خيال بعيد عنها، بل أعيش فيها وأرى تفاصيلها وأسمع أصواتها وألتقي أهلها، فتتحول تجربتي اليومية إلى مادة شعرية وروائية.
كيف تحافظين على الأمل وسط كل ما يعيشه الفلسطينيون؟
نحن كفلسطينيين، رغم كل ما نواجهه من تحديات وصعوبات، لم نفقد الأمل يوما، فالأمل عندنا ليس شعورا عابرا، بل جزء من قدرتنا على الاستمرار، نصنع الأمل في داخلنا، ونحول التحديات إلى دافع للاستمرار، نعيش عليه ونكتب له، وننظر دوما إلى المستقبل بعين تؤمن بأن القادم يمكن أن يكون أفضل، وقد يتعب الفلسطيني ويتألم ويمر بأصعب الظروف، لكنه لا يفقد الأمل، لأنه أحد أسباب بقائه وصموده، ونحن نعيش بالأمل، ولذلك نستمر في الحياة.
ماذا تعلمتِ من القدس كإنسانة قبل أن تكوني كاتبة؟
تعلمت منها أن أحافظ على قدسية المكان، وعلى قدسية المدينة وتاريخها وتراثها ووجودها، وتعلمت أن أكتب عنها لا لأنني كاتبة فحسب، بل لأنني مقدسية، فانتمائي إليها سابق على الكتابة، والكتابة جاءت لاحقا لتكون وسيلتي للتعبير عن هذا الانتماء، علمتني القدس أن أواجه الحياة بكل صعوباتها، وأن أُبقي الأمل حاضرا مهما اشتدت الظروف، وأحافظ على الأرض والتاريخ والتراث والمقدسات، وأتمسك بما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا، والأهم من ذلك أنها زرعت فينا حبها فطريا، فنحن لا نتعلم حب القدس من الكتب وحدها، بل نولد وهذا الحب كامن في دواخلنا، وأستطيع القول إنني كتبت القدس، ثم أصبحت كاتبة بسبب القدس، فهي لم تكن موضوعًا في كتابتي وحسب، بل كانت سببا من أسباب تشكل هويتي الإبداعية.
إذا طلب منك اختصار القدس في جملة واحدة.. فماذا ستقولين؟
القدس شمس الوطن العربي، ونور الحياة، ونبض الفلسطينيين، هي النور الذي نحيا به، وبدونها نشعر أن جزءا من حياتنا قد انطفأ، ليست القدس بالنسبة إلينا مكانا نعيش فيه فحسب، بل هي الحياة نفسها، فأختصرها بكلمات قليلة: القدس نور حياتنا، وحياتنا لا تكتمل من دونها.