هل يمكن أن تُورَّث الجريمة، وهل المُجرِم لابد أن يكون نسله مُجرماً مثله؟، وهل يستطيع هذا النسل أن يقاوم جينات الإجرام القابعة بداخله؟، هذه الأسئلة يطرحها فيلم The Whisper Man، والذى يُعرض عبر منصة "نت فليكس"، دون العرض على شاشات العرض السينمائية، ويقوم ببطولته النجم العالمى روبرت دي نيرو، إلى جانب كل من آدم سكوت وميشيل موناجان.

أحداث الفيلم
قد يبدو للوهلة الأولى أن حبكة فيلم The Whisper Man، كلاسيكية إلى حد كبير، فالفيلم من حيث النوع، ينتمى إلى فئة أفلام الجريمة، تدور أحداثه حول الأب توم كينيدي (آدم سكوت) ينتقل إلى منزل جديد مع طفله المنطوي نسبيا (جايك)، بعد أن توفيت الأم، وفي نفس الوقت، تحقق ضابطة الشرطة أماندا بيك (ميشيل موناجان) في جرائم خطف أطفال وقتلهم من قِبل قاتل متسلسل له أسلوبه الخاص في الخطف، هذا الأسلوب الذى يُعيد إلى الأذهان ذكرى قاتل آخر متسلسل وهو فرانك كارتر (مايكل كيتون)، تمكن ضابط شرطة المُتقاعد حاليا بيت ويليس (دي نيرو) من القبض عليه، وإيداعه في السجن، ولكن ما يثير الغرابة، أن أسلوب الخطف والقتل، هو نفسه، الامر الذى يدفع المحققة إلى محاولة الإستعانة بالضابط المتقاعد بيت ويليس الذى سبق له أن ألقى القبض على فرانك كارتر، والذى عُرف بـ "الهامس"، حيث كان ينتقى ضحاياه من الأطفال، الذين يُعانون من مشكلات اجتماعية مع آباءهم.
يرفض بيت ويليس التعاون مع المحققة في بداية الأمر، إلى أن يُخطف الطفل جايك من منزله، ونكتشف أنه حفيد بيت ويليس، الضابط المتقاعد، والذى انفصل عن زوجته في الماضى، وتخلى عن ابنه توم، والذى يَكن عداوة وكراهية لوالده.

أغلب أحداث الفيلم، كانت محاولات المحققة والضابط المتقاعد والأب للبحث عن الطفل، حتى تبدأ خيوط الجريمة في الوضوح شيئا فشيئا، حينما نكتشف أن فرانك الموجود في السجن يقضى عقوبته، له صلة بالجرائم التي تحدث في الخارج، وأن الجاني الحقيقي هو ابنه فرانسيس، الذى يعمل كأخصائي نفسي في مدرسة الطفل "جايك"، وانه يقوم بهذه الجرائم تكريما لذكرى والده الذى يقضى عقوبته.
قضية الفيلم الأساسية هو العلاقة المُعقدة بين الآباء والأبناء، وهو مأخوذ من رواية The Whisper Man لألكس نورث الصادرة في 2019، ولكن يأتي الفيلم في قالب "أفلام الجريمة"، فالتشويق والإثارة والغموض المُصاحبين لأفلام الجريمة، ليسوا هم أولوية صُناع العمل، لكن الأولوية كانت لجوهر الفيلم والتناول النفسي للعلاقات الأبوية الشائكة.

الفيلم يغوص في العديد من المستويات النفسية التي لها علاقة بدوافع شخوصه الإجرامية لارتكاب الجرائم، إذ أن فرانك تعرض لاعتداءات جنسية من والده، بينما يسير ابنه فرانسيس على نهجه اعتقادا أن هذا الأب هو أسطورة حقيقية، بينما هناك مستويات أخرى من التعقيدات النفسية المتعلقة بعلاقة الآباء بأبناءهم في معسكر بيت ويليس، فهو منقطع الصلة عن ابنه توم، ولم ير حفيده جايك، وأصل هذا التصدع انفصاله عن زوجته، وعدم السماح له برؤية ابنهما توم إلا حينما يخلد للنوم، ولكن توم يكتشف أن أبيه كان قريب منه دائما، فهو صديقه الخيالي الذى كان يروي له الحكايات أثناء نومه.
الجريمة والخوف الغريزي
ما يمنح موضوع فيلم The Whisper Man قوته، هو الذعر من كارثة خطف الأطفال وقتلهم لأي سبب كان، ويتضمن الفيلم أكثر من نموذج أبوي، تتمحور حولهم الأحداث، النموذج الأول هو توم كينيدي، الروائي الذى يُعانى مع طفله بسبب وفاة الأم، فبدأ الطفل يشعر بوحدة، مع بعض الهلاوس بوجود شخص ما حوله، وهو ما يؤرق الأب، النموذج الثانى هو بيت الذى يعيش وحيدا بعد تقاعده، ويعانى هو الآخر من علاقة منقطعة مع ابنه توم، (في أحد المشاهد التي تجمعهما يتحدثان عن تصدع في سقف المنزل لا يُمكن ترميمه في إشارة لعلاقتهما)، أما النموذج الثالث، فهو القاتل الأب مع ابنه القاتل الابن، فالأخير يرى في والده نموذجا وأيقونة وأسطورة حية، لكنه يفشل أن يكون مثله.
ولا شك أن هذه العلاقات تؤرق المُشاهد وتقلقه في الحقيقة، فكما ورد في موسوعة شيرمر السينمائية التي حررها وأشرف عليها باري كيث جرانت وترجمها أحمد يوسف، فأفلام الجريمة تُتيح للمتفرج أن يُحقق رغبتين لا تجتمعان بشكل منطقى الرغبة فى الدخول إلى عالم إجرامى يتحاشى المتفرج أن يتحمل مشاقه فى الحياة الحقيقية، والرغبة في الخروج من هذا العالم دون عواقب وخيمة.
كما أن أفلام الجريمة تعتمد على خوف شبه عالمي من الجريمة، وفى الوقت ذاته على جاذبية قوية تجاه العالم الإجرامى، وهو ما ينطبق تماما على الفيلم، فالكثيرون يميلون إلى قراءة القصص القائمة على قتلة متسلسلين، ولكن بالتأكيد لا أحد يتمنى أن يكون مكان الضحية، هذا بخلاف أنه في كثير من الأحيان تحمل مثل هذه القصص في طياتها نوعا من "التطهّر" من الذنب.
إيجابيات وسلبيات
وبعيدا عن قضية الفيلم، فإن السيناريو لم يكن مُفاجئا في كثير من الأحيان، بل يمكن للمشاهد أن يتوقع تحركات القاتل المُقبلة، بل أنه ببعض المجهود والتركيز في التفاصيل، يستطيع أن يصل لهويته حتى قبل أن يظهر، فقد ظهر القاتل في منتصف الفيلم في لقطة عابرة لم تتجاوز الثانيتين في أحد المشاهد، كما شاب الفيلم قدرا من الملل والرتابة في بعض أجزاءه، بتفاصيل كان من السهل تجنبها أو تجاوزها والابتعاد عنها.
وفى نفس الوقت، امتاز الفيلم ببعض نقاط القوة، التي يأتي في مقدمتها الثنائي روبرت دي نيرو، ومايكل كيتون، حيث كانا أصحاب الأداء الأبرز والأقوى في الفيلم، ليس فقط بحكم خبرتهما الطويلة، وكونهما ممثلين مُخضرمين، ولكن في قدرة كل منهما على فهم طبيعية الشخصية التي يؤديها بأبعادها، فروبرت دي نيرو، كانت لديه تلك النظرة المتحسرة لسوء علاقته بابنه، مع بعض الغموض الذى يكتنف تلك العلاقة، وطيف الندم الذى يظهر دائما على وجهه وحرصه على إنقاذ حفيده، أما مايكل كيتون، فرغم أنه لم يظهر سوى في 3 مشاهد فحسب، لكن ظهوره كان هادئا بما يتماشى مع طبيعة قاتل متسلسل يقضى عقوبته في السجن، وإدراكه أن الشرطة في أمس الحاجة إلى مساعدته، ومع هذا الهدوء المُخيف تظهر عليه بين الحين والآخر ملامح الجنون في عينيه.
كذلك كان للمخرج جيمس أشكروفت بصمة واضحة في القدرة على استغلال عناصر أفلام الجريمة، وتوظيفها طوال أحداث الفيلم، حيث ركّز على الكثير من التفاصيل المهمة التي سيكون لها أدوارا في أوقات لاحقة، وهي تفاصيل يفّوتها بعض المخرجين في أعمالهم، فيلجأون للصدفة، كالتركيز على أرضية المنزل الخشبية الآيلة للسقوط، والأسلحة والمقتنيات التي تجمعها شخصية نورمان كولينز، وشخصية الأم الوهمية التي كانت حاضرة في ذهن الطفل "جايك" فحسب، كذلك أضفت الألوان القاتمة في كثير من المشاهد، أجواء كئيبة تناسب فيلم جريمة عن قاتل متسلسل.
نهاية غامضة
بقى في النهاية، أن نشير إلى النهاية الغامضة للفيلم، ليس في مصير الطفل المُخطتف، ولكن في مصير القاتل الابن، حينما يلتقى بوالده داخل السجن، حيث يقوم فرانك بشكل مسرحي مفاجئ بقتل ابنه الشاب بنفس الطريقة التي كان يقتل بها ضحاياه الأطفال، ليترك المخرج المشاهد في حيرة حول الأسباب التي دفعت الأب، أن يقتل ابنه، إذ يقول المخرج إنه يُحب أن يخرج الناس من الفيلم وهم يشعرون بالحيرة بدلاً من الشعور بالغموض التام، لكن هذه الحيرة تطرح أسئلة عن الأسباب التي دفعت الأب لقتل الابن، هل بدافع شعور مشوه بالعدالة تجاه الأطفال الذين آذاهم فرانسيس، أم بدافع غضب فرانك لأن إرثه تم تشويهه على يد هاوٍ؟، هل قتل تلميذا فاشلا له، أم أنه يقتل فيه صورة الأب الذى اعتدى عليه جنسيا في الماضى؟