من السمع والطاعة إلى صراع الجبهات.. كيف مزّقت الخلافات قيادة الإخوان وحوّلت التنظيم الواحد إلى كيانات متنافسة تتصارع على الشرعية والمال والمنابر والاسم التاريخي في الخارج؟.. مشهد يكشف تآكل التنظيم الإخواني

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 12:08 م
من السمع والطاعة إلى صراع الجبهات.. كيف مزّقت الخلافات قيادة الإخوان وحوّلت التنظيم الواحد إلى كيانات متنافسة تتصارع على الشرعية والمال والمنابر والاسم التاريخي في الخارج؟.. مشهد يكشف تآكل التنظيم الإخواني جماعة الإخوان

كتب: عزوز الديب

لم يعد السؤال داخل جماعة الإخوان الإرهابية : من يتولى القيادة؟ وإنما بات أكثر تعقيدًا: هل ما زال هناك تنظيم واحد يمكن أن تكون له قيادة واحدة؟، فخلال السنوات الأخيرة، انتقلت الجماعة من نموذج تنظيمي يقوم على مركزية القرار والانضباط الهرمي إلى واقع مختلف تمامًا، تتجاور فيه قيادات متعددة، وتتنافس جبهات على تمثيل الجماعة، بينما تعمل كل مجموعة على تثبيت نفوذها خارج مصر، وبناء أدواتها الخاصة في التنظيم والإعلام والموارد.

لم يحدث هذا التحول دفعة واحدة، وإنما جاء نتيجة تراكم أزمات بدأت بضرب مركز القيادة، ثم تحولت إلى خلافات على إدارة التنظيم، قبل أن تنتهي إلى ظهور مراكز قوى بات من الصعب جمعها تحت قرار واحد.

سقوط مركز القرار

كان خروج عدد من القيادات الإخوانية من مصر بعد عام 2013 نقطة تحول في طريقة إدارة التنظيم، إذ انتقلت أجزاء مهمة من النشاط إلى الخارج، وتوزعت القيادات بين عواصم مختلفة، ومعها بدأت تتغير طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، ومع القبض على محمود عزت، الذي كان يمثل أحد أبرز مراكز القرار داخل الجماعة، ازدادت الضغوط على الهيكل التنظيمي، قبل أن ينفجر الخلاف بصورة أكثر وضوحًا بين جبهتي إبراهيم منير ومحمود حسين.

في البداية، بدا الصراع وكأنه خلاف على إدارة مرحلة استثنائية، لكنه سرعان ما تحول إلى مواجهة على من يملك القرار التنظيمي، ومن يحق له إصدار التكليفات، وإدارة المؤسسات، والتحدث باسم الجماعة، وتحديد مسارها في الخارج، وهنا بدأت القاعدة التي حكمت التنظيم لعقود تتآكل: قرار مركزي يصدر، وقواعد تلتزم.

من خلاف قيادات إلى تعدد مراكز القرار

مع اتساع الخلاف، لم يعد الانقسام مجرد مواجهة بين شخصيات قيادية، بل تحول إلى هياكل متوازية، جبهتين متصارعتين ثم ظهر «تيار التغيير» بوصفه مسارًا ثالثًا يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره بديلًا عن القيادات التقليدية، داعيًا إلى إعادة ترتيب الهيكل التنظيمي ومنح مساحة أكبر لعناصر جديدة.

وهكذا انتقلت الجماعة من أزمة قيادة إلى أزمة تمثيل؛ إذ لم يعد هناك طرف قادر على فرض نفسه باعتباره المرجعية الوحيدة لجميع المجموعات الإخوانية في الخارج، كل جبهة باتت تمتلك روايتها، وقياداتها، وأدواتها، ودوائرها، بينما تراجع تدريجيًا تأثير فكرة الالتزام بقرار واحد صادر عن مركز واحد.

عندما أصبح منصب المرشد نفسه محل نزاع

بلغت أزمة الشرعية واحدة من أكثر مراحلها دلالة بعد وفاة إبراهيم منير في نوفمبر 2022، فبدل أن تؤدي وفاة القيادة إلى إعادة ترتيب الصفوف خلف قيادة جديدة، ظهرت مسارات متوازية؛ إذ أعلنت الجبهة الأولي تحت قيادة صلاح عبد الحق، في حين تمسكت الثانية بمحمود حسين، وهنا فقد منصب المرشد جزءًا من وظيفته التاريخية داخل البناء الإخواني، فالمنصب الذي كان يفترض أن يمثل نقطة الالتقاء أصبح نفسه عنوانًا للانقسام، وأصبح لكل جبهة مرجعيتها التي تستند إليها لإثبات أحقيتها.

وهذا التطور يكشف عمق الأزمة أكثر من مجرد اختلاف الأسماء؛ لأن المشكلة لم تعد في اختيار شخص جديد، بل في غياب الآلية القادرة على إلزام الجميع بنتيجة واحدة.

الشرعية تحتاج إلى أدوات.. والأدوات تحتاج إلى موارد

مع تراجع مركزية القرار، دخل عامل آخر على خط الأزمة: الموارد، فأي قيادة لا تستطيع إدارة مؤسسات أو الحفاظ على كوادر أو تشغيل منصات إعلامية أو بناء شبكات خارجية تظل محدودة التأثير، ولذلك أصبح النفوذ التنظيمي مرتبطًا بدرجة كبيرة بالقدرة على امتلاك الأدوات التي تسمح للجبهة بالاستمرار.

ومن هنا تداخل الصراع على القيادة مع الصراع على الموارد والشبكات والواجهات الخارجية.

لم يعد المال مجرد وسيلة لتمويل النشاط، وإنما تحول إلى أحد عناصر القوة داخل الصراع؛ فالجبهة التي تملك قدرة أكبر على إدارة مواردها تستطيع الحفاظ على حضورها، وتمويل منصاتها، والاحتفاظ بكوادرها، وتقديم نفسها باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على الاستمرار.

وبالتالي، أصبح أي تفاهم سياسي أو تنظيمي يصطدم بسؤال أكثر حساسية: ماذا سيحدث لشبكات النفوذ التي بنتها كل جبهة خلال سنوات الانقسام؟

الإعلام يتحول من أداة للدعاية إلى ساحة للصراع

ولم يكن الإعلام بعيدًا عن هذه المعركة، فمع تراجع الخطاب المركزي، ظهرت منصات وحسابات ومساحات إعلامية تعكس مواقف الجبهات المختلفة، وتحولت المنابر من وسيلة لتقديم خطاب موحد إلى أدوات لإثبات الشرعية ومهاجمة الخصوم.

كل طرف بات بحاجة إلى صوت يشرح روايته، ويدافع عن قراراته، ويقدم منافسيه باعتبارهم الطرف الخارج عن المسار التنظيمي، وبذلك لم يعد الخلاف حبيس الاجتماعات المغلقة، وإنما انتقل إلى المجال العام، وأصبح المتابع قادرًا على رؤية الانقسام من خلال اختلاف الرسائل والمواقف والشخصيات التي تتصدر المشهد الإعلامي.

والأهم أن هذا الانقسام الإعلامي لم يكن مجرد نتيجة للخلاف التنظيمي، بل ساهم بدوره في ترسيخه؛ فكل جبهة أصبحت تملك مساحة تستطيع من خلالها بناء جمهورها وتثبيت روايتها.

تيار التغيير.. الانقسام لم يعد ثنائيًا

لو ظل الصراع محصورًا بين جبهتين ، لكان من الممكن التعامل معه باعتباره أزمة داخل القيادة التقليدية، لكن ظهور «تيار التغيير» أضاف بعدًا جديدًا، فالتيار قدم نفسه باعتباره محاولة لإعادة تشكيل الجماعة، وتجاوز الصيغة القيادية القديمة، وإعادة ترتيب الأولويات والهياكل، مستفيدًا من حالة السخط تجاه القيادات التاريخية.

وهكذا أصبحت الخريطة أكثر تعقيدًا: جبهتين متنحارتين وتيار يطرح نفسه كمسار ثالث،وهذا يعني أن الأزمة لم تعد قابلة للاختزال في خلاف شخصي بين قياديين، وإنما تحولت إلى بنية انقسامية لكل طرف داخلها مصالحه وحساباته وشبكاته.

المشكلة الأكبر: الانقسام حين يتحول إلى واقع مؤسسي

الأخطر في مثل هذه الانقسامات ليس وقوع الخلاف نفسه، وإنما تحوله إلى مؤسسات قائمة، ففي اللحظة التي تنشئ فيها كل جبهة دوائرها التنظيمية، وتبني منصاتها، وتحافظ على كوادرها، وتنتج خطابها الخاص، يصبح التراجع عن الانقسام أكثر صعوبة، لأن المصالحة عند هذه النقطة لا تعني مجرد اتفاق قيادات، وإنما تعني إعادة توزيع النفوذ والموارد والمواقع، والتخلي عن مساحات قوة أصبحت كل جبهة تعتبرها جزءًا من وجودها، ولهذا فإن مرور الوقت لا يعمل بالضرورة لصالح إعادة التوحيد، بل قد يفعل العكس؛ إذ يمنح كل طرف فرصة لبناء واقع جديد يجعل الانفصال التنظيمي أمرًا أكثر رسوخًا.

الاسم الواحد.. مظلة أخيرة فوق كيانات متعددة

ورغم هذا التشظي، لا تزال جميع الأطراف حريصة على الاحتفاظ باسم جماعة الإخوان، والسبب أن الاسم لا يمثل مجرد عنوان، وإنما يحمل إرثًا تنظيميًا وسياسيًا يمتد لعقود، ومن ينجح في تقديم نفسه باعتباره الامتداد الحقيقي للجماعة يستطيع الاستناد إلى هذا الإرث في مواجهة خصومه، لذلك تحولت المعركة على الاسم إلى جزء من معركة الشرعية.
كل جبهة تريد أن تقول إنها تمثل «الإخوان الحقيقيين»، بينما يصبح الآخر، في روايتها، مجرد مجموعة خرجت عن التنظيم أو انحرفت عن مساره، وهنا تكمن إحدى مفارقات المشهد: كلما ازداد الانقسام التنظيمي، ازدادت حدة الصراع على الاحتفاظ بالهوية نفسها، فالأجنحة المتنافسة لا تريد إنشاء جماعة جديدة بقدر ما تريد وراثة الجماعة القديمة.

نهاية نموذج «التنظيم الدولي»؟

المشهد الحالي يضع النموذج التقليدي لما كان يعرف بالتنظيم الدولي أمام اختبار صعب، فبدل وجود مركز قادر على تنسيق المواقف، ظهرت مراكز متعددة. وبدل خطاب موحد، أصبحت هناك روايات مختلفة. وبدل آلية واضحة لحسم النزاعات، أصبح لكل جبهة تفسيرها للشرعية ومصدرها الخاص للقرار.

ومع استمرار هذا الوضع، تتحول فكرة التنظيم من هرم له قمة واحدة إلى شبكة من الكيانات والجزر التي تتقاطع أحيانًا، وتتصادم في أحيان أخرى، لكنها لا تخضع بالضرورة لسلطة واحدة.

وهذا التحول لا يتعلق فقط بأسماء القيادات الحالية، وإنما بطبيعة التنظيم نفسه؛ فكل انقسام أنتج واقعًا جديدًا، وكل واقع جديد خلق مصالح جديدة، وكل مصلحة أصبحت مرتبطة ببقاء الجبهة التي نشأت حولها.

من «وحدة الصف» إلى معركة على ما تبقى

في نهاية المطاف، تكشف خريطة الخلافات أن الأزمة التي تواجه الإخوان لم تعد مجرد صراع على منصب أو خلاف بين قيادات، إنها أزمة نموذج تنظيمي كامل.

الجماعة التي قامت تاريخيًا على مركزية القرار والسمع والطاعة تواجه اليوم واقعًا تتحرك فيه قيادات متوازية، وتتعدد فيه مراكز النفوذ، وتتنازع فيه الجبهات الموارد والمنابر والشرعية، بينما يتمسك الجميع بالاسم نفسه باعتباره آخر ما تبقى من مظلة جامعة.

ومن هنا يمكن فهم جوهر الصراع الحالي: المعركة لم تعد فقط على قيادة التنظيم، بل على إرثه، وموارده، واسمه، ومن يملك حق تقديم نفسه بوصفه الوريث الشرعي له.

وبينما تستمر الجبهات في تثبيت مواقعها، يصبح السؤال الأصعب ليس «من هو المرشد؟»، وإنما سؤال أكثر جوهرية: هل بقي من التنظيم الواحد ما يكفي لإنتاج مرشد واحد وقرار واحد، أم أن سنوات الانقسام صنعت كيانات متعددة لا يجمعها سوى الاسم والتاريخ؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة