"أطباء غزة.. وجع فى القلب ورسالة لا تنكسر".. طبيبة تواجه الموت بغرف الولادة وزوجة تنتظر زوجها المعتقل.. راوية الحرازين لـ"اليوم السابع": أنقذنا الأمهات على ضوء الهواتف والشموع.. وأريد العودة لبيتي لو كان ركاما

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 04:00 م
"أطباء غزة.. وجع فى القلب ورسالة لا تنكسر".. طبيبة تواجه الموت بغرف الولادة وزوجة تنتظر زوجها المعتقل.. راوية الحرازين لـ"اليوم السابع": أنقذنا الأمهات على ضوء الهواتف والشموع.. وأريد العودة لبيتي لو كان ركاما الطبيبة راوية الحرازين وأسرتها

حوار / أحمد عرفة


<< عالجت خلال عملى سيدة فقدت أبنائها الستة واستقبلت مولودا جديدا وأعطتني أملا في الحياة
<< ما زلت أحلم ببيت صغير ووردة تنبت من بين الركام
<< كان يمكن أن أموت خلال إنقاذي مريضة لكنني لم أستطع تركها.. وإنسانيتنا أبت الاستسلام للهزيمة
<< الأطباء في القطاع يبدعون في الاستفادة من أبسط الأشياء لمعالجة المرضى وإنقاذ حياتهم
<< كنا نجري الولادة القيصرية بأبسط الإمكانات.. وخرجنا من تحت القصف وإطلاق النار
<< مستلزمات الطبية تكاد تكون أقل من الصفر والمضادات الحيوية والمحاليل وخيوط العمليات شحيحة
<<  اعتقال زوجي العزيز صعبا ومؤلمًا للغاية والأسرى المحررون يخبرونا عن حجم حبه لابنه الصغير يوسف
<< فترة المجاعة أسوأ المراحل خلال الحرب ولا أستطيع حتى بأي كلمة أن أصفها
<< النساء خاصة الحوامل عانين كثيرا من نقص الغذاء مما أثر في أجسادهن وأطفالهن
<< أصعب شيء هو أن تكون في غرفة العمليات ثم يتم قصف مكان مجاور لك

 

بين رائحة الموت التي غطت شوارع غزة، وصوت القصف الذي لم يترك للمدنيين مساحة آمنة، كانت هناك نساء ما زلن يأتين إلى الحياة، وأطفال يولدون وسط الخوف، وأطباء يقفون في الصف الأول بين الموت والحياة، يحاولون أن يصنعوا من المستحيل فرصة أخرى للنجاة، في هذا المكان القاسي، كانت الطبيبة الفلسطينية راوية الحرازين تحمل سماعتها الطبية بيد، وتحمل خوفها على أطفالها وزوجها في اليد الأخرى، وتمضي إلى عملها رغم كل ما كان يحيط بها من خطر وفقد وقلق.

راوية ليست شاهدة من بعيد على مأساة غزة، بل واحدة من الذين عاشوا تفاصيلها بكل جوارحهم، طبيبة نساء وتوليد وجدت نفسها أمام نساء حوامل يواجهن الولادة بلا كهرباء، ولا أدوية كافية، ولا أدوات طبية، وأحيانا تحت ضوء هاتف محمول أو فانوس، بينما كان القصف يهز جدران المكان، كانت مطالبة بأن تنقذ حياة امرأة وطفلها، في الوقت الذي لا تعرف فيه إن كانت ستعود هي نفسها إلى أطفالها.

وفي الجانب الآخر من الحكاية، كانت راوية امرأة تنتظر زوجها، الدكتور ناهض أبو طعيمة، مدير مجمع ناصر الطبي، الذي اعتقل خلال الحرب، تاركا خلفه أسرة تحاول أن تتعلم كيف تواجه النزوح والخوف والقرارات المصيرية في غياب الأب والزوج، وبينما كانت تحاول أن تتجاوز ألم الأسر والقلق على مصيره، عادت إلى عملها، وكأن إنقاذ الآخرين أصبح طريقتها الخاصة في مقاومة الانكسار.

تحمل في ذاكرتها وجوه نساء لم يكن الموت قادرا على إطفاء رغبتهن في الحياة، امرأة فقدت أطفالها الستة ودفنتهم بيديها، ثم وجدت في غريزة الأمومة أملا جديدا، وأخرى فقدت ساقها، لكنها تزوجت وحملت من جديد، وناجية وحيدة قررت أن تمنح طفلها الحياة رغم أنها لم تجد حولها أحدا.

في هذا الحوار، لا تتحدث راوية عن الطب وحده، بل عن الإنسان عندما يُدفع إلى أقصى حدود احتماله؛ عن طبيبة تخاف لكنها لا تهرب، وأم تبكي لكنها تقف، وزوجة تشتاق لكنها تصمد، وإنسانة لا تزال تحلم، رغم كل شيء، بالعودة إلى بيتها، حتى لو كان ركاما، وبناء خيمة صغيرة على أرضها، وزراعة وردة في المكان الذي شهد كل هذا الألم.

من قلب هذه التجربة، تروي الطبيبة راوية الحرازين حكاية غزة كما عاشتها، حكاية أطباء قاوموا بالضمير، ونساء واجهن الموت بالحياة، وأسرة تنتظر عودة غائب، وإنسانة ما زالت تؤمن بأن خلف الركام بيتا يمكن أن يُبنى، وحياة يمكن أن تبدأ من جديد، وإلى نص الحوار..

الدكتورة راوية الحرازين تطالب بالإفراج عن زوجها
الدكتورة راوية الحرازين تطالب بالإفراج عن زوجها

كيف تصفين واقع عمل الأطباء في غزة خلال الحرب؟

الأطباء الفلسطينيين والكوادر الطبية الفلسطينية، من تمريض وإسعاف وإداريين، يعدون مثالا أعلى لكل أحرار العالم ولكل الأطباء في العالم، لأن ما فعلوه خلال هذه الحرب وحتى هذه اللحظة يعد ضربا من المعجزة، لقد صمدوا في ظروف أعتقد أن أي إنسان في أي مكان لن يستطيع الصمود فيها مثلهم، أو أن يجازف بحياته وحياة أسرته من أجل إنقاذ الجرحى والمصابين والوقوف إلى جانب أبناء شعبه وبلده.

ما أصعب المواقف التي واجهتكِ شخصيا داخل مجمع ناصر الطبي؟

واقع العمل لا يمكن وصفه بالكلمات، ولا بالأحداث، ولا بالصور، ولا بأي كلمة موجودة في قاموس اللغة العربية، يجب أن تعيش الواقع حتى تستطيع أن تصف ما يغامر به أطباؤنا، وما يشعرون به وما يعانون منه، ما حدث في غزة كان ضربا من الخيال، مجزرة بشكل عام، وقتلا غير طبيعي، فهذه أصعب ما واجهته هو القتل المستمر داخل القطاع، انتقاما لا إنسانيا، ولو تحدثت معك إلى آخر العمر، وحتى أموت، فلن أستطيع أن أصف لك ما حدث في القطاع من مواقف صعبة، وبخاصة ما عانته الكوادر الطبية والأطباء والتمريض، بصراحة، لا أعرف حتى هذه اللحظة كيف استطاع هؤلاء الناس، وكيف استطعنا نحن كأطباء وأفراد تمريض، أن نبقى واقفين على أقدامنا حتى الآن، وكيف لا يزال عقلنا البشري قادرًا على تحمل هذه المعاناة وهذا الألم وهذا الحزن وهذا الفقد.

بصفتك طبيبة نساء وتوليد.. ما أكثر الحالات التي تركت أثرا نفسيا عميقا لديكِ خلال الفترة الماضية؟

هناك تقريبا ثلاث حالات أثرت في نفسيا، إحداها كانت في مجمع ناصر، وكانت صاحبتها الناجية الوحيدة، كانت هذه الحالة صعبة للغاية، فقد ولدت وسط البكاء والألم، لكنها أصرت على أن تمنح ابنها الروح والحياة، كانت هذه السيدة قوية جدا وأعطتنا القوة، هي كانت تستمد منا القوة، لكننا استمددنا القوة منها، لأنها استطاعت الصمود رغم عدم وجود أي أحد حولها، لا أب ولا أم ولا زوج ولا أي شخص كانت هي وابنها فقط.

والحالة الثانية التي قابلتها خلال فترة الحرب في عامي 2024 و2025، كانت لسيدة بُترت ساقها اليسرى حتى مستوى الفخذ، لكنني، بصراحة، أكن لها كل الاحترام والتبجيل، لأنها أعطتني أملا في الحياة، وأعطتني قوة حتى لا أفكر فقط في الموت، بل أفكر في أن الحياة يجب أن تُحب، وعلينا أن نعيش ونمنح الأمل، تزوجت هذه السيدة، وهي الآن حامل، وتمارس حياتها الطبيعية وتعتني بطفلها الموجود في رحمها، وهي الآن تقريبا في الشهر السادس من الحمل، والحمد لله، ما شاء الله عليها، كلها أمل وقوة.

وكذلك هناك حالة أخرى قُصفت عائلتها، ولم يتبق منها سوى الزوج والزوجة، أما أطفالها الستة، رحمهم الله، فقد دفنتهم بيديها، لكن سبحان الله، فإن غريزة الأمومة وغريزة الحب وحب الحياة أعطتها أملا آخر، بأن تستقبل مولودا جديدا وتطلق عليه اسم أحد أطفالها الذين استشهدوا، وأنا أعتبر هذه السيدة الأم المثالية للعالم كله، لأنها، سبحان الله، قوية، كيف استطاع قلبها أن يجعلها تصبح أمًا مرة أخرى؟ وكيف تقبلت أن تصبح أمًا مرة أخرى بعد أن فقدت أطفالها الستة ودفنتهم بيديها؟ هذا في اعتقادي معجزة كاملة الأركان، إن الله أكرمها، والله كريم، وهي تقبلت هذا الكرم.

كيف تتعاملين مع حالات الولادة الطارئة في ظل القصف وانقطاع الكهرباء ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية؟

كانت حالات الولادة الطارئة من أصعب الحالات، تعاملنا مع حالات في الخيام، وتعاملنا معها في مدارس اللجوء، من دون أي أدوات ومن دون أي مستلزمات طبية، كنا نتعامل معها كما في الحياة البدائية التي كان يعيشها سيدنا آدم والسيدة حواء، والحمد لله، بكرم الله وفضله، أنقذنا الله وأنقذ الحالات.

ما الأدوات التي استخدمتها الفرق الطبية في مثل تلك الحالات الطارئة؟

كانت الهواتف المحمولة تساعدنا في بعض العمليات وفي بعض الأمور التي كنا نستخدمها أثناء الولادة، كنا نستخدم ضوء الهاتف، أو بعض الفوانيس، أو بعض الشموع في غرف العمليات، وبخاصة الهواتف عندما تكون مشحونة.

ما الذي يعنيه أن تجري طبيبة عملية ولادة بينما القصف مستمر حول المستشفى؟

أصعب شيء هو أن تكون في غرفة العمليات، ثم يتم قصف مكان مجاور لك أو تتم محاصرة الغرفة أو المستشفى الذي تعمل فيه أثناء إجراء العملية، في تلك اللحظة يدور كل شيء في ذهنك، أطفالك، وأسرتك، والمريضة، والطاقم الطبي، وكل شيء يكون أمام عينيك، أين وقع القصف؟ هل هو بجانبي؟ هل أصاب المكان الذي أنا فيه؟ كل هذه الأسئلة تدور في داخلك، كم يكون هناك من خوف وعذاب وقلق، لكن واجبك الإنساني والقسم الذي أقسمته هو ما يجعلك تبقى واقفا على قدميك وتواصل العمل، لأن هذه المرأة التي بين يديك أمانة في عنقك، ولا تستطيع أن تهرب وتتركها، لأن الله سيحاسبك عليها، هذه أمانة في عنقك، وأعتقد أن كل طبيب، لو كان في مكان أي واحد منا، سيظل صامدا حتى النهاية إذا كان لديه ضمير إنساني.

هل اضطررتِ أحيانا إلى إجراء تدخلات طبية بإمكانات محدودة أو من دون توفر المستلزمات التي تحتاجين إليها؟

اضطررنا في كل عملنا في غزة إلى العمل بأبسط الإمكانات، في بعض الأحيان لم تكن هناك مضادات حيوية، فكنا ننظف الجروح، وكنا نجري العمليات القيصرية بأبسط الإمكانات، وإذا كان الجرح ملتهبا أو كانت هناك مشكلات في الغرز، كنا نتعامل معها بأبسط الوسائل، بأبسط شيء يمكن أن تتخيله، وكان الأطباء في القطاع يبدعون في الاستفادة من أبسط الأشياء لمعالجة المرضى وإنقاذ حياتهم.

ما أكثر نقص طبي يؤثر في عمل أطباء النساء والتوليد حاليا؟

كانت المضادات الحيوية شحيحة بشكل غير طبيعي، وكذلك المحاليل وخيوط العمليات، وكلها كانت قليلة جدا، فمستشفيات غزة منهكة بدرجة غير طبيعية، بل أكثر من ذلك بكثير، المباني منهكة، والكوادر الطبية منهكة نفسيا وجسديا وعقليا، والمستلزمات الطبية تكاد تكون أقل من الصفر، بل تحت الصفر، المواد والأدوية والعلاجات والخيوط، كل شيء في قطاع غزة منهك.

انهيار القطاع الصحى في غزة
انهيار القطاع الصحى في غزة

 

كيف أثرت المجاعة وسوء التغذية ونقص المياه على صحة النساء الحوامل والأمهات والأطفال حديثي الولادة؟

كانت فترة المجاعة أسوأ المراحل التي دخلنا فيها خلال الحرب، ومن أسوأ ما مررنا به على الإطلاق، لا أستطيع حتى بأي كلمة أن أصفها لك، لأن النساء، وبخاصة الحوامل، عانين كثيرا من نقص الغذاء، الأمر الذي أثر في أجسادهن وفي أطفالهن، الذين أصبح لديهم نقص في الوزن، وكانت لذلك تبعات خطيرة جدا خلال فترة الحضانة أو في مراحل النمو.

هل تتذكرين موقفا شعرتِ فيه أن حياتك وحياة المرضى والزملاء كانت مهددة بشكل مباشر؟

كانت هناك مواقف شعرنا فيها أنا وأسرتي أو الطاقم الطبي بأننا مهددون بالقتل، وأن احتمال موتنا كان كبيرا، عندما قصف الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر من الجهة الشرقية، قصف منطقة عمليات الحروق والجراحة العامة، واستشهد فيها بالفعل عدد من الأشخاص، وكان ذلك في اليوم الذي أخرجونا فيه من المستشفى عبر الحواجز العسكرية وحواجز التفتيش، كان هذا الموقف صعبا للغاية، والحدث الثاني عندما كنت أنا والكوادر الطبية في مكان عملنا في بندر خان يونس، حيث تم قصف مركز شرطة بجوارنا مباشرة، كنا بالفعل معرضين للقتل والموت، والحمد لله، بعناية الرحمن، نجونا ونجا الطاقم الطبي.

كيف يستطيع الطبيب الاستمرار في إنقاذ الآخرين بينما هو نفسه يعيش الخوف على حياته وأسرته؟

كيف يمكن لطبيب في غزة أن يكون أمام خيارين لا ثالث لهما؟ كيف يمكن أن يكون أمام خيار بين أسرته وسلامة أسرته وأمانها، وبين مرضاه وسلامة مرضاه وعلاجهم وإنقاذ حياتهم؟ هذا خيار يصعب على العقل البشري والإنساني أن يختار بينهما، لكن الأطباء الفلسطينيين والكوادر الطبية والتمريض والمسعفين الذين جازفوا بحياتهم وبكل شيء، اختاروا أن يكونوا سندا قويا لشعبهم، وأن يحملوا القسم الذي أقسموه في الأكاديميات والمعاهد الطبية، ويوفوا بهذا القسم وهذه الأمانة التي على عاتقهم، والتي منحهم الله سبحانه وتعالى إياها.

حجم انهيار القطاع الصحى في غزة
حجم انهيار القطاع الصحى في غزة

كيف أثر اعتقال زوجكِ الدكتور ناهض أبو طعيمة مدير مجمع ناصر الطبي في حياتكِ كزوجة وطبيبة في الوقت نفسه؟

كان اعتقال الدكتور ناهض، زوجي العزيز، صعبا ومؤلما للغاية بالنسبة إلي، وكان أثر أسره شديدا علي، في الفترة الأولى دخلت، بصراحة، في حالة اكتئاب تقريبا، لكن رب العالمين أمدنا، أنا والأسرة، بالصبر والتحمل، وبدأت أفكر بجدية في أن أكمل المشوار، وألا أترك نفسي للهزيمة والاكتئاب، على العكس، بدأت أعود إلى خطواتي مرة أخرى، وأعود إلى عملي، وأقف على قدمي، وأساعد أبناء وطني وبناته في مراكز اللجوء.

لدكتور ناهض أبو طعيمة
الدكتور ناهض أبو طعيمة

متى عدتِ إلى عملك بعد اعتقال زوجك؟

عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من خان يونس، عدنا إلى عملنا في مستشفى ناصر ووقفنا على أقدامنا، لكن البداية كانت صعبة جدا، أن يتم اعتقال الزوج فجأة ويُهان من داخل المستشفى، كان لهذا أثر كبير، لأنه كسر كل القوانين التي كانت راسخة في داخلنا والمعروفة عالميا، بأن الطبيب لا يُمس، وأن المستشفى لا يستطيع أحد أن يأخذ منه الطبيب، لقد كسر ذلك كل مفاهيم العدل والقوانين الطبية في داخلنا، وأحاطنا بالاكتئاب والخوف والحزن.

كيف واجهتِ شعورك بالاكتئاب؟

إنسانيتنا أبت أن تستسلم للهزيمة، فوقفنا على أقدامنا مرة أخرى لأن علاج المرضى هي رسالتنا، والحمد لله، وها نحن الآن في مكان عملنا، نسير على درب الدكتور ناهض ودرب زملائنا الأسرى، الذين أفتخر بهم وبصمودهم حتى الآن في سجون الأسر.

كيف تعيش الأسرة منذ ذلك الوقت مع غياب الزوج والأب وعدم معرفة تفاصيل حياته اليومية داخل الأسر؟

النفس البشرية ضعيفة، لا أستطيع أن أقول لك إننا أناس مصنوعون من حجر أو حديد، نحن بشر، ويصيبنا الأسى والألم والحزن والضيق والاكتئاب، لكن سبحان الله، يسقط الإنسان مرة ثم يقف مرة أخرى، ونحاول بكل قوتنا أن نكون صامدين، لكن في بعض اللحظات ينتابنا البكاء والحزن والفقد.

لماذا؟

عندما لا يكون هناك أحد إلى جانبك، ولا يوجد من يتخذ معك القرارات المصيرية، وأنت في حرب ومعك أطفال وأسرة كاملة، فكيف يمكنني أن أنزح وحدي، وأواجه الدبابات وحدي، وأواجه كل هذه الدنيا وحدي، من دون رجل يشد على يدي أو يقف إلى جانبي؟ كانت هذه أمورا صعبة جدا، والحمد لله، سخر الله لنا أصدقاء وأشخاصًا وقفوا إلى جانبنا.

ناهض أبو طعيمة داخل مجمع ناصر الطبي
ناهض أبو طعيمة داخل مجمع ناصر الطبي

ما آخر معلومة أو رسالة وصلتكم عنه ؟

الأسرى يخبروننا ببعض الكلمات عن صمود وشجاعة زوجي، وأعتقد أنها تليق بمقام زوجي وتليق بشخصيته.

ناهض أبو طعيمة
ناهض أبو طعيمة

هل هناك وصية له إلى أبنائك؟

الأسرى المحررون الذين التقوا به في المعتقل الإسرائيلي يخبرونا عن حجم حب الدكتور ناهض لابنه الصغير يوسف، ودائما كان بوصي الأسرى عليه، وعندما خرج بعض الأسرى المحررين أبلغوني بوصية زوجى بأن اهتم بابني الصغير.

يوسف الابن الأصغر للطبيب ناهض أبو طعيمة وزوجته راوية الحرازين
يوسف الابن الأصغر للطبيب ناهض أبو طعيمة وزوجته راوية الحرازين

ما أكثر شيء تفتقدينه فيه منذ غيابه؟

الوحدة، كيف يمكنني وحدي أن أنزح، وأواجه كل هذه الدنيا وحدي من دون رجل يشد على يدي أو يقف إلى جانبي.

ضحى ناهض أبو طعيمة
ضحى ابنة الدكتور ناهض أبو طعيمة

ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى زوجك إذا كان يستطيع سماعكِ الآن؟

أريد أن أقول لزوجي إنني أنا والأولاد مشتاقون إليه، وإننا صامدون، نحن نعيش الآن في المخيمات، الله يعينك، والله يصبرك، والله يقويك، نحن نستمد كل الصبر من صبرك، وعجز الصبر عن تصوير الصبر الذي تصبره، بصراحة الله يصبره ويقويه ويفرج عنه، وإن شاء الله أراه أمامنا مرة أخرى، ويقف في غرفة العمليات بكل كبريائه وبكل قوته، ولا تهزمك عتمة السجان، ولا يهزمك التكبيل، نحن وراءك، ونحن معك، وسنبقى معك حتى تخرج من السجن، وتشاهد الحرية وترى شمس غزة مرة أخرى، أولادك جميعهم يحبونك، ونحن جميعا معك.

أحمد ناهض نجل الدكتور ناهض أبو طعيمة  طبيب أسنان
أحمد ناهض نجل الدكتور ناهض أبو طعيمة طبيب أسنان

حديثنا عن أخر نزوح لك وأسرتك خلال الحرب؟

كانت فترة نزوح صعبة للغاية، خرجنا من تحت القصف وإطلاق النار من قبل جنود الاحتلال حاصرنا، وربنا رحمنا وحتى الآن أحياء ولم يحن الوقت لاستشهادنا.

محمد ناهض أبو طعيمة طبيب صيدلى
محمد ناهض أبو طعيمة طبيب صيدلى

كيف تحافظين على تماسككِ النفسي وأنتِ طبيبة مطالبة بإنقاذ المرضى وزوجة تعيش ألم غياب زوجها؟

كما ذكرت، النفس البشرية ضعيفة، ، لكن سبحان الله، يسقط الإنسان مرة ثم يقف مرة أخرى، صمودنا كله بيد رب العالمين سبحانه وتعالى، هو الذي ابتلانا وهو الذي يرفع عنا، الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، نحاول بكل قوتنا أن نكون صامدين، لكن في بعض اللحظات ينتابنا البكاء والحزن.

هل مررتِ بلحظات شعرتِ فيها بالعجز أمام حالة مريضة بسبب نقص الإمكانات؟

نعم.. عندما نجد المضادات الحيوية غير متوافرة،  وكذلك المحاليل وخيوط العمليات، كل هذا أثر على عمل الأطباء داخل القطاع.

كيف أثرت الحرب في نظرتكِ لمهنة الطب وللحياة والأسرة؟

الحرب علمتنا أشياء كثيرة، منها أنه يمكن، بأبسط الإمكانات، أن ننقذ حياة مرضانا.

ماذا تعلمتِ من النساء اللواتي رأيتهن يلدن في أصعب الظروف؟

تعلمت منهم القوة والأمل، خاصة السيدة التي فقدت أبنائها الستة، بصراحة، أكن لهذه السيدة كل الاحترام والتبجيلـ لأنها أعطتني أملا في الحياة، وأعطتني قوة حتى لا أفكر فقط في الموت، بل أفكر في أن الحياة يجب أن تُحب، كانت هذه السيدة قوية جدًا وأعطتنا القوة.

إذا أتيحت لكِ فرصة توجيه رسالة واحدة إلى العالم عن معاناة الأطباء والمرضى في غزة.. ماذا ستقولين؟

العالم خذلنا كثيرا، خذلانا لا مثيل له، إذا بقيت لديكم ذرة من الإنسانية أو البشرية، فانظروا إلى أهل غزة.

ما الذي تحتاجه المستشفيات في غزة بشكل عاجل اليوم؟

مستشفيات قطاع غزة منهكة بدرجة غير طبيعية، المولدات الكهربائية شحيحة للغاية لدينا، ومواد الوقود والطاقة غير موجودة تقريبا، نحن بحاجة إلى كوادر تساعدنا، وبحاجة إلى مستشفيات وأدوات وأجهزة، فأجهزتنا الطبية كلها تعرضت للحرق والتدمير، كما أننا بحاجة إلى أجهزة طبية جديدة وحديثة، ولسيارات إسعاف، وأشياء كثيرة لا يمكنكم تخيلها أو تصورها، لابد من إعادة بناء كاملة للقطاع الصحي في غزة.

ما رسالتكِ إلى المؤسسات الطبية والإنسانية الدولية بشأن الأطباء المعتقلين والمرضى الذين يحتاجون إلى العلاج؟

انظروا إلى الكوادر الطبية، وإلى أطباء القطاع الموجودين في السجون، على الأقل أخرجوا الأطباء من المعتقلات، ما الذنب الذي ارتكبوه؟ ذنبهم فقط أنهم ظلوا في غرف العمليات يعالجون الجرحى والمرضى؟ هل هذا يعد ذنبا؟ هل هذا ذنب في الأمم المتحدة أو في القانون الدولي؟

بعد كل ما مررتِ به.. ما الذي يجعلكِ تتمسكين بالاستمرار في العمل؟

رسالتنا الطبية، بدأت أفكر بجدية في أن أكمل المشوار، وألا أترك نفسي للهزيمة والاكتئاب، على العكس، بدأت أعود إلى خطواتي مرة أخرى، وأعود إلى عملي، وأقف على قدمي، وأساعد أبناء وطني وبناته في مراكز اللجوء، فواجبك الإنساني والقسم الذي أقسمته هو ما يجعلك تظل واقفا على قدميك وأنت تعمل، لأن هذه المرأة التي بين يديك أمانة في عنقك، ولا تستطيع أن تتركها أو تهرب وتتركها، لأن الله سيحاسبك عليها.

بين طبيبة تحاول إنقاذ حياة النساء والأطفال وزوجة تنتظر عودة زوجها من الأسر.. ما الذي تتمنين أن يتغير غدا حتى تشعري أن هذه المعاناة بدأت تنتهي؟

ما أتمناه أن يتغير في هذه الأيام هو أن أعود إلى بيتي، حتى لو كان ركاما، يمكنني أن أبني خيمة، حتى لو كانت خيمة صغيرة، لأن بيتي هو الأمان، أرضي هي الأمان بالنسبة إلي، وأن ينسحب الجيش الإسرائيلي وأعود إلى بيتي، هذه أمنية كل واحد منا في غزة، أنا لا أريد المال ولا أريد شيئا، أريد فقط أن أعود إلى بيتي، حتى لو كان مقصوفا، أعود وأقيم خيمة لي ولأولادي، وأرتاح من هذا الشتات الذي أعيشه، ومن التعب النفسي وقلة النظافة والخوف من كل شيء، والخوف من أن يجتاحونا مرة أخرى، أريد أن أعود إلى راوية التي كانت قبل الحرب، إلى الدكتورة راوية، وأعود إلى مكاني، وأسيج أرضي وأبني من جديد، وأزرع الورد وأعيد أشجاري، هذه كلها أمنياتي، يا رب أن تحقق لنا إياها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة