رغم مرور نحو ألفي عام على انتقال السيدة العذراء مريم، فإن الإيمان المسيحي يروي أن العذراء ما زالت تتجلى للناس في أماكن مختلفة من العالم، حاملة رسائل سلام وبشارة، من لورد في فرنسا إلى فاتيما في البرتغال، وصولًا إلى مصر، التي شهدت عدة ظهورات موثقة أبرزها في حي الزيتون عام 1968، ثم في شبرا، وأسيوط، والوراق.
لكن ارتباط العذراء بمصر يعود إلى قرون أبعد، حين خطت قدماها مسارًا مقدسًا محفورًا في ذاكرة المصريين، خلال رحلة العائلة المقدسة من فلسطين هربًا من بطش هيرودس، حيث دخلت مصر عبر شمال سيناء مرورًا بالفرما، ثم إلى تل بسطا بالشرقية، التي أسقطت أوثانها عند قدوم الطفل الإلهي، ما دفع أهلها لمضايقة العائلة المقدسة ودفعها للرحيل جنوبًا.
وصلت العائلة إلى مسطرد حيث غسلت العذراء ملابس المسيح في النبع، ثم إلى بلبيس حيث استظلت تحت شجرة ما زالت تُعرف بشجرة العذراء. ومن هناك اتجهت إلى منية سمنود، فعبرت النيل إلى سمنود حيث عجنت في ماجور من الجرانيت لا يزال موجودًا حتى اليوم. ومن سمنود واصلت الرحلة إلى سخا بكفر الشيخ، حيث طُبع أثر قدم المسيح على حجر محفوظ حتى العصر الحديث.
عبرت العائلة فرع رشيد نحو وادي النطرون، الذي نال بركتها وأصبح لاحقًا أحد أهم مراكز الرهبنة في العالم، ثم تحركت جنوبًا إلى المطرية، حيث جلست العذراء تحت شجرة مريم الشهيرة وشربت من بئر ما زال قائمًا. ومن المطرية دخلت مصر القديمة، واستقرت أيامًا في كنيسة أبي سرجة التي تضم المغارة التي آوتهم.
من هناك اتجهت العائلة إلى المعادي، حيث أبحرت في النيل نحو الصعيد، مارّة بدير الجرنوس في المنيا، ثم جبل الطير حيث لجأت إلى مغارة لا تزال مزارًا، قبل أن تصل إلى الأشمونيين، وديروط، ثم مير، وصولًا إلى دير المحرق بأسيوط، الذي يعتبره المؤرخون "بيت لحم الثاني"، إذ مكثت فيه ستة أشهر وعشرة أيام، وهناك ظهر الملاك ليوسف النجار آمرًا إياه بالعودة إلى أرض إسرائيل.
وفي طريق العودة، زارت العائلة جبل درنكة جنوب أسيوط، ثم عادت عبر مصر القديمة والمطرية فالمحمة، إلى سيناء، ومنها إلى الناصرة في الجليل.