في تحول لافت يعكس تشددًا متزايدًا في تعامل السلطات البريطانية مع أنشطة جماعة الإخوان الإرهابية وشبكات الإسلام السياسي، بدأت الحكومة البريطانية في توسيع دائرة التدقيق والرقابة على المؤسسات والجمعيات التي يُشتبه في ارتباطها بالتنظيم، في خطوة تشير إلى تراجع المساحات التي سمحت خلال العقود الماضية بتمدد هذه الشبكات داخل المجتمع البريطاني واستثمار النشاط المدني والخيري والإعلامي في بناء نفوذ طويل الأمد.
ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الأوساط السياسية والأمنية البريطانية من قدرة التنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي على العمل من خلال هياكل قانونية تبدو مستقلة، بينما تجمعها في الوقت نفسه علاقات تنظيمية أو مالية أو فكرية متشابكة، وهو ما دفع السلطات إلى الانتقال من مجرد مراقبة نشاط الجمعيات المسجلة رسميًا إلى فحص طبيعة العلاقات التي تربط القائمين عليها بشبكات أوسع.
تغير تعامل الحكومة البريطانية مع المؤسسات التابعة للتنظيم
وأكدت وزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي البريطانية، ردًا على سؤال برلماني بشأن تأثير أنشطة جماعة الإخوان على التماسك المجتمعي والاندماج، أن وزارة الداخلية تتولى تقييم التهديدات المرتبطة بالتطرف بصورة مركزية وشاملة، مع مشاركة نتائج هذه التقييمات والتوصيات مع الوزارات والهيئات الحكومية المختلفة، لضمان إجراء التدقيق اللازم قبل التعامل مع أي جهة أو مؤسسة.
ويكشف هذا التوجه عن تغير في آليات تعامل الحكومة البريطانية مع المؤسسات التابعة للتنظيم، إذ لم يعد التدقيق مقتصرًا على الوضع القانوني للجمعية أو طبيعة نشاطها المعلن، وإنما أصبح أكثر ارتباطًا بفحص الأشخاص الذين يديرونها، وعلاقاتهم بالمؤسسات الأخرى، ومصادر التمويل التي تحصل عليها، والجهات التي تتلقى منها المنح أو الدعم.
وتشير التحركات داخل أجهزة الدولة البريطانية إلى أن السلطات باتت تولي اهتمامًا أكبر بما يمكن وصفه بالنفوذ الناعم للإخوان الإرهابية، خصوصًا من خلال الجمعيات والمراكز البحثية والإعلامية والمنظمات الخيرية التي يمكن أن توفر للتنظيم مساحة للتحرك والتأثير دون الظهور بصورة تنظيمية مباشرة.
التدقيق في شبكات العلاقات بين مؤسسات التنظيم الإرهابي
ويمتد هذا التدقيق إلى شبكات العلاقات بين المؤسسات المختلفة، بما في ذلك انتقال شخصيات وقيادات ومستشارين بين مجالس إدارات الجمعيات والمراكز والمنظمات، وهو ما يسمح برصد الروابط التي قد لا تظهر عند التعامل مع كل مؤسسة بصورة منفصلة، بينما تكشف المتابعة الجماعية عن شبكة أوسع من المصالح والعلاقات.
كما تركز السلطات البريطانية على القنوات المالية التي تمر من خلالها المنح والتبرعات، في محاولة للتأكد من عدم استخدام المؤسسات الخيرية كغطاء لتمويل أنشطة سياسية أو أيديولوجية، أو تحويل الأموال إلى جهات خارج البلاد ترتبط بشبكات متطرفة أو تنظيمات محظورة.
ويتزامن ذلك مع استمرار الحكومة البريطانية في اتباع سياسة أكثر تحفظًا تجاه عدد من المؤسسات الإسلامية البارزة، وعدم منحها مساحة رسمية واسعة داخل دوائر صنع القرار، في محاولة لمنع أي جهة من استغلال التواصل الحكومي للحصول على شرعية مؤسسية أو تقديم نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للمسلمين داخل بريطانيا.
وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة بالنظر إلى الدور التاريخي الذي لعبته لندن في احتضان عدد من قيادات الإخوان الإرهابية وشخصيات مرتبطة بالتنظيم منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث تحولت العاصمة البريطانية على مدار عقود إلى مركز مهم للنشاط الإعلامي والفكري والتنظيمي المرتبط بالجماعة.
وخلال تلك الفترة، تمكنت شبكات مرتبطة بالإخوان من تأسيس مجموعة واسعة من المؤسسات والمراكز والجمعيات التي عملت في مجالات متعددة، من بينها العمل الخيري والإعلامي والبحثي والمجتمعي، وهو ما وفر للتنظيم قدرة على بناء حضور طويل الأمد والتواصل مع قطاعات مختلفة من المجتمع البريطاني.
واعتمدت الجماعة في تمددها داخل البيئة الغربية على تقديم عدد من مؤسساتها باعتبارها كيانات مستقلة تعمل في المجال المدني، مع التركيز على قضايا الاندماج وحقوق الأقليات والعمل الخيري، بينما ظلت طبيعة العلاقات الفكرية والتنظيمية بين بعض هذه المؤسسات وبين شبكات الإخوان محل نقاش داخل الأوساط الأمنية والسياسية.
ومع تصاعد المخاوف من التطرف والإرهاب خلال السنوات الماضية، بدأت المؤسسات البريطانية في إعادة تقييم بعض هذه العلاقات، خاصة مع تنامي النقاش حول قدرة التنظيمات الأيديولوجية على استغلال الانفتاح السياسي والمجتمعي لبناء شبكات نفوذ مؤثرة داخل المجتمعات الغربية.
تزايد التساؤلات داخل البرلمان بشأن طبيعة أنشطة الإخوان الإرهابية
ويأتي الضغط البرلماني البريطاني في مقدمة العوامل التي دفعت الحكومة إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع التنظيم، حيث تزايدت الأسئلة داخل البرلمان بشأن طبيعة أنشطة الإخوان الإرهابية وتأثيرها على الاندماج والتماسك الاجتماعي، إلى جانب المطالبات بزيادة التدقيق في المؤسسات التي يُعتقد أنها قريبة من الجماعة.
ولا ينفصل هذا المسار عن مراجعة أوسع لسياسة مكافحة التطرف في بريطانيا، إذ تسعى الحكومة إلى تطوير أدواتها للتعامل مع ما تعتبره تهديدات أيديولوجية، وعدم الاكتفاء بمواجهة النشاط الإرهابي المباشر، وإنما التعامل أيضًا مع البيئات التي يمكن أن توفر أرضية لنشر الأفكار المتطرفة أو بناء شبكات اجتماعية وسياسية داعمة لها.
ويعني ذلك أن المواجهة مع الإخوان الإرهابية في بريطانيا لم تعد مرتبطة فقط بالتحقيق في الجرائم أو الأنشطة غير القانونية، وإنما أصبحت تتعلق كذلك بمسألة النفوذ والتأثير والقدرة على الوصول إلى المؤسسات الرسمية والمجتمعية، وهو ما يفسر تشديد إجراءات التدقيق قبل منح بعض الجهات مساحة للتعاون مع المؤسسات الحكومية.
وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة البريطانية معادلة دقيقة تتمثل في ضرورة التمييز بين مواجهة التنظيمات الأيديولوجية وبين حماية حقوق المسلمين والمؤسسات الدينية والمدنية التي تعمل بصورة قانونية، وهو ما يجعل الإجراءات الحكومية خاضعة لنقاش سياسي وقانوني واسع حول حدود الرقابة والتدقيق.
وتحاول السلطات البريطانية من خلال هذا النهج منع الإخوان الإرهابية من استثمار المؤسسات المدنية في تقديم نفسها باعتبارها ممثلًا للمجتمعات المسلمة، خصوصًا أن منح أي مؤسسة صفة الشريك الرسمي أو الممثل المجتمعي يمكن أن يوفر لها نفوذًا إضافيًا وقدرة أكبر على التأثير في السياسات العامة.
تجفيف مصادر التمويل محورًا أساسي في مواجهة التنظيم الارهابي
كما يمثل تجفيف مصادر التمويل محورًا أساسيًا في هذه السياسة، إذ إن قدرة التنظيم على الحفاظ على شبكة واسعة من المؤسسات تتطلب موارد مالية مستمرة، سواء من التبرعات أو المنح أو الأنشطة الخيرية، وهو ما يجعل الرقابة المالية أداة رئيسية في الحد من تمدده.
وتزداد أهمية هذا الجانب في ظل الطبيعة الدولية لشبكات الإخوان الإرهابية، التي تعتمد على وجود مؤسسات وواجهات في أكثر من دولة، بما يسمح بتحريك الأموال والأفراد والأفكار عبر الحدود، وهو ما يجعل أي تشديد للرقابة في بريطانيا مؤثرًا على قدرة التنظيم على إدارة بعض أنشطته الدولية.
مرحلة جديدة في التعامل مع الجماعة بلندن
ويضع هذا التحول لندن أمام مرحلة جديدة في التعامل مع الجماعة، بعدما ظلت لسنوات طويلة واحدة من أهم البيئات الغربية التي تمكنت فيها شبكات الإخوان من بناء مؤسسات إعلامية وفكرية وخيرية، مستفيدة من طبيعة النظام السياسي البريطاني وانفتاحه على التنظيمات والمجتمعات المختلفة.
ومع اتساع دائرة التدقيق الأمني والبرلماني، يبدو أن السلطات البريطانية تتجه نحو سياسة أكثر صرامة تقوم على فحص الشبكات بدلًا من المؤسسات بصورة منفردة، ومراجعة العلاقات المالية والتنظيمية، وتقليص فرص الحصول على شرعية رسمية أو نفوذ حكومي من خلال العمل المجتمعي.
وبذلك تتحول المواجهة مع الإخوان الإرهابية في بريطانيا من مجرد نقاش حول أفكار التنظيم وخطابه إلى ملف أوسع يتعلق بمصادر التمويل وشبكات النفوذ والعلاقات المؤسسية، في وقت تسعى فيه لندن إلى إعادة ضبط المساحات التي تحركت فيها هذه الشبكات لعقود طويلة.
ويشير هذا المسار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من التدقيق في المؤسسات والجمعيات المرتبطة بالإخوان الإرهابية، خاصة مع استمرار الضغوط السياسية والأمنية المطالبة بتفكيك شبكات النفوذ ومنع استغلال الغطاء الخيري والمدني في تحقيق أهداف تنظيمية أو أيديولوجية.